الاقتصاد البرازيلي تعصف به موجة ركود كبيرة ووزير المالية يدعو الشعب للصلاة للخروج من الركود

جلس ببدلة داكنة قبالة الكاميرا وقال "لم يسبق أن حدث ركود كهذا من قبل" ثم قال "لهذا أنا أعتمد على تعاونكم .. أحتاج إلى صلوات كل واحد منكم"، هذا ما قاله وزير المالية البرازيلي "هنريك ميريليس" أمس الأربعاء في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير. 

إذن على البرازيلين أن يأخذوا بالاعتبار أن الشهر القادم سيكون "شهر الصلاة من أجل الاقتصاد"، لم أقل هذا من جعبتي، إذ أظهر الفيديو الذي انتشر في نهايته رسالة جاء فيها "أكتوبر/ تشرين الأول.. شهر الصلاة من أجل الاقتصاد".

موقفين متناقضين 

يبدو أن وزير المالية هنريك، نسف كل ما قاله الرئيس البرازيلي ميشيل تامر في وقت سابق من الشهر الحالي. ففي أثناء لقاءه مع الرئيس الصيني "شي جينغ بينغ" في بكين خلال قمة مجموعة "بريكس" التي تضم إلى جانب البرازيل والصين كل من روسيا والهند وجنوب إفريقيا، أن البرازيل خرجت عمليًا من أسوأ ركود اقتصادي في العقد الجاري. 

لا يُعرف على ماذا اعتمد الرئيس عندما قال أن الاقتصاد البرازيلي خرج من أسوأ ركود! أو هل قصد اقتصادًا أخر مثلا. فمن غير المعقول أن الأرقام تبدلت خلال أيام، حيث ذكر وزير المالية أن البلاد بحاجة لصلوات الشعب للخروج من أسوأ ركود ضرب البلاد. فهل كان الرئيس ميشيل تامر يكذب على الشعب البرازيلي وعلى قادة دول البريكس في ذلك الاجتماع؟ 

وزير المالية يوجه رسالة للشعب البرازيلي لمساندة الاقتصاد 

إذ أظهرت البيانات الرسمية هناك أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3.6% خلال العام الماضي وذلك للعام الثاني على التوالي، وهي أسوأ مؤشرات للاقتصاد البرازيلي على الإطلاق. كما تراجع الاستثمار في البلاد بنسبة 10.2% خلال العام الماضي ووصلت معدلات البطالة إلى قرابة 12.6% من السكان أي قرابة 12.9 مليون شخص، إذ قفزت إلى 76% في عام 2016 مقارنة مع العام 2014. ووصل إجمالي الدين العام إلى ما نسبته 67.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت نسبة الديون الخارجية للبلاد إلى 38% من إجمالي الناتج المحلي. 

وزير المالية البرازيلي 

على العموم اقتصاديًا لا توجد مدرسة أو منهج دعا للصلاة من أجل الخروج من أزمات اقتصادية، ولم يسجل أحد من الخبراء أو العلماء في الاقتصاد، أن إنقاذ الاقتصاد ونشله من الركود أو من الأزمات، يتم عبر الصلاة. وما فائدة أن يصلي الشعب كله لأجل الاقتصاد، في الوقت الذي تعيش فيه البلاد فساد مستشري على أعلى المستويات. وربما لو كان هذه الإجراء يخلص أي بلد من الركود لتعافت كل اقتصادات العالم من مشاكل وأزمات الاقتصاد، إذ لا يستدعي حل أزمة اقتصادية أو خروج من الركود سوى الذهاب للصلاة في المسجد أو الكنيسة أو المعبد. 

لن يغفر للحكومة البرازيلية أن تخرج من ركودها الاقتصادي عبر صلوات شعبها، وحتى لو صلى معها شعوب أمريكا اللاتينية معها فلن يغير هذا من الواقع شيء

ويبدو أن الرئيس ميشيل لم يكذب وحسب، بل هو فاسد أيضًا في حال ثبتت الاتهامات ضده. ففي شهر يونيو/حزيران الماضي وجه كبير المدعين الاتحاديين في البرازيل، رودريغو غانوت، اتهامات للرئيس، ميشيل تامر، بتلقي رشى بملايين الدولارات، قال غانوت في وثيقة الاتهام التي قدمها إلى المحكمة العليا، الإثنين، إن "الرئيس خدع البرازيليين" ومدين للبلاد بتعويضات بالملايين نظير تلقيه رشى.  

ومن شأن هذه الاتهامات أن تسمح لمجلس النواب البرازيلي التصويت بشأن السماح للمحكمة العليا بمحاكمة الرئيس المحافظ ميشيل تامر والذي حل محل الرئيسة السابقة ديلما روسيف قبل أكثر من عام بعد إقالتها بسبب تهم الفساد التي وجهت لها.  

