في أول ملمح من ملامح تداعيات تنصيب عادل عبد المهدي على رأس الحكومة العراقية، صدر قرار بالأغلبية من مجلس محافظة البصرة، بالمضي بإجراءات تحويل المحافظة إلى إقليم، وهذا ما نوهنا عنه في مقالة سابقة لنا، تصف ملامح حقبة عبد المهدي المتوقعة، ورجحنا أن عبد المهدي لن يكون بأفضل من سابقه حيدر العبادي، في إيجاد حلول حقيقية لمشاكل البصريين، وسيفشل كما فشل سلفه في ذلك، والبصريون سوف يعمدون للمطالبة بالحصول على إقليم خاص بهم، شاء ذلك أم أبى. رابط المقال.

مضت إلى الآن ما يقارب الخمسة أشهر على استلام عبد المهدي لمنصبه في رئاسة الوزراء، ولحد الآن لم ينجح بإكمال كابينته الوزارية، ولم يقدم خدمات ملموسة للمواطن على أرض الواقع، سواء في البصرة أم في باقي مدن العراق، إنما هي وعود سئم منها الناس، لا تغني ولا تسمن من جوع، إلا إذا استثنينا رفع الحواجز الكونكريتية من حول المنطقة الخضراء، الذي يعتبره إنجازًا له يفتخر به.

ومن حسن حظ عبد المهدي أن استلامه لمنصبه صادف أن كان في فصل الشتاء، وها نحن على وشك نهاية هذا الفصل ونقترب شيئًا فشيئًا من فصل الصيف اللاهب، هذا الفصل الذي كان أحد أهم أسباب خروج البصريين للتظاهر ضد الحكومة المحلية وحكومة بغداد، إضافة إلى معاناتهم من سوء خدمات الصحة والتعليم والخدمات البلدية وانتشار البطالة.

في زيارة عبد المهدي الأخيرة للبصرة التي جعلها سرية ولم يستقبله فيها أحد، كان يعتقد أن بيده حلولًا سحرية لهذه المدينة تجعله يستغني عن لقاء ‏مسؤوليها المحليين الذين كان يمكنهم على الأقل أن يصفون له معاناة المواطنين هناك

والجميع يعلم أن لا حلول بيد عبد المهدي يقدمها لمشاكل البصرة وباقي مدن الجنوب، كما كانت لا حلول بيد العبادي لتلك المشاكل، والحديث الذي طالما تداوله البصريون بشأن المطالبة بإقليم خاص لهم، عاد بشكل مبكر هذه المرة، بعد أن أيقن البصريّون أن عبد المهدي لا يختلف عن سلفه العبادي ليس في جعبته من حلول يقدمها لهذه المحافظة المترامية الأطراف.

عبد المهدي يزور البصرة سرًا

حتى إنه في زيارته الأخيرة للبصرة التي جعلها سرية ولم يستقبله فيها أحد، كان يعتقد أن بيده حلولًا سحرية لهذه المدينة، تجعله يستغني عن لقاء ‏مسؤوليها المحليين الذين كان يمكنهم على الأقل أن يصفون له معاناة المواطنين هناك، أو ‏أن يجدوا إجاباتٍ منه عن استفساراتهم، لكنه جعلها سرية، ربما بسبب خشيته من أهلها ‏المنتفضين على تردي الخدمات المقدمة لهم من الحكومة.

صرح عبد المهدي من البصرة، أن هناك مشاريع مرَّ عليها سنوات ولم تنجز، وسنكون محظوظين إذا أنجز منها 50%، وألغى مشاريع استثمارية كبرى تتعلق بالخدمات العامة كانت قد أقرَّتها الحكومة السابقة، منها ما يتعلق بمياه الشرب التي تعتبر إحدى أهم معضلات البصرة، بالإضافة إلى مشاكل ‏الكهرباء والصحة والتعليم والطرق والاتصالات، مما يدلل على أنه غير قادر على تقديم ما يطمح له البصريون لمدينتهم، ولا يمتلك حلولاً، إنما خطوات ارتجالية غير مدروسة ولا تستند إلى خططٍ مسبقة.

حصول البصرة على إقليم خاص، سيجعل مطالب المحافظات العربية السنية بإقليم خاص بهم أقرب للتحقيق

قرار اليوم الذي أقره مجلس البصرة، لم يكن مستغربًا، لأنه جاء بعد أن اضطروا إليه ووصلوا لمرحلة اليأس من مطالباتهم المتكررة للحكومة المركزية، لتقديم الحلول الناجحة لمدينتهم المنكوبة، ولسان حال البصريين يقول: ماذا سوف نجني من حكومة عبد المهدي بأفضل مما كنا نرجو من حكومة العبادي؟ ففي الوقت الذي تمدُّ البصرة خزينة الدولة ما يقارب 80% من وارداتها من العملة الصعبة، لقاء تصديرها للنفط الخام المستخرج من أرضها، نجد أن مخصصاتها في الميزانية العامة شحيحة لا تستطيع معالجة أبسط ما تطلبه المدينة، بينما إقليم كردستان يغدق عليه عبد المهدي من الأموال ما يفوق استحقاقهم، وأرجع لهم نسبة 17% من الموازنة، فضلًا عن رواتب الموظفين والبيشمركة، وحقهم بتصدير النفط بمعزل عن الحكومة المركزية.

