يكثر الحديث في هذه الأيام عن تطورات في موضوع محاكمة بشار أسد ومعاونيه المجرمين الذين نكّلوا وما زالوا ينكّلون بالشعب السوري على مدى ثمان سنوات وأكثر، هذه الجرائم تندرج تحت مسمى جريمة حرب، وجريمة ضد السلام، وجريمة ضد الإنسانية، وجريمة إبادة حسب القانون الدولي. ولكن هل من جدوى لكل هذه الجهود والأموال التي تصرف وهل حقاً سيُحاكمون؟

الجميع لديه علم أنه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وأيضاً بعد الحرب العالمية الثانية تطور مفهوم إنشاء قانون دولي ومحكمة عدل دولية وذلك لمحاكمة الألمان الذين تم اتهامهم بارتكاب الهولوكوست ضد اليهود، وبرأيي لو لم يكن اليهود هم الضحية لما تم التفكير بهذه القوانين والمحاكم ولما تم محاكمة من قتلوا اليهود مع أنني واثق من أن اليهود هم المجرمون الحقيقيون فهم معروفون منذ بداية التاريخ وأفعالهم تشهد لهم.

في بداية تسعينيات القرن الماضي في يوغوسلافيا، الدولة التي حكمها الشيوعي يوسيب بروز تيتو، بدأت بعد وفاة هذا الرجل الحركات القومية تطالب بالاستقلال عن يوغوسلافيا. بدأت سلوفينيا بالانفصال عام 1991، تلتها كرواتيا ثم مقدونيا، وعندما شرع مسلمو البوسنة في الانفصال عارضهم صرب البوسنة بقيادة رادوفان كارادجيتش الموالين للعاصمة الصربية بلجراد، وهددوهم بالإبادة إذا انفصلوا عن جمهورية يوغوسلافيا. وبالفعل أعلنت البوسنة والهرسك الانفصال عن يوغوسلافيا في آذار / مارس 1992 بعد أن وافق 99 بالمئة من مسلمي البوسنة في استفتاء شعبي على هذا القرار، ومن هنا وتحت صمت دولي مقصود ارتكبت المجازر والتي استمرت ثلاث سنوات بدأت في نيسان / أبريل من عام 1992 وحتى كانون الأول / نوفمبر 1995 شهدت البوسنة والهرسك خلالها أبشع جريمة في هذا القرن بعد المجازر الفظيعة التي تحدث الآن في سوريا.

أقرّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإنشاء محكمتين جنائيتين دوليتين، عملاً بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والمحكمتان المختصتان نشأتا للمعاقبة على الجرائم المرتكبة في سياقين محددين هما يوغوسلافيا السابقة، ورواندا (في أفريقيا)

بعد انتهاء المجازر مارست أمريكا الضغط على الصرب إلى الدرجة التي جعلت وزير خارجيتها كولن باول يهدد بلغراد بقطع المساعدات الأمريكية عنها، ووقف المعونات الدولية المقدمة لها من البنك الدولي إذا لم تنصَعْ للرغبة ((الدولية)) بتسليم سلوبودان إلى هولندا حيث يخضع لمحاكمة باعتباره مجرم حرب، ارتكب فظائع ضد الإنسانية.

حيث أقرّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإنشاء محكمتين جنائيتين دوليتين، عملاً بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والمحكمتان المختصتان نشأتا للمعاقبة على الجرائم المرتكبة في سياقين محددين هما يوغوسلافيا السابقة، ورواندا (في أفريقيا). وبدأت المحاكم من أجل يوغسلافيا السابقة عام 2003. عندما أعلن في بروكسل ـ بعد إقرار قانون يسمح برفع دعاوى ضد مجرمي الحرب، والإنسانية ـ عن رفع دعوى ضد شارون بوصفه ((مجرم منفذ)) لمجزرة صبرا وشاتيلا في المخيمات الفلسطينية اللبنانية أصبح الأمر أكثر تخويفاً للأنظمة الدكتاتورية، حيث أن القانون الجديد لم يعد يقتضي أن يكون من يرفع القضية ضد مجرم الحرب هي الجهات الحكومية، بل أصبح بالإمكان لأي شخص له صلة بالموضوع رفع القضية ضد أي مجرم حرب.

روسيا تعرقل قرار إدانة نظام الأسد في مجلس الأمن

حدث بعد ذلك أمر يدعو للسخرية أنه وبعد عشر سنوات من بداية محاكمات مجرمي الصرب تم إعادة محاكمتهم ضمن قانون أكثر رأفة وتخفيف الأحكام التي أصدرت بحقهم سابقاً وتم الإفراج عن بعض المجرمين منهم. أما رئيس يوغوسلافيا والذي يعد المجرم الأول كما هو حال بشار أسد فاستمرت محاكمته خمس سنوات بعدها مات ولم يأخذ عقابه في الدنيا على الرغم من أني أجزم بأنه سيُحبس شكلياً حتى نهاية عمره في أفخم القصور لو أنه لم يمت ولكن سينال عقابه عند رب لا يظلم في الآخرة.

لا يخفى علينا بأن ميزان القوى تغير لصالح نظام بشار أسد منذ التدخل الإيراني والروسي لصالحه

بالعودة إلى احتمال محاكمة مجرم الحرب بشار أسد وقادة عصابته وشبيحته، فهناك أربع احتمالات لنيل عقاب ما اقترفت أيديهم، لدينا: الاحتمال الأول هو المحاكم الوطنية لكن هذا الاحتمال مستحيلٌ حالياً بسبب الفوضى السياسية والأمنية في البلاد، وعدم وجود استقرار، ولأن القضاء السوري غير نزيه وموالي للنظام وبعيد عن الحياد.

الاحتمال الثاني هو المحاكم الخاصة على غرار ما حصل بالنسبة ليوغسلافيا السابقة والتي تمت بعد انتهاء الصراع وتحت رعاية دولية وكان تأسيسها بناء على قرار صريح من مجلس الأمن. أي أن مثل هذا النوع من المحاكم يخضع لكل أنواع التسييس والتسويات والعقبات التي ترافق أي قرار يصدر عن مجلس الأمن، بما في ذلك احتمال استخدام عضو دائم العضوية لحق النقض (الفيتو) من أجل منع إنشاء هكذا محكمة في سوريا.

الاحتمال الثالث هو محكمة تشرف عليها محكمة الجنايات الدولية وبما أن سوريا ليست دولة موقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإنه لا يمكن لهذه المحكمة ممارسة اختصاصها في سوريا إلا بعد موافقة مجلس الأمن الدولي. وإذا أخذنا موقف روسيا في الاعتبار، وبدرجة أقل موقف الصين، الداعم النظام الأسد، فإنه من غير المرجّح موافقة مجلس الأمن على منح المحكمة الجنائية الدولية الموافقة على البدء بإجراءات النظر بجرائم الحرب في سوريا.

الاحتمال الرابع والأخير هو المحاكم المحلية ذات الاختصاص الدولي: هذه الآلية الأكثر فاعليةً اليوم للنّظر بجرائم الحرب في سوريا، ومثال ذلك هو قضية الصحافية الأميركية ماري كولفين، التي قتلت في سوريا العام 2012 على يد قوات بشار أسد. لكن الحكم القضائي الصادر يمكن فقط أن يكون على شكل تعويضات عن الأضرار المادية، وبالتالي لا يمكن سجن أي شخص له علاقة بالقضية، حتى في حال تواجده على الأراضي الأميركية.  أيضاً بالنسبة للأرشيف المعروف باسم (قيصر)، الذي قام بتصوير 6700 جثة لأشخاص ماتوا في السجون، فإن فرض قانون قيصر لا يتعدى تطبيقه من قبل أمريكا على نظام بشار وحاشيته المجرمة إلا كرشوة غير مباشرة تدفعها الإمارات نيابة عن شريكها الخفي وأيضاً تدفعها السعودية طواعية لترامب.

