الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

في الـ5 من نوفمبر الماضي وخلال إحدى الجلسات على هامش منتدى شباب العالم 2018، بمدينة شرم الشيخ، نفى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منح الموظفين أي علاوات سنوية هذا العام، مؤكدًا خصم الدولة من ميزانيات جميع الوزارات للخروج من المأزق الذي تواجهه، مضيفًا "يجب أن نضحي من أجل البناء".

وبالأمس فوجئ الجميع بالرئيس يعلن حزمة قرارات تناقض ما أشار إليه قبل 4 أشهر، على رأسها رفع الحد الأدنى للأجور لموظفي الحكومة من 1200 جنيه (69 دولارًا) إلى 2000 جنيه (115 دولارًا)، ومنح العاملين بالدولة العلاوة الدورية بخلاف علاوة أخرى استثنائية، وذلك خلال كلمته باحتفالية المجلس القومى للمرأة لتكريم المرأة المصرية والأم المثالية، بمركز المنارة للمؤتمرات، بالتجمع الخامس بالقاهرة.

الإعلان المفاجئ عن هذه القرارات التي ستدخل حيز التطبيق بعد 3 أشهر تقريبًا قبل أيام قليلة من الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تعبد الطريق أمام السيسي للبقاء في الحكم حتى 2034، صعد من وتيرة التساؤلات عن دوافعها الحقيقية، وفي المقابل أثار موجة من الشك في ظل ترقب قفزة جديدة في الأسعار تلتهم الزيادات المقررة.

ثمار الإصلاح الاقتصادي

ترحيب واسع النطاق استقبلت به شريحة كبيرة من المصريين قرارات السيسي الأخيرة، لا سيما المستفيدين منها على رأسهم موظفي الجهاز الإداري والبالغ عددهم قرابة 6 ملايين موظف، معتبرين إياها قشة تنقذهم من مستنقع التردي الاقتصادي الذي تغرق فيه البلاد منذ سنوات لا سيما بعد قرار تعويم الجنيه في 2016.

العديد من وزراء الحكومة على رأسهم رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي أرجعوا هذه القرارات كونها بداية جني حصاد الإصلاح الاقتصادي الذي اتبعته الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، مشددين على حرص السيسي على تحقيق العدالة الاجتماعية بحسب قولهما.

الإعلامى المقرب من النظام، عمرو أديب، اعتبر الزيادة المفروضة في أجور العالمين "جبر خواطر وإنصاف الموظفين فى مصر، والدولة تشكر كل مواطن على تعبه وصبره"

والي في مداخلة هاتفية لها ببرنامج "بالورقة والقلم" المقدم على قناة "TeN" أمس السبت أشارت إلى أن قرارت السبت تصب في مصلحة الشعب المصري كله، وليست المرأة فقط، مؤكدة أن جميع التوجيهات التي أصدرها الرئيس غاية في الأهمية وسيتم العمل عليها فورًا.

وفي السياق ذاته قال النائب محمد فرج عامر رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب، إن تلك القرارات أدخلت البهجة على كل بيت مصري، مطالبًا في بيان له الحكومة بسرعة تنفيذ تلك التوجيهات في أقرب وقت ممكن، منوهًا إلى أن الرئيس أعلن بدء إجراءات الدولة لتعويض المواطنين عن الفترة الماضية.

أما الإعلامى المقرب من النظام عمرو أديب، فاعتبر الزيادة المفروضة في أجور العالمين "جبر خواطر وإنصاف الموظفين فى مصر، والدولة تشكر كل مواطن على تعبه وصبره"، معتبرًا أنها مؤشر على بداية التحسن الاقتصادى فى مصر، مناشدًا أصحاب القطاع الخاص بالبدء في عمل هيكلة وإصلاح للأجور أسوة بالقطاع العام.

يذكر أن وزير المالية المصري محمد معيط، في تصريحات له الشهر الماضي قال إن فوائد وأقساط الديون تناهز نحو 800 مليار جنيه في موازنة الدولة للعام المالي 2018/2019، بواقع 541 مليار جنيه لفوائد الدين، و246 مليار جنيه لسداد أقساط الدين، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة.

وزير المالية المصري محمد معيط

مغازلة قبل الاستفتاء

الإفصاح عن تلك الإجراءات في هذا التوقيت يأتي وفق البعض نوعًا من المغازلة للمواطنين قبيل إجراء الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية التي أقرها مجلس النواب (البرلمان) وتمهد الطريق نحو بقاء الرئيس في منصبه حتى 2034، فاستباقها قبل موعد تطبيقها المقرر في يوليو المقبل كان علامة استفهام للكثيرين ممن اعتبروها "رشاوى انتخابية".