عبد المهدي سيوافق على الإقليم مرغمًا

كما نوهنا مسبقًا من أن عادل عبد المهدي سوف يوافق مرغمًا على مطالب البصريين بإنشاء الإقليم الخاص بهم، ليس تفضلًا منه، إنما بسبب كونه لا يستطيع تقديم ما يطالب به أهل البصرة من خدمات ومطالب عادلة أخرى، وإذا رفض مطالب إنشاء الإقليم، ربما سيواجه انتفاضه في البصرة تكون مختلفة عن مثيلاتها التي اندلعت في السنين السابقة، الأمر الذي سيهدد كامل المنظومة السياسية في العراق إذا انتشرت بكل مدن الجنوب، فأهون الشرَّين بالنسبة لعبد المهدي ورفاقه بالعملية السياسية، الموافقة على منح البصرة إقليمًا خاصًا بهم.

بالنسبة لموقف إيران من كل تلك التحركات، فإنها بالتأكيد لن تكون داعمة لمشاريع الأقاليم، سواء في جنوب العراق أم في مناطق السنَّة، لأن ذلك سوف يقلل من مركزية حكومة بغداد على تلك المناطق

ومع علمنا أن مطالب البصريين اليوم بإنشاء إقليم لهم، لم تكن المرة الأولى، فقد قدَّم مجلس محافظة البصرة طلبًا لتأسيس إقليم خلال عام 2014، لم ‏يتم التعامل مع الطلب بجدية من طرف الحكومة، وقدم مجلس المحافظة طلبًا آخر في العام الماضي، وأيضًا لم يؤخذ الطلب بجدية، لكن هذه المرة عزم مجلس محافظة البصرة على تأسيس لجنة قانونية لمتابعة تأسيس الإقليم، وفرض استحقاق البصريين، بحقهم الدستوري بإنشاء إقليم خاص بهم.

إقليم البصرة يمهد لإقليم المحافظات السنيَّة

إن حصول البصرة على إقليم خاص، سيجعل مطالب المحافظات العربية السنية بإقليم خاص بهم، أقرب للتحقيق، بعد أن تعاملت معها حكومة بغداد بتجاهل كبير، فبعد تجربة الإقليم الكردي والإقليم البصري المزمع إنشاؤه، سيكون من السهل تمرير مطالب تلك المحافظات لإنشاء إقليمٍ خاصٍ بهم، وفي الوقت الذي سيدعم النواب الكرد والنواب السنَّة، إنشاء الإقليم البصري، فإن النواب الكرد ونواب البصرة، سوف يدعمون أيضًا مطالب نواب السنَّة لإنشاء إقليم لهم لاحقًا.

سوف تستغل إيران نفوذها لوأدِ أي محاولة لإنشاء إقليم في البصرة، مما سيعني أنها ستلعب بالنار هذه المرة، لأن الشعب البصري قد وصل الآن إلى درجة من الاحتقان يُوشك فيها على تفجير أرض البصرة من تحت أقدامهم

ونحن نفهم دوافع الكرد لفتح باب إنشاء الأقاليم، كونه سيعزز صلاحيات إقليمهم ويسرَّع وصولهم إلى الاستقلال شبه الكامل عن حكومة بغداد، أما بالنسبة للسنَّة، فإن إنشاء إقليم بصري، سيكون أمرًا مساعدًا لهم لإنشاء إقليم خاص بمحافظاتهم للتخلص من التهميش والمعاملة السيئة التي لاقوها من الحكومة المركزية المسيطر عليها من أحزابٍ توالي إيران طيلة فترة الـ 16 سنة الماضية.

موقف إيران من دعوات إنشاء إقليم البصرة

أما موقف إيران من كل تلك التحركات، فإنها بالتأكيد لن تكون داعمة لمشاريع الأقاليم، سواء في جنوب العراق أم في مناطق السنَّة، لأن ذلك سوف يقلل من مركزية حكومة بغداد على تلك المناطق، وإيران قد استثمرت طويلًا في أحزاب السلطة في بغداد، لكي يبقى العراق أسيرًا لأجنداتها، فكيف تفرط بتلك المركزية؟

سوف تستغل إيران نفوذها لوأد أي محاولة لإنشاء إقليم في البصرة، مما سيعني أنها ستلعب بالنار هذه المرة لأن الشعب البصري قد وصل الآن إلى درجة من الاحتقان يُوشك فيها على تفجير أرض البصرة من تحت أقدامهم ويحيلها إلى بركان ثائر ضد أحزاب السلطة، ومن غير المستبعد أن ينتشر هذا الحراك الثوري إلى باقي مدن الجنوب، وسيشكل بهذا تهديدًا حقيقيًا للنظام السياسي العراقي برمته، ويجعل إمكانية تفكك العراق وشيكة، إذا ما استمر التغاضي عن حقوق أهل البصرة وباقي المدن العراقية.