حتى لو تمت محاكمة بشار أسد جراء استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن ذلك يوحي بأن من يستظل بحماية روسيا لن يشعر بالأمان، وهذا الأمر مهم لروسيا وتهتم لمراعاته، الأمر الذي يدفع روسيا إلى أن تقوم بحماية النظام وأعوانه

لا يخفى علينا بأن ميزان القوى تغير لصالح نظام بشار أسد منذ التدخل الإيراني والروسي لصالحه. والدور الذي أدته روسيا لعرقلة محاولات الأمم المتحدة وقف نزيف الدم وتحويل نظام بشار أسد إلى محكمة الجنايات الدولية، فيما تخلت أمريكا عن السوريين عندما لم تتحرك للرد على المذابح الجماعية. وفعلت أوروبا الشيء ذاته على الرغم من استخدم بشار أسد علانيةً الأسلحة الكيماوية أكثر من 100 مرة في خرق واضح لالتزامه بتفكيك ترسانته من الأسلحة الكيماوية التي تخلى عنها عام 2013. على الرغم من ذلك فإنه من المستحيل حالياً فتح محكمة دولية من أجل محاسبة مجرمي الحرب في سوريا لارتباطها بالفيتو الروسي والصيني الذي ترصد أي قرارات ضد حليفه النظام السوري بسبب تورط روسي عسكري مباشر في الجرائم والقتل والتدمير والتشريد.

مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية

لكن حتى لو تمت محاكمة بشار أسد جراء استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن ذلك يوحي بأن من يستظل بحماية روسيا لن يشعر بالأمان، وهذا الأمر مهم لروسيا وتهتم لمراعاته، الأمر الذي يدفع روسيا إلى أن تقوم بحماية النظام وأعوانه، من خلال تأمين مكان آمن لهم يبعدهم عن المحاكمة. وأيضاً حتى لو تم تقديم المتهمين بارتكاب جرائم الحرب في سوريا أمام محكمة مختصة قد يستغرق مائة عام بسبب الكم الهائل من القضايا وحجم الفظائع التي ارتكبت منذ بدء الصراع.

الصراع بين أميركا وروسيا، يمنع حدوث أي محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب وإن حدثت فهي لا تتعدى عن كونها عملية سياسية من أجل ضغط أمريكا أو الغرب على روسيا

عدا عن ذلك فالآن يقوم بشار أسد بالتهرب من العقاب ويخفي أدلة إدانته وهو خبير بهذه الأمور وخير دليل قضية الحريري. بتاريخ 25/10/2018 قام (مجهولون) كما وصفهم إعلام النظام بإطلاق نار على العقيد (منذر أشقر) وهو المسؤول عن مستودعات السلاح الكيميائي في اللواء 105 والتابع للحرس الجمهوري. وقبل هذه الحادثة بأكثر من ثمانية أشهر ما تزال حادثة مقتل اللواء أحمد حسينو، الذي شغل منصب نائب مدير إدارة كلية الحرب الكيميائية، وكذلك كان يشغل منصب رئيس الأركان فيه، طي الكتمان ولم تكشف تفاصيل وظروف مقتله.

كما تبين فإن الصراع بين أميركا وروسيا، يمنع حدوث أي محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب وإن حدثت فهي لا تتعدى عن كونها عملية سياسية من أجل ضغط أمريكا أو الغرب على روسيا، وتكون المحاكم محدودة الصلاحيات وبكل سهولة يمكن لأي متهم التهرب من الإدانة وفعل ما يريد طالما هذا العالم تحكمه المصالح ويكون ثمن الصفقات هو دماء الأبرياء من الشعوب. في الوقت الحالي ليس لنا كسوريين قاموا بأعظم ثورة بتاريخ البشرية إلا الاستمرار بهذه الثورة وإنشاء جيل يكمل الطريق ويعمل على تحقيق الأهداف السامية لهذه الثورة ثورة الكرامة والحرية.