الاقتصاد البرازيلي

دخل اقتصاد البرازيل سابع أقتصاد في العالم من حيث القيمة الاسمية للناتج المحلي، في انكماش منذ منتصف العام 2015 وآنذاك كانت المرة الأولى خلال ست سنوات أي منذ الفصل الأول من 2009. وفي الواقع فإن الركود كان سائدًا بين الدول الغنية إذ انخفض النمو في الاقتصاد العالمي بقيادة الصين. وبدى أن دولا قد تمكنت من الخروج من الركود وبعضها لا تزال عالقة فيه. 

في ذلك الوقت أشار محللون في البرازيل، أن فترة الانكماش هذه ستستمر على مدى سنتين على الأقل أي العام 2016 والعام 2017. وذكر "اليكس اغوستيني" كبير الاقتصاديين في وكالة التصنيف المالي البرازيلية في 2015 إن "إجمالي الناتج الداخلي يظهر أن البرازيل تشهد حاليًا انكماشا قويًا (...) مع تضخم يرتفع ومعدلات للفائدة ترتفع وإصلاح ميزاني ضروري لا يتحقق". وأضاف ان كل هذا يجري في "أجواء سياسية مضطربة". 

طبعًا الموقف المالي الصعب الذي تواجهه حكومة البرازيل، تواجهه أيضًا الشركات العامة العاملة هناك، التي تتزايد ديونها، وتحوم حولها شبهات فساد، ما يعقد مناخ أعمالها، وقد أعلن بعضها إفلاسه بينما يحقق البعض الآخر خسائر.

في تحليل ساقه رئيس قسم الاقتصاد في جامعة الكويت الراحل محمد إبراهيم السقا، في مقال له منشور في أبريل/نيسان 2016، تنبأ أن الأرقام التي يحققها الاقتصاد البرازيلي على مدى الفصول والأعوام السابقة، تشير إلى أن هناك تدهورًا سريعًا في الأداء الاقتصادي يعد الأسوأ بين مجموعة الدول الغنية. وقد حصل فعلا وها هو وزير المالية البرازيلي يناشد الشعب الصلاة من أجل إخراج الاقتصاد من الركود. 

وقد كانت الأوضاع السياسية آنذاك تُعقد أي عملية إصلاح اقتصادي بسبب الاتهامات التي واجهتها الرئيسة ديلما روسيف، بسوء الإدارة وشبهات بالتلاعب في الحسابات المالية للدولة لإظهار الوضع المالي للدولة بصورة أفضل. وهو ما أدى لانخفاض شعبيتها بشكل كبير وسحب الثقة منها. لا تزال الأزمة الاقتصادية على حالها منذ ذلك الوقت والوضع في تدهور مستمر، وما يغذي هذا الأمر هو الفساد الذي يضرب مؤسسات الدولة بدءًا من الرئيس، وفي حال تم سحب الثقة عن الرئيس مرة أخرى فإن هذا لن يكون بالأمر الجيد للاقتصاد البرازيلي. 

أظهرت البيانات الرسمية في البرازيل أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3.6% خلال العام الماضي وذلك للعام الثاني على التوالي

الحكومة مكبلة عن اتخاذ إجراءات لازمة لتدبير دعم مالي لإنعاش الاقتصاد مع تراجع القاعدة الضريبية، وخلال العامين الماضيين اقتصرت الإجراءات الحكومة على بعض البرامج ذو الإنفاق الضعيف مثل برنامج الإقراض المدعم بميزانية وصلت لنحو 20 مليار دولار لتعزيز المشاريع الزراعية ومشاريع البنى التحتية. وإضافة إلى ذلك فإن فرض لجوء الحكومة إلى برامج تقشفية تعد محدودة فهناك عديد من القيود على الإدارة المالية أهمها أن معدلات الضرائب تعد مرتفعة أصلًا، من جانب آخر فإن قدرة الحكومة على تخفيض إنفاقها المالي محدودة. ويشير الدكتور السقا، أن البرازيل تتجه نحو أسوأ حالات الكساد التي واجهتها في تاريخها.  

لن يغفر للحكومة البرازيلية أن تخرج من ركودها الاقتصادي عبر صلوات شعبها، وحتى لو صلى معها شعوب أمريكا اللاتينية معها فلن يغير هذا من الواقع شيء. الأمر يتطلب انضباط مالي يوقف حالات الفساد التي تضرب الحكومة وتعيد الثقة فيها من جديد، بحيث يمكنها التحرك بمرونة أكبر لمواجهة المشاكل الاقتصادية التي تواجه البلاد.