في صفقة تعد الأضخم من نوعها في مجال التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط، أعلنت شركة "أوبر" العملاقة لخدمات سيارات الأجرة الخاصة رسميًا، أمس الثلاثاء،  شراء منافستها القوية "كريم"، لقاء 3.1 مليار دولار حسب بيان مشترك صادر عن الشركتين.

ومن المقرر أن تستمر الشركتان بالعمل من خلال التطبيقات والعلامات التجارية الخاصة بكليهما تمامًا كما هو الحال الآن، وستقوم "أوبر" بدفع 1.4 مليار دولار نقدًا و1.7 مليار دولار على شكل سندات قابلة للتحويل، وفق البيان الذي يشير إلى "استحواذ أوبر على أعمال كريم كافة في مجال التنقل والتسليم والمدفوعات في منطقة الشرق الأوسط، مع أسواق رئيسية تشمل مصر والأردن وباكستان والسعودية والإمارات".

الصفقة تأتي في وقت تستعد فيه أوبر لطرح أسهمها للاكتتاب العام الشهر المقبل، الأمر الذي ربما ينعكس إيجابًا على قيمة الشركة المتوقع أن يصل إلى 120 مليار دولار، إلا أنها في الوقت ذاته أثارت الكثير من التخوفات لا سيما بين الأوساط العربية بشأن زيادة الأسعار في ظل احتكار سوق تطبيقات حجز سيارات الأجرة في المنطقة.

أكبر صفقة في المنطقة

تعد الصفقة هي الأكبر في القطاع التكنولوجي بالشرق الأوسط من حيث القيمة والثانية في المنطقة بعد استحواذ شركة أمازون على موقع سوق دوت كوم في 2017، تلك الصفقة التي قيل إنها قدرت بـ650 مليون دولار.

رغم استحواذ "أوبر" التي تأسست عام 2010، على "كريم" إلا أن الأخيرة ستعمل بشكل مستقل تحت علاماتها التجارية المعروفة وبقيادة المؤسسين الحاليين لها، وذلك بموجب الاتفاقية الموقعة، التي لا تبقي الأوضاع على ما هي عليه من حيث الشكل المتعارف عليه خاصة بعد النجاح الذي حققته "كريم" خلال السنوات الماضية.

نجحت شركة كريم المباعة التي تتخذ من دبي مقرًا لها في تحقيق نجاحات على قطاعات متعددة منذ نشأتها عام 2012 إذ تستعين بما يقرب من مليون سائق ينقلون نحو 30 مليون مستخدم في 120 مدينة بالشرق الأوسط وشمال لإفريقيا، إلا أنها واجهت بعض الصعوبات في عدد من الأسواق على رأسها السوق المصرية.

الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لكريم مدثر شيخا رحّب بالإعلان، مؤكدًا أن الخطوة ستصب في مصلحة الزبائن، وتابع "ضم جهودنا إلى أوبر سيساعدنا على تسريع هدف كريم وهو تحسين مستوى حياة الناس"، علمًا بأن عملية الشراء ستخضع للموافقات التنظيمية ومن المتوقع استكمال عملية الاستحواذ في الربع الأول من عام 2020.

إيرادات "أوبر" بلغت العام الماضي 11.3 مليار دولار، فيما وصل إجمالي الحجوزات إلى 50 مليار دولار، إلا أنها في الوقت ذاته منيت بخسارة قدرها 3.3 مليار دولار

لم تستمتع "كريم" في التفرد بخدمات النقل في الشرق الأوسط أكثر من عامين تقريبًا، حيث زاحمتها شركة "أوبر" الأمريكية في 2014، لتنجح في سحب البساط بشكل كبير من تحت أقدام الشركة الأقدم في سوق المنطقة، لكن كلا الشركتين وفي إطار التنافس الذي كان بينهما ساهمتا بشكل كبير في نمو قطاع النقل بالأجرة في الدول العربية والإفريقية.

