ساعات قليلة ويسدل الستار على أطول عملية انتخابية في العالم تلك التي يشارك فيها قرابة 900 مليون ناخب لاختيار 543 نائبًا للبرلمان الهندي، في ظل عدد من المستجدات المحلية والإقليمية التي من المتوقع أن يكون لها ارتداداتها على ما تكشفه عمليات الفرز من نتائج نهائية وسط إجراءات أمنية مشددة.

وانطلقت صباح اليوم المرحلة الأخيرة للانتخابات التي جرت على مدى 39 يومًا في ولاية البنغال الغربية بشرق البلاد (ثالث أكبر المقاعد الانتخابية) لتحديد ما إذا كان رئيس الوزراء الحاليّ ناريندرا مودي سيفوز بفترة ثانية، في ظل منافسة قوية بين حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم وحزب المؤتمر أكبر تيارات التكتل المعارض.

الانتخابات المقرر إعلان نتائجها في 23 من مايو الحاليّ شابها الكثير من الجدل وعلامات الاستفهام لا سيما فيما يتعلق باستخدام المال السياسي وتوظيف المستجدات الإقليمية في العملية الدعائية، هذا بخلاف مصير المسلمين الذي سيتأثر بشكل كبير مع إعلان اسم رئيس الحكومة الجديدة.

تشديدات أمنية غير مسبوقة

تشهد الانتخابات هذه المرة شرق البلاد إجراءات تأمينية غير مسبوقة خاصة بعد أعمال العنف التي اندلعت في كولكاتا عاصمة ولاية البنغال الغربية وأسفرت عن سقوط العديد من المصابين، الأمر الذي دفع السلطات الأمنية إلى تشديد إجراءاتها تحسبًا لوقوع أي أعمال عنف أخرى.

مفوضية الانتخابات المسؤولة عن سير العملية الانتخابية علقت الحملات الانتخابية الأربعاء الماضي قبل يوم واحد من موعد انتهائها جراء الفوضى الأمنية التي شهدتها العاصمة، هذا في الوقت الذي نشرت فيه السلطات ما يقرب من 57 ألف شرطي في مختلف أنحاء الولاية، إضافة إلى وضع 400 فرقة من فرق الرد السريع في حالة تأهب استعدادًا لأي تطورات قد تحدث على مدار اليوم، وفق ما ذكر مسؤول كبير في المفوضية لـ"رويترز".

حالة من القلق والترقب تسود أوساط الشارع الهندي مع اقتراب الانتخابات من نهايتها في ظل المنافسة الشرسة بين الحزب الحاكم الذي مني بخسائر خلال الجولات الانتخابية السابقة والمعارضة الطامحة إلى إعادة رسم الخريطة السياسية الهندية مرة أخرى لا سيما بعد فشل حزب بهاراتيا جاناتا في إدارة الأمور بالشكل الذي يأمله الهنود.

أجواء أمنية مشددة 

الأمن في مواجهة الاقتصاد

يعتمد الحزب الحاكم في دعايته الانتخابية على العديد من الإستراتيجيات، على رأسها التركيز على مسألة الأمن القومي، مستغلاً تصاعد التوتر مع باكستان المجاورة، إثر اتهامها بالضلوع خلف تفجير كشمير في 14 من فبراير/شباط الماضي الذي راح ضحيته 40 جنديًا هنديًا، علمًا منه بأهمية هذا الملف بالنسبة للملايين من الشعب الهندي الذي يعاني من ويلات الحروب والتهديد الأمني طيلة السنوات الماضية.

هذا بخلاف عزفه المتواصل على وتر استرضاء الناخب الهندوسي من خلال حزمة من الوعود المقدمة له في مقدمتها بناء المعبد الهندوسي فوق أرض المسجد البابري والشدة في التعامل مع الجارة المسلمة، ومحاربة ما وصفه بالإرهاب في كشمير (ذات الأغلبية المسلمة)، بجانب إعطاء حق اللجوء للأقليات المضطهدة في البلاد المجاورة مستثنيًا المسلمين من ذلك.

السمة الأبرز في الانتخابات الهندية هذه المرة كلفتها العالية، إذ تشير الدراسات إلى أنها الأكثر كلفة في العالم إلا أنها في الوقت ذاته الأكثر فسادًا أيضًا بسبب استخدام المال السياسي والرشاوى الانتخابية عن طريق التبرعات مجهولة المصدر

وفي الجهة المقابلة يركز حزب المؤتمر المعارض على البُعد الاقتصادي وعدم قدرة الحكومة الحاليّة على إدارة هذا الملف وعجزها عن توفير فرص عمل في ظل تزايد واضح لمعدلات البطالة في البلاد، حيث تشير الأرقام إلى فشل مودي في النهوض بالاقتصاد رغم وعوده خلال الانتخابات الماضية.

 يذكر أن سياسات الحزب الحاكم أدت إلى زيادة معدلات الفقر وكساد التجارة وإغلاق آلاف المصانع الصغيرة بسبب موالاتها لكبار الرأسماليين وخصوصًا بسبب عدد من القرارات العشوائية منها إلغاء أوراق النقد من الفئة العالية (500 روبية وألف روبية) فجأة في الـ8 من نوفمبر 2016 بحجة القضاء على الأموال السوداء (أي الأموال التي لم تدفع عليها ضرائب).

هذا بخلاف فرض الضريبة المركزية الموحدة (جي إس تي) في كل أنحاء الهند، مما زاد من إرباك الاقتصاد والتضييق على صغار التجار وملاك المصانع الصغيرة والحرفيين، