منذ خس سنوات، زرت الخليج العربي بشكل دوري، قطر و الإمارات بشكل خاص، حيث لم يمر عام دون أن أزور البلدين مرة على الاقل. وكانت إقامتي في بريطانيا قد فتحت لي أفق واسع للتعرف على المجتمع السعودي من خلال إختلاطي الكثيف بالطلاب السعوديين المبتعثين إلى بريطانيا للدراسة.

جميع من عرفت من أهل الخليج العربي كان يتحدث عن إيران وخطرها القادم بإتجاه الخليج والذي بدأ يكبر عاما وراء أخر منذ إنسحاب القوات الأمريكية من العراق وإفساح المجال لإيران لتعبث في المنطقة كما تشاء، السعويون وحدهم من كانوا منقسمين حول الأمر، يقول مثقفوهم أن الدولة ستواجه مستقبلا مظلماً إذا إستمرت إدارة البلاد بنفس الطريقة، بينما تتحدث شريحة كبيرة أن ولي الأمر ( طال عمره ) يدري ما يفعل وأنه قادر على سحق أي تدخل إيراني.

لكننا إذ ننظر بعين فاحصة للأمر في السعودية نستطيع أن ندرك فداحة الموقف، خاصة مع التحركات الأخيرة في المنطقة والتي تصب كلها في غير صالح السياسة السعودية من الناحية الإستراتيجية. فالدولة محاطة بشكل كبير بالأعداء الذين تحسن الدولة السعودية إستفزازهم وإظهار ضعفها لهم.  

بدأ الأمر بإيران، الدولة الشيعية التي تتحدث بشكل كبير عن حقوق الشيعة في السعودية، وتصور مجموعاتها هناك على أنهم يتعرضون لأبشع أنواع الظلم من قبل النظام السعودي، فيما تبدو ورقة مقايضة جيدة تعتمد عليها إيران لإبتزاز السعودية كلما إقتضت الحاجة.

اليوم أعلنت إيران أنها ستبيع الغاز لسلطنة عمان، الدولة الخليجية التي لا تدور في فلك ال سعود في المنقطة، فالسلطنة كانت الوسيط بين الإمارات العربية المتحدة و إيران في موضوع الجزر المتنازع عليها، متجاهلة بذلك السعودية و دورها في دعم الإمارات ضد إيران بهذا الخصوص.

إيران ستمد يدها طويلة داخل الخليج العربي، ضمن الإتفاقية مع عمان ستمنح الأخيرة إيران قاعدة عسكرية في أراضيها، مادة لها بذلك من اسباب القوة ما تسيطر به على الخليج العربي بشكل كامل، وفاتحة لها الباب واسعا لإعاقة أي عملية تصدير للنفط من السعودية أو الكويت أو البحرين ( الدول الحليفة للسعودية ) متحكمة بذلك بمنافذ النفط مضيفة على المملكة أعباءا ثقيلة.

من ناحية أخرى، شكل رحيل علي عبد الله صالح صفعة للمملكة التي حاولت إحتواءه لديها وتحاول جاهدة إفشال الثورة اليمنية لإيبقاء اليمن ضمن الوصاية السعودية، لكنها تشاغلت عن الحوثيين ( ذراع إيران ) فاتحة لهم المجال للسيطرة على مناطق شاسعة داخل اليمن. وهو ما يشكل عبئ جديدا على المملكة حيث منفذها البحري عبر البحر الأحمر سيقع بين فكي كماشة الحوثيين من جهة وقراصنة الصومال من جهة أخرى. وهؤلاء يمكن بسهولة شراء ذممهم لمنع المملكة من مواصلة تصديرها للنفط في حال نوت إيران ذلك.

يأتي كل هذا في نفس الوقت الذي تتوصل فيه إيران لمصالحة مع الغرب ستجعل بموجبها بيع النفط  الإيراني لأوروبا  مسألة طبيعية بعد إزارة الحظر المفروض عليه.

من جهة أخرى لم تحزر السعودية أي تقدم في الملف السوري الذي على مبا يبدو أنها قد تتراجع عن دعمه في أي لحظة، وذلك بعد القرارات الملكية الأخيرة بتجريم الإرهاب والدعوة للجهاد في سوريا. هذا الملف الذي أثقل كاهل المملكة طيلة الفترة الماضية وجعلها تتخبط بين إرضاء أمريكا وإسترضاء روسيا وهو الأمر الذي لم تفلح فيه الخارجية السعودية.

المالكي في العراق صعد الموقف من طرفه، معلنا حرب مفتوحة على سنة العراق المدعومين من السعودية، ومن غير المستغرب أن تحاول المملكة إهدار الكثير من المال هناك بحجة مسساعدة أهل السنة دون أن يفضي ذلك لخير حقيقي.

مصر والتي ساعدت السعودية إسقاط نظام مرسي فيها لم تستقر الأوضاع فيها للإنقلاب العسكري المدعوم من الخليج، وبقيت الأمور مرشحة لمختلف الإحتمالات وفي حال توقف الدعم السعودي للسيسي فإن الإنقلاب مرشح للإنهيار هناك. فيما لن يستطيع الإنقلاب مع الدعم السعودي للوصول إلى القضاء على الإخوان المسلين لتبقى مصر جبهة مفتوحة للسعودية ضمن الملفات الكثيرة التي فتحتها المملكة على نفسها مؤخرا.