قبل أيام انتشرت موجات من الغضب والإحباط بين الطلاب العرب، سواء الموجودين بالفعل في فرنسا أم الراغبين في الدراسة فيها، وبشكل خاص أبناء المغرب العربي (أكبر سوق للجامعات الفرنسية في العالم)، بسبب زيادة الرسوم الجامعية على الطلبة غير الأوربيين، ما شكل لهم نوعًا من الإحباط والخوف من وصول نوازع الإقصاء التي تجتاح الغرب إلى مجال التعليم، لتقليل الوجود العربي على الأراض الأوروبية بجميع المجالات.

زيادة جديدة.. لماذا؟

رفعت الحكومة الفرنسية من بداية نوفمر الحاليّ، رسوم التعليم للطلبة الراغبين في التعلم على أرضها من خارج بلدان الاتحاد الأوروبي، بشكل مبالغ فيه بما يبرر للبعض نظرية المؤامرة عن الأسباب الحقيقة التي تدعو فرنسا لرفع تكلفة التعليم بهذا الشكل، فالماجستير سيكلف 2770 يورو بدلاً من 170 حاليًّا، وتكاليف انتقالاته من 243 إلى 3770 يورو، بينما ارتفعت تكلفة الحصول على الدكتوراه من 380 إلى 3770 يورو، مما يعني أن الزيادة ستتراوح بين 10 إلى 15 ضعفًا مرة واحدة للمستويات التعليمية المختلفة.

وبحسب وكالة Campus France تصنف فرنسا في المركز الرابع خلف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، في وجهات الطلاب الأجانب التعليمية، ووفقًا لإحصاءات الوكالة، تتكلف فرنسا سنويًا 3 مليارات يورو على تعليم الأجانب، ولكنها في المقابل تكسب 4.65 مليار يورو.

ترى الحكومة الفرنسية ضرورة جذب المزيد من الطلاب الأجانب والتنافس مع أكثر الجامعات المرموقة في العالم، عن طريق تحسين رعاية الطلاب وتدشين العديد من البرامج القوية

الرغبة الحكومية الفرنسية في تحقيق أقصى استفادة مادية ممكنة من برامجها التعليمية عبر الزيادة الجديدة، التي تبررها أنها لم تصل بعد إلا إلى ثلث ما يقدم من المال العام الفرنسي، لتعليم الطلبة الأجانب، وأغلبهم من دول شمال إفريقيا الناطقين بالفرنسية وعلى رأسهم البلدان العربية وفي القلب منهم المغرب والجزائر وتونس، لم تضع في حسبانها، تراجع معظم العملات العربية أمام الدولار، بما شكل أعباءً إضافية على الطلاب ومنح الأغنياء الفرصة، بينما يمنعها على من هم دون ذلك.  

الطلاب من ناحيتهم، تباينت آرائهم عبر الفضائيات والصحف العربية المحلية التي ناقشتهم، وخاصة بلدان المغرب العربي، فالبعض يبرر الزيادة ولكنه يعترض على رفعها دون تدرج وبشكل مفاجئ، والبعض الآخر يراها ليست أكثر من حرمان متعمد لشرائح عربية واسعة، ترغب في الاستزادة من التعليم الأوروبي والفرنسي بشكل خاص.

الحكومة الفرنسية تضاعف الرسوم الدراسية للطلبة غير الأوروبيين

فرنسا من الداخل.. تضامن واسع وإصرار حكومي

يمكن القول إن فرنسا من الداخل لا تتفق مع وجهة النظر الحكومية في الزيادة التي وضعتها الحكومة ضمن خطة جديدة أطلق عليها اسم "مرحبا بكم في فرنسا"، وشواهدها تقول إنه لا وجود للمؤامرة أو استهداف العرب بين طياتها، وهي فقط تهدف إلى جذب المزيد من الطلاب الأجانب بشكل عام وليس العرب وحدهم، وأكثر ما يشير إلى ذلك رفض المؤسسات التعليمية للقرار، خاصة أنه لم يحظ بموافقة الاتحاد الأوروبي، لذا أعلنت العديد من الجامعات الفرنسية معارضة التوجه الحكومي لزيادة الرسوم الدراسية بهذه الطريقة. 

وترى الحكومة الفرنسية ضرورة جذب المزيد من الطلاب الأجانب والتنافس مع أكثر الجامعات المرموقة في العالم، عن طريق تحسين رعاية الطلاب وتدشين العديد من البرامج القوية، ولكي تستطيع تنفيذ ذلك يجب رفع الرسوم، ولكن هذا التوجه لم يسر بالشكل الجيد على ما يبدو في التنسيق مع الجامعات الفرنسية التي رفضت الهيكلة الجديدة عبر مؤتمر عقده رؤساء الجامعات في ديسمبر الماضي، وضم اتحادات الطلاب ومعلمي التعليم العالي.

تعتبر جامعة UCA - أكبر جامعة بها طلاب أجانب (نحو 35000 طالب) -، أن الزيادة تمثل انتهاكًا للمساواة في الوصول إلى التعليم العالي بفرنسا

واتخذت التحركات شكلاً  تصعيديًا بدعم من منظمات المجتمع المدني الفرنسي، لإجهاض السياسة الحكومية الجديدة تجاه الطلاب الأجانب، وأعلنت عن تعبئة جديدة بداية من الشهر الماضي، بدعوة من "Fage" أول اتحاد طلابي في البلاد، ودعمته الجامعات في مدن كليرمون وفيران ومارسيليا، وأعلنت رفضها تطبيق هذه الزيادة وطالبت الحكومة بالبحث عن مصادر تمويل أخرى غير جيوب الطلبة الأجانب.

