يكافح الكثير من الأشخاص في معظم دول العالم للتمكّن من إيجاد علاجٍ نفسيّ يكونون قادرين على تحمّل تكاليفه وتغطية الأسعار التي تكون فوق قدرة التحمّل في أغلب الحالات. ما يعني أنّ التكلفة تعدّ واحدة من أكبر العوائق التي تحول بين الأفراد وبين صحّتهم العقلية، لا سيّما بين أفراد الطبقة المتوسطة والطبقات الأقلّ منها.

ولا تقتصر المشكلة على عالمنا العربيّ وحسب، فهي مشكلة عالميّة يشتكي منها معظم الناس حتى في أكثر الدول تطوّرًا ودعمًا للعلاج النفسي. ونظرًا لأنّه قد يكون من الصعوبة بمكان العثور على أرقام وإحصائيات دقيقة في الدول العربيّة، فقد تعطينا الأرقام والمسوحات العالميّة فكرةً عن الموضوع.

بشكلٍ عام، يمكن أن تعتمد تكلفة العلاج على المكان الذي تعيش فيه ومستوى التدريب الذي تلقّاه أو ما يزال يتلقّاه المعالج، وتخصّصه في العلاج، كأنْ يكون مستشارًا أو معالِجًا أو طبيبًا نفسيًّا، إضافةً إلى عدد سنوات الخبرة التي حصدها حتى اللحظة وسُمعته التي بناها في المجال بين زملائه الآخرين. هناك عوامل أخرى بكلّ تأكيد، مثل طول مدّة جلسة العلاج وتغطية التأمين وشكل العلاج.

ارتفاع التكلفة لا يعني بالضرورة علاجًا أفضل. العلاقة بين المعالِج والعميل هي العامل الحاسم لنجاح الجلسات العلاجية

لكن من المهمّ قبل كلّ شيء أنْ نكون واعين أنّ أيًّا من تلك العوامل وارتفاع التكلفة لا يعني بالضرورة علاجًا أفضل على الإطلاق. يركّز المعالجون وكتب العلاج النفسي على أنّ العامل الأكثر حسمًا في نجاح الجلسات والعلاج قد يكون العلاقة بين العميل والمعالِج إضافةً للمناخ العلاجي، أي البيئة العلاجية التي تتضمن الحدود والقواعد في التعامل بين كلٍّ من المعالج والعميل مثل مدة الجلسات العلاجية وعددها. بكلماتٍ أخرى، تعدّ العلاقة العلاجية من أكثر الأشياء التي تحكم نجاح العلاج من عدمه.

كم تبلغ تكلفة العلاج في العالم؟

كما أسلفنا سابقًا، يصعب علينا العثور على أرقام دقيقة فيما يخصّ الوطن العربيّ. لكن تستطيع الأرقام العالمية تسليط الضوء على الأسعار. في أمريكا، يبلغ متوسط تكلفة جلسة العلاج الواحدة ما بين 75-150 دولارًا في الساعة، السعر الذي يرتفع بشكلٍ غير مفهوم في بعض الأماكن مثل نيويورك حيث يتراوح نطاق التكلفة ما بين 200 و300 دولار، وفي بعض الأحيان قد يصل إلى 400. وفي لندن يتلقّى المعالِج النفسي على جلسة العلاج 60 جنيهًا إسترلينيًا تقريبًا، أي ما يعادل 80 دولارًا. أمّا في أستراليا فتصل تكلفتها إلى 113 دولار تقريبًا.

في الأردن، تبلغ أسعار جلسات العلاج النفسي للزيارة الأولى والتي لا تتجاوز مدتها 45 دقيقة ما بين عشرين إلى أربعين دينارًا بناءً على تحديد نقابة الأطبّاء نفسها مع وجود هامش للزيادة بمعدّل 10 دنانير تقريبًا. لكن يشتكي الكثير من الناس من أنّ التكلفة تكون 50 دينارًا على أقل تقدير، فيما قد تصل في بعض العيادات إلى 70 دينارًا بالرغم من أنّ مدتها قد تكون نصف ساعةٍ فقط.

تبلغ تكلفة الجلسة العلاجية في الأردن ما بين 50 إلى 70 دينارًا، وفي لبنان 50 دولارًا قد تمتدّ لـ100، أما في مصر فتبلغ تلك التكلفة 250 جنيهًا مصريًّا أي سُدس دخل الفرد

وليس الأمر مختلفًا كثيرًا في لبنان. إذ تبلغ تكلفة الجلسة الواحدة 50 دولارًا مع احتمالية ارتفاعها لأكثر من 100 دولار مع الطبيب النفسيّ لا سيّما في حال احتاج الشخص لبعض الأدوية ومضادات الاكتئاب وما إلى ذلك. أمّا في مصر فتبلغ التكلفة ما يقارب 250 جنيهًا مصريًا، وهو المبلغ الذي لو حسبناه وفقًا لمتوسّط دخل الفرد هناك فسيمثّل سُدس دخله بعيدًا عن حساب الأدوية التي قد تُوصف له ويحتاج إليها حتى يكون العلاج فعّالًا أو يحقّق جدواه وفائدته.

لماذا كلّ هذه الأسعار؟

قد يظن كثيرٌ من الناس أنّ كل ما يفعله المعالِج أو الطبيب النفسيّ هو الجلوس على أريكته وجني الأموال الطائلة من ذلك، وهم بذلك ينسوْن التكاليف التي دفعها وما يزال يدفعها ليكون قادرًا على استقبال مرضاه وعملائه بدءًا من سنوات الدراسة والخبرة والتدريب ومرورًا بتكاليف شهادات الدراسات العليا التي مكّنته ليكون ما هو عليه.

لكن بشكلٍ عام، يمكن أنْ نختصر أسباب ارتفاع تكاليف العلاج النفسي في العالم تبعًا لعددٍ من العوامل الرئيسية. فعلى سبيل، بخلاف أنواع العلاج الأخرى، لا يدعم التأمين الصحيّ، سواء الخاص أو العام، كلفة العلاج النفسيّ ودوائه. الكثير من المعالِجين النفسيّين يحبّذون عدم تغطية شركات التأمين لجلساتهم وخدماتهم نظرًا لصعوبة الإجراءات التي تستمرّ لوقتٍ طويلٍ تبعًا لطول مدّة العلاج.

في المقابل أيضًا، تنظر شركات التأمين للعلاج النفسي بشكلٍ عام على أنه استثمارٌ خاسر، فهو يستغرق وقتًا طويلًا كما أنّ نتائجه قد يكون من الصعب بمكان أنْ تظهر خلال فترةٍ قصيرة وحسب. عوضًا عن فكرة أنّ الشخص قد يحتاج العلاج النفسي لا لسببٍ طبّيّ أو مرضيّ، وإنما لأسباب وجودية أو عاطفية أو ما يشابهها.

والأهمّ من ذلك هو الصورة النمطية أو الوصمة الاجتماعية التي ينظر من خلالها الناس للعلاج النفسيّ الذي يتمّ تقديره بصورة أقل من غيره من أنواع العلاجات. يرى معظم المعالِجين أنّ تكاليف جلساتهم تتوافق مع المهنة والجهد والسنوات التي يبذلونها تمامًا مثل أيّ مهنةٍ أخرى، لكنّ الكثير من الناس ينظرون إليه باختزال ويقلّلون من أهمّيته مقارنةً مع غيره.