المستفيدون من تلك الزيادات شريحة ليست بالقليلة من المصريين، فهناك 9 ملايين أسرة وما يقرب من 5.4 مليون موظف، ومن ثم فإن إحداث حالة من الرضا لهذه الفئة بلا شك سيكون له أثره، ليس على نسب المشاركة في الاستفتاء فحسب، بل في نتيجته أيضًا، هذا في الوقت الذي تتصاعد فيه حملات المقاطعة للاستفتاء أو التصويت برفض التعديلات.

جدير بالذكر أن استخدام زيادة الحد الأدني للأجوز كورقة دعائية في الاستحقاقات الانتخابية ليس بالأمر الجديد، إذ ظلت دائمًا الورقة الأكثر حضورًا على موائد الدعاية الانتخابية في كثير من البلدان، ولعل بيرني ساندرز الذي نافس هيلاري كلينتون على تمثيل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016 خير دليل على هذا المسعى، إذ كان يُنادي برفع الحد الأدنى للأجور 7.25 دولار في الساعة إلى 15 دولارًا، وهو ما فعلته كلينتون ذاتها أمام دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة.

 الاستفتاء على التعديلات الدستورية أبريل القادم

ماذا عن القيمة؟

ليس شرطًا أن كل زيادة في الأجور يصاحبها تحسن في الأوضاع المعيشية، فالعزف على لغة الأرقام وحدها ليست كافية، ولعل فنزيلا مثالًا صارخًا لهذا الأمر، إذ قرَّر الرئيس نيكولاس مادورو رفع الحد الأدنى 34 ضعفًا خلال 2018، ورغم أن هذه الزيادات لم يستفد منها أحد بسبب التضخم، فإن مادورو فاز بولاية ثانية في الانتخابات بفضل مثل هذه الإجراءات.

فريق من المشككين في فحوى تلك القرارات طالب بالعودة إلى الوراء قليلاً للمقارنة بين القيمة الحاليّة للأجور بعد زيادتها وما كانت عليه قبل 4 سنوات، ففي 2014 حين كان الحد الأدنى للأجور (1200 جنيه) يقدر بنحو 170 دولارًا، أما اليوم وبعد الزيادات المقررة فإن الحد الأدني (2000 جنيه) سيقدر بنحو 115 دولارًا، أي أقل في قيمته عما كان عليه في 2014.

موجة القفز المرتقبة في الأسعار والمقررة في يوليو القادم ستكون النار التي تلتهم أي زيادات في الأجور، فما تقدمه الدولة باليد اليمنى تأخذه باليد اليسرى

تساؤل آخر فرض نفسه على ألسنة الكثيرين، ماذا عن غير العاملين في الجهاز الإداري للدولة؟ فالغالبية العظمى من العاملين المصريين والبالغ عددهم 26 مليون مواطن، يعملون بالقطاع الخاص، قرابة 20 مليون منهم، وهو ما أثار حالة من الجدل بين أوساط هؤلاء العاملين.

آخرون ذهبوا إلى أن موجة القفز المرتقبة في الأسعار والمقررة في يوليو القادم ستكون النار التي تلتهم أي زيادات في الأجور، فما تقدمه الدولة باليد اليمنى تأخذه باليد اليسرى، ومن ثم تأتي تلك الإجراءات لتحقيق هدفين بحسب أنصار هذا الفريق، الأول: امتصاص غضب المواطنين واستمالتهم عبر زيادات رقمية في الأجور، الثانية: تحقيق النمو الاقتصادي للدولة ككل.

فالمستهدفون بهذا الإجراء هم الأكثرية في المجتمع، وهم أيضًا الشريحة الأقل دخلًا وغالبًا أجورهم بالكاد تغطي كل احتياجاتهم، لذلك عندما يرتفع دخل الشخص بواقع جنيه واحد، سيوجه هذا الجنيه كاملًا إلى الاستهلاك، وذلك بخلاف الشريحة الأعلى دخلًا التي لديها فائض بالدخل وعندما يزيد الدخل بواقع دولار مثلًا من الممكن أن يدخر الشخص الدولار أو ينفق جزءًا منه على الاستهلاك.

وعليه حينما ترفع الدولة إجمالي الأجور بنحو مليار جنيه عن طريق رفع الحد الأدنى، فهي تُدرك أن أغلب هذا الرقم سيعود للسوق عن طريق شراء سِلع، وبالتالي زيادة الإنتاج لتلبية الطلب على هذه السلع، وهنا يحدث نشاطٌ بالاقتصاد ويتحرك النمو، حتى وإن عاد بصورة أقل على حياة المواطنين.

على قدر حالة الترحيب الذي قوبلت بها قرارات السيسي إلا أن حالة من الترقب والتشكيك ما زالت تخيم على أوساط قطاع كبير من المصريين الآملين في إجهاض مساعي شراء أصوات الشارع بزيادات بعضها ربما يكون وهميًا أو غير ذو قيمة، وهي ذات الإستراتيجية التي اتبعها الرئيس الأسبق حسني مبارك.. فهل تنجح؟