الرئيس التنفيذي لشركة أوبر دارا خورووشاهي قال إن خطوة الاستحواذ على كريم تمثّل "مرحلة مهمة في وقت نواصل محاولة توسيع خدماتنا عبر العالم"، وتابع "كلي ثقة بأن العمل عن قرب مع مؤسسة كريم سيؤدي إلى نتائج استثنائية بالنسبة للمستخدمين والسائقين والمدن".

من الواضح أن خطوة الاستحواذ على "كريم" لم تكن وليد اللحظة، إذ نُقل عن مصدر مطلع أن شركة "أوبر" تعمل على الإسراع بتنفيذ مشروع رئيسي بدأته قبل ستة أشهر لرسم الخرائط بما يسد الثغرات في تغطيتها لمدن المنطقة العربية قبل استحواذها على منافستها الإقليمية "كريم" والطرح العام الأولي الذي تترقبه الأسواق لأسهمها هذا العام.

وقال المصدر إن فريقًا من 28 موظفًا، بينهم مهندسون، يعمل لحساب شركة ويبرو الهندية لأعمال التعهيد في قطاع التكنولوجيا أوشك على استكمال خرائط تفصيلية للشركات والمباني العامة في مدن سعودية، وأن أوبر طلبت منه التعجيل بعمله، إذ تتطلع الشركة لطرح أسهمها في البورصة في أبريل/نيسان المقبل، وربما يكون هذا المشروع قد ساعد في تعزيز موقف الشركة في محادثاتها لشراء كريم.

يذكر أن إيرادات "أوبر" بلغت العام الماضي 11.3 مليار دولار، فيما وصل إجمالي الحجوزات إلى 50 مليار دولار، إلا أنها في الوقت ذاته منيت بخسارة قدرها 3.3 مليار دولار، من دون حساب مكاسب بيع وحداتها الخارجية في روسيا وجنوب شرقي آسيا، ولعل هذا ما عجل بإتمام الصفقة لتحسين وضعها المالي.

وفرت الشركتان فرص عمل كبيرة للعرب 

تحديات في الأسواق العربية

أثار دخول الشركتين في سوق النقل العربية حالة من الجدل داخل بعض العواصم خاصة تلك المكتظة بالسكان الذي يعمل قطاع كبير من سكانها بمهنة قيادة سيارات الأجرة، إلا أنهما في المقابل وفرا العديد من الوظائف لمئات آلاف الشباب في معظم الدول العربية.

ففي السعودية على سبيل المثال يستخدم العديد من الشبان هناك سياراتهم الخاصة لنقل ركّاب، بعدما يتلقون طلبات عبر أوبر وكريم، علمًا بأن المملكة كانت قد قدرت في 2016 استثمار 3.5 مليار دولار في شركة "أوبر"، وشراء حصة بنسبة 10% وبقيمة مئة مليون دولار في كريم.

أما في مصر فالوضع أكثر سوءًا، إذ تواجه الشركتان مصاعب جمة، ففي مارس 2018 قضت المحكمة الإدارية بالقاهرة 2018 بوقف نشاط الشركتين، بعد أن رأى سائقو سيارات الأجرة العادية المصريون أنهما تمثلان منافسة غير مشروعة، إلا أنه وقبل أن ينتهي العام ألغي القرار وبالتحديد في فبراير الماضي.

الأمر لم يقتصر على ما يمكن أن تحدثه الصفقة من إرباك لخريطة النقل فقط، بل ربما تواجه الشركة المستحوذة عقبات قانونية أخرى

وتعد العاصمة المصرية القاهرة أكبر الأسواق بالنسبة للشركتين، إذ يفوق عدد سكانها العشرين مليون نسمة، فيما تقول أوبر إن لديها 4 ملايين مستخدم في مصر، معلنة في 2018 عن نيتها استثمار نحو 100 مليون دولار خلال خمس سنوات في البلاد، في مقابل 30 مليون دولار استثمارات لـ"كريم".

وفي نوفمبر الماضي تظاهر سائقو سيارات أجرة في العاصمة الأردنية عمّان احتجاجًا على منافسة شركتي "أوبر" و"كريم" لسائقي الأجرة من أبناء البلد، وأوقف عشرات السائقين سيارتهم الصفراء أمام مبنى مجلس النواب في منطقة العبدلي بعمان وسط إجراءات أمنية، وحمل المحتجون لافتة كتب عليها "مطلبنا واحد، إيقاف السيارات الخاصة التي تعمل مقابل أجر".