وتعتبر جامعة UCA ـ أكبر جامعة بها طلاب أجانب (نحو 35000 طالب) -، أن الزيادة تمثل انتهاكًا للمساواة في الوصول إلى التعليم العالي بفرنسا، وترى أن تحسين استقبال الطلاب الأجانب أمر ضروري، والزيادة في الرسوم بالنسبة لها لا تبدو مناسبة أو عادلة، لأنها ستعيق الطلاب الأكثر هشاشة عن حقهم، وتقوض مبدأ المساواة بين مستخدمي الخدمة العامة للتعليم العالي في فرنسا، وهو ما يميز خدمات التعليم العالي وليس ما تزعمه الحكومة.

فيما اعتبرت جامعة Aix-Marseille التي يدرس بها نحو 10 آلاف طالب، أن التوجه الحكومي يسير بشكل خاطئ، وأكدت أن الزيادة المعلنة كانت تتطلب التشاور على نطاق واسع، وعبرت عن أسفها من اتخاذ قرار كهذا دون العودة إلى مديري الجامعات والنقابات المعنية والمجتمع الجامعي بأكمله، وكذلك جامعة ليون 2 التي تعهدت بإعفاء الطلاب الأجانب من الرسوم الإضافية للحكومة.

جامعة ليون تتعهد بعدم تحميل الطلاب الأجانب رسوم إضافية

ويبيح القانون الفرنسي لكل جامعة الحق في البت بالتدابير الحكومية ورفضها أو قبولها، وهو ما يستند عليه الصوت القوي للجامعات الفرنسية التي تضامنت مع طلابها، ولكن ردة الفعل هذه على ما يبدو كانت متوقعة، لذا لم تؤثر في إدارة ماكرون، بل على النقيض أعلن وزير التعليم العالي فريدريك فيدال، تعيين 5 أشخاص من كبار الخبرات الأكاديمية، للبحث عن آلية لتوفير ما أسماه الالتزامات الأساسية التي ستصاحب الزيادة الجديدة في رسوم التسجيل، مثل إجراءات إصدار التأشيرات وتصاريح الإقامة ومكان تدريس اللغة الفرنسية وشروط الوصول إلى السكن وإنشاء مرجعية فريدة وشخصية لكل طالب دولي، ورغم ما يوحيه هذا الإجراء من الاستعانة بخبراء، فإنه لم يضع ضمن تكليفهم أي بنود للتشاور بشأن الارتفاع بحد ذاته.

المثير أن الوزير الذي أعلن العام الماضي عدم نية الحكومة رفع رسوم التعليم، بعد نشر صحيفة اللومند الفرنسية تقريرًا سريًا للحكومة يفيد بذلك وأثار عاصفة من الانتقادات، يبرر تجاهل ردود فعل الجامعات حاليًّا، بأنه لا يقصد التحدي، ولكنها إجراءات من وجهة نظر الحكومة، كفيلة بتحسين فرص فرنسا لتحسين مستدام لشروط استقبال الطلاب الدوليين، واعتبر بشكل ساخر أن ما يحدث من ردود فعل كانت متوقعة، مصارعة ذراعين لم تنته بعد، ولا يوجد ما يبرر معاملة الطلاب الأجانب نفس معاملة الفرنسيين في الحقوق، الذين يدفعون الضرائب، وهو ما لا يطبق على غيرهم.

قال "الوزير" المحسوب على الثقافة الماكرونية، إن الجامعات مؤسسات حكومية عامة ورؤساءها أنفسهم موظفون مدنيون يحملون سياسات عامة تقررها الدولة، وليس أمامهم إلا تنفيذ "واجب الطاعة والولاء" المقرر على الموظفين الحكوميين

وتابع: "ما زلنا بعيدين عن 8 آلاف إلى 13 ألف يورو التي يعتمدها جيراننا الهولنديون وعشرات آلاف الجنيهات في بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية، ولا حاجة للحديث عن التعليم في أمريكا الشمالية"، وبرر تدخل الحكومة بقوة، بسبب خسارة الجامعات الفرنسة المركز الثالث كأهم وجهات التعليم الخارجية خلال السنوات الأخيرة لصالح أستراليا، بجانب استمرار تراجع الطلب على الجامعات الفرنسية من الطلبة الدوليين في الفترة ما بين 2010 و2015 بنسبة 8%، ولم تؤد المحاولات الجامعية في المقابل لعودة الطلب عليها مع كل ما تقدمه من خدمات، إلا ارتفاعات طفيفة في نسب المقبلين عليها عام 2016.

وزير التعليم الفرنسي يؤكد عدم نية بلاده رفع رسوم التعليم "العام الماضي"

أنهى فيدال الجدل الجامعي بشكل أكثر صرامة، ورفض انحياز قيادات الجامعات للمجتمع الطلابي الرافض لأي أعباء جديدة، وبلهجة تحد من حكومة ماكرون تجاه التصعيدات الجامعية، قال "الوزير" المحسوب على الثقافة الماكرونية، إن الجامعات مؤسسات حكومية عامة ورؤساءها أنفسهم موظفون مدنيون، يحملون سياسات عامة تقررها الدولة، وليس أمامهم إلا تنفيذ "واجب الطاعة والولاء" المقرر على الموظفين الحكوميين، بما يعني أن الزيادة أمر محسوم وليس أمامهم إلا الرضا أو تحمل نتائج العند الماكروني للنهاية.