في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات بين السودان وإثيوبيا حالة من الهدوء والاستقرار خلال الآونة الأخيرة في ظل حزمة من التفاهمات المشتركة على مختلف الأصعدة، ها هي العلاقات بينهما تدخل نفقًا جديدًا من التوتر إثر اتهام أديس أبابا لجارتها بالتقاعس عن وقف تهريب الأسلحة إلى أراضيها عبر الحدود معها.

التصعيد هذه المرة يأتي على خلفية تقرير قدمه وزير الخارجية الإثيوبي لمجلس نواب بلاده يكشف استمرار تدفق الأسلحة المهربة عبر الشريط الحدودي مع السودان، ما يهدد استقرار وأمن البلاد، الأمر الذي دفع أديس أبابا إلى تحذير الخرطوم باتخاذ كل الإجراءات الممكنة لوقف هذا المنفذ وإلا فالعلاقات بينهما ربما تتعرض لهزة عنيفة، بحسب "سودان تريبيون".

التوتر بين البلدين ليس وليد اليوم، فهو ممتد منذ عقود طويلة جراء الخلاف الحدودي الذي كاد أن يتسبب في نشوب نزاعات مسلحة، غير أن التحديات الدولية والإقليمية دفعت الجانبين إلى تنحية هذا الخلاف مؤقتًا وتدشين صفحة جديدة من التنسيق لا سيما على الجانب الأمني خلال الأعوام القليلة الماضية.. فهل تتعرض هذه العلاقة لانتكاسة جديدة؟

"لقد أبلغناهم بوضوح أنه بخلاف ذلك، سيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى قطع العلاقات الدبلوماسية أو بأقل تقدير ستتأثر العلاقات سلبًا بيننا" وزير خارجية إثيوبيا

تهديد بقطع العلاقات

وزارة الخارجية الإثيوبية تقدمت بطلب إلى حكومة السودان لتشديد الرقابة والسيطرة على عمليات تهريب الأسلحة غير المشروعة عبر الحدود المشتركة، وهو ما قد يحدث نكسة دبلوماسية غير مرغوبة بين البلدين، وفقًا لما ذكرته الوزارة في بيانها الصادر أمس تعليقًا على التقرير المقدم لمجلس النواب (البرلمان).

وكان وزير الخارجية ورقنه جبيو قد قدم تقريره الذي استغرق إعداده ستة أشهر إلى البرلمان الثلاثاء الماضي، وأشار إلى أنه على مدى الأشهر القليلة الفائتة، لاحظت الحكومة انخفاضًا في مستوى الأسلحة النارية المهربة من خلال جميع النقاط الحدودية عدا الحدود مع السودان، إذ سجل أكبر عدد من الأسلحة المهربة غير القانونية إلى البلاد.

وعليه قال جيبو: "أبلغت بوضوح الرئيس السوداني عمر البشير ووزراءه بأن الحكومة السودانية ينبغي أن تأخذ قلق إثيوبيا بجدية بالغة، وأن يأخذ في الحسبان الكيفية التي سيؤثر بها هذا الإتجار غير المقيد للأسلحة عبر الحدود السودانية على استقرار وأمن إثيوبيا"، مضيفًا "أجرينا مناقشات متكررة مع المسؤولين السودانيين من خلال القنوات الدبلوماسية وكذلك الاجتماعات الخاصة على المستويات الحكومية العليا".

وكشف الوزير أن حكومتي البلدين حددتا بالفعل من يقف وراء تهريب الأسلحة بالإضافة إلى كيفية ذلك، محذرًا في الوقت ذاته: "أبلغنا المسؤولين السودانيين بأن عليهم أن يضيقوا الخناق على المهربين وأن يسيطروا على حدود بلادهم من أجل ردع التهريب، لقد أبلغناهم بوضوح أنه بخلاف ذلك، سيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى قطع العلاقات الدبلوماسية أو بأقل تقدير ستتأثر العلاقات سلبًا بيننا".

نزاع حدودي بين البلدين يمتد لعقود طويلة

تهديد لأمن واستقرار إثيوبيا

الاحتجاج الإثيوبي يأتي في إطار القلق من تداعيات تهريب الأسلحة عبر الحدود على أمن البلاد واستقرارها، خاصة بعد حالة الهدوء النسبي التي تشهدها الساحة الداخلية مؤخرًا في أعقاب سنوات طويلة من النزاعات المسلحة خلفت وراءها مئات القتلى والمصابين، فضلًا عن تهديد البنية المجتمعية والاقتصادية والسياسية للدولة.