انتقادات حادة من سائقي الأجرة في العواصم العربية لشركتي أوبر وكريم

مخاوف الاحتكار

في ظل التنافس الذي فرضه وجود الشركتين داخل السوق العربية والشرق أوسطية كان المستخدم المستفيد الأكبر في ظل لجوء كليهما إلى العروض الترويجية التي تشمل في كثير منها تخفيضات في الأسعار وتحسين خدمة والارتقاء بمستوى الأداء في محاولة لجذب أكبر عدد من الزبائن.

لكن الوضع بلا شك سيتغير بعد استحواذ أوبر على منافستها، لتبقى وحدها منفردة لاعبًا أساسيًا رئيسيًا في السوق، حتى إن ظلت كريم تعمل تحت ذات الاسم، لكن الإستراتيجية واحدة والهدف واحد، ومن ثم فكرة التنافس لن يكون لها محل من الإعراب وهو ما أثار العديد من التخوفات.

خريطة سوق نقل الأجرة في المنطقة العربية ظلت طوال السنوات الأربعة الماضية مستقرة نسبيًا، هذا الاستقرار فرضته العملية التنافسية وتعدد الشركات مقدمة الخدمة، غير أنه من الواضح أن هذا الثبات لن يدم طويلاً، فالاحتكار ستكون له تداعياته بلا شك على تلك الخريطة التي ستشكل معظمها بأيدي شركة واحدة حتى إن وجدت منافسة من سائقي الأجرة في بعض العواصم العربية، إذ إنها منافسة غير عادلة ولا ترتقي لمستوى التحدي.

الأمر لم يقتصر على ما يمكن أن تحدثه الصفقة من إرباك لخريطة النقل فقط، بل ربما تواجه الشركة المستحوذة عقبات قانونية أخرى، وهو ما كشفت النقاب عنه رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك في مصر سابقًا، سعاد الديب، التي قالت في تصريحات صحافية، إن قانون حماية المنافسة يفرض على الشركتين إخطار الجهاز قبل إبرام الاتفاق رسميًا، ولا يحق للشركتين الاتفاق قبل الحصول على إعفاء من الجهاز، وفقًا للتحليل الفني الذي سيجريه الجهاز في هذا الشأن.

الديب في تعليقها على هذه الخطوة ترى أن "أوبر" تحاول تعويض خسائرها الماضية بهذه الصفقة، إذ إن المنافسة مع "كريم" وشركات أخرى كبدتها خسائر، مشيرة إلى أنه بعد إتمام هذه الصفقة ستكون "أوبر" وحدها هي المحتكرة للسوق في المنطقة العربية، متوقعة زيادة الأسعار الفترة المقبلة، ولا يستطيع أحد الرقابة على الشركة بخصوصها.

يذكر أن جهاز حماية المستهلك (حكومي) كان قد أدرك خطورة ذلك الأمر منذ أكتوبر الماضي وما قد يترتب عليه من تقييد المنافسة في الأسواق المعنية كسوق نقل الركاب عن طريق التطبيقات الإلكترونية سواء بالسيارات الخاصة أم بالحافلات صغيرة الحجم (ميكروباصات) أم بالدراجات النارية (موتوسيكلات) أم بالتوك توك، وكذلك خدمة توصيل المأكولات الجاهزة، وأخيرًا وليس آخرًا خدمة توصيل البريد السريع.

ففي 22 من أكتوبر 2018 أصدر الجهاز قراره رقم 26 لسنة 2018 باتخاذ مجموعة من التدابير قِبَل الشركتين لتدارك آثار العملية المزمع إجراؤها في هذا الشأن، ومنذ ذلك التاريخ، فإن الجهاز يعكف على متابعة تطورات تلك المسألة من خلال فريق عمل يُطبِّق أعلى المعايير العالمية في التحليل الاقتصادي والقانوني لتجنب أي أضرار بالمنافسة داخل السوق المصرية.