يذكر أن وتيرة الخلافات العرقية والقبلية في إثيوبيا تصاعدت قبل عدة سنوات في ظل مطالب بعض القوميات في المناصب، وبعض المطالب التي ظلت تتأرجح بين السياسية والاقتصادية، مما أدى إلى ظهور حالة من عدم الاستقرار في بعض الأقاليم الإثيوبية، وكانت الأحداث قد بدأت منذ عام 2015 في ظل ظهور بعض المطالب بإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، الذين تم القبض عليهم لاشتراكهم في عمليات تأجيج الصراع في عدد من المناطق وتدمير الأموال العامة وإغلاق الطرق في عدد من المناطق في إقليم أروميا، والعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

تسعى السلطات في إثيوبيا إلى سد كل منافذ الأسلحة التي تغذي الجماعات المعارضة والمسلحة بعدما قطعت شوطًا كبيرًا في تجفيف منابع الداخل

الكاتب الإثيوبي أنور إبراهيم في مقال له حذر من أن تلك الأحداث قد تكون بداية لصراع قبلي سيجتاح البلاد، وأن على الحكومة اتخاذ كل التدابير للتصدي لمثل تلك الأحداث، حتى لا تدخل الدولة في دوامة الحرب الأهلية، وخاصة أن القادم في ظل التحديات الخارجية أكبر، ولا يمكن أن تصمد الحكومة في مجابهة عدد من التحديات التي تواجهها داخليًا وخارجيًا، متمثلة في حركات المعارضة التي توجد في الخارج وبدأت تصحو من سباتها بفضل الدعم الخارجي، ومطالب بعض القوميات الإثيوبية التي ترى أن لها حقًا أكثر من الذي أخذته خلال الأعوام السابقة.

وأضاف أن حكومة بلاده اتهمت جهات خارجية بتأجيج الصراع على خلفية بعض الملفات في عدد من القضايا، في وقتها وصل الأمر بالحكومة إلى أن أعلنت حالة الطوارئ في البلاد مدة ستة أشهر، وأضافت أربعة أشهر أخرى حققت المرجو منها خلال فترة عام كامل، وانتهت حالة الطوارئ ودخلت البلاد مرحلة الهدوء الوقتي، ثم ما لبثت أن تصاعدت الخلافات مرة أخرى، وهذه المرة بدخول دائرة الصراع إقليم الصومال الإثيوبي "أوغادين" في خلاف بينه وبين إقليم أروميا فيما يخص قضية الحدود، وتهجير مواطني الإقليمين، وتضرر عدد كبير منهم ما بين قتيل ومصاب.

وعليه تسعى السلطات في إثيوبيا إلى سد كل منافذ الأسلحة التي تغذي الجماعات المعارضة والمسلحة بعدما قطعت شوطًا كبيرًا في تجفيف منابع الداخل، وبعد التقرير الأخير المقدم من الخارجية للبرلمان لم يتبق سوى الجهة الحدودية مع السودان كمنفذ رئيسي لتسليح تلك الجماعات، لتعيد أزمة الحدود بين البلدين نفسها مجددًا على ساحة النقاش والجدل.

جدير بالذكر أنه في أغسطس الماضي اتفق الجانبان على نشر قوات مشتركة على الحدود بين البلدين لمنع التوترات، حسبما أعلن رئيس الأركان السوداني كمال عبد المعروف الذي أكد أن الغرض من نشر القوات السودانية الإثيوبية المشتركة هو منع توترات أو نزاعات في حدود البلدين.

 (الفشقة).. عُقدة العلاقات بين البلدين

في أبريل 2017 أعلن رئيسا البلدين بلوغ مرحلة التكامل الأمني والسياسي والاقتصادي بينهما، وهو الأمر الذي دفع إلى سيادة إحساس الرضا بين الأوساط الشعبية والرسمية في السودان وإثيوبيا إيذانًا بدخول العلاقات المشتركة مرحلة جديدة من الوئام والتفاهم.

ورغم هذا الإحساس بالرضا الطاغي على الشعبين، فإن الخلافات الحدودية ظلت نارًا تحت الرماد توشك أن تندلع في أي وقت، وهو ما يلوح في الأفق وفق تخوفات الجانب الإثيوبي، لتبقى قضية منطقة (الفشقة) الحدودية المُتنازع عليها بين الخرطوم وأديس أبابا العُقدة الرئيسية في مسار العلاقات بين البلدين.

تقع هذه المنطقة على حدود السودان الشرقية، تبلغ مساحتها قرابة 251 كيلومترًا مربعًا، وتنقسم إلى الفشقة الصُغرى التي يحدها شمالًا نهر با سلام وغربًا نهر عطبرة وشرقًا الحدود السودانية الإثيوبية، والفشقة الكُبرى التي يحدهًا شمالًا نهر سيتيت وجنوبًا نهر با سلام وغربًا نهر عطبرة، وتتميز الفشقة بخصوبة أراضيها وإنتاجها للعديد من المحاصيل النقدية.

رغم التنسيق المشترك بين أديس أبابا والخرطوم حيال العديد من الملفات الإقليمية على رأسها سد النهضة والوضع في جنوب السودان وغيرها من القضايا التي ساهمت بشكل كبير في تقريب وجهات النظر بين الجارتين خلال السنوات الأخيرة، فإن أزمة الحدود من المتوقع أن تبقى حجر عثرة

يعود تاريخ أزمة تلك المنطقة إلى العام 1957 حين فرضت إثيوبيا السيطرة عليها من خلال تسلل مزارعين إثيوبيين للعمل بطريقة بدائية، ونتيجة لقبول الأهالي وجودهم عادوا في العام التالي بصحبة آليات زراعية حديثة، وحينها اعترض الأهالي ما دفع مسؤولي البلدين لعقد اجتماع اعترف خلاله الإثيوبيون بوجودهم داخل الأراضي السودانية، وبحلول العام 1962 بلغت المساحة التي زرعوها 300 فدان.

أما في عام 1992 فقد تصاعدت الأمور بشكل كبير حين دخل أحد المزارعين الإثيوبيين ذوي الإمكانات الكبرى بآليات ضخمة وتوغل في عمق أراضي السودان تحت حماية قوات إثيوبية، وقد تمكن في العام التالي من طرد المزراعين السودانيين والاستيلاء على مزيد من الأراضي، وصلت مساحتها إلى 44 كيلومترًا مربعًا، وفي العام 2013 توصلت لجان ترسيم الحدود المُشتركة بين البلدين إلى اتفاق قضى بإعادة أراضي الفشقة للسودان لكنه لم يُنفذ.

وفي يوليو 2017 نقلت صحف سودانية عن مسؤولين بالدولة التوصل لاتفاق عن ترسيم جميع النقاط الحدودية بين السودان وإثيوبيا، عدا منطقة الفشقة التي قالوا إنه ما زال يجرى التفاوض بشأنها، وبحسب المسؤولين فإن الحكومة السودانية أصدرت قرارًا بمنع المزارعين السودانيين من إيجار أراضيهم للإثيوبيين، كخطوة أولى في اتجاه الحل قبل الترسيم النهائي للحدود.

الفشقة أبرز نقاط الخلاف بين البلدين

الخبراء يشيرون إلى أن أديس أبابا لا ترغب في حل الأزمة وتود إبقاء الوضع على ما هو عليه، حسبما أشار الخبير في الشأن الإفريقي وأستاذ العلوم السياسية بروفيسور حسن مكي.

مكي في تصريحاته لصحيفة "الطريق" السودانية، قال: "لا توجد خلافات بين الدولتين في هذا الجانب، لكن هنالك رغبة إثيوبية للإبقاء على الوضع الراهن"، بينما حمّل الجانب الإثيوبي مسؤولية التباطؤ في تنفيذ كل الاتفاقات التي أقرها الطرفان".

وفي السياق ذاته اتهم عثمان نافع حمد سفير السودان لدى إثيوبيا، أديس أبابا بمحاولة التوسع داخل الأراضي السودانية لمواجهة ما أسماه "الانفجار السكاني"، بعد أن تجاوز عدد سكانها المئة مليون، مضيفًا في تصريحات له أن الميليشيات التي تعتدي على أراضي بلاده في محافظات الفشقة وباسنودة وقريشة والقلابات الشرقية، تدعمها حكومة ولاية إقليم الأمهرا المجاور لولاية القضارف، ملوحًا بأن الحكومة الاتحادية في إثيوبيا تغض الطرف عن التجاوزات.

ورغم التنسيق المشترك بين أديس أبابا والخرطوم حيال العديد من الملفات الإقليمية على رأسها سد النهضة والوضع في جنوب السودان وغيرها من القضايا التي ساهمت بشكل كبير في تقريب وجهات النظر بين الجارتين خلال السنوات الأخيرة، فإن أزمة الحدود من المتوقع أن تبقى حجر عثرة من الممكن أن يعيق كل جهود التسوية، لتجد العلاقات بين البلدين نفسها في مهب الريح بين الحين والآخر وعرضة للقطع أحيانًا وللتوتر أحايين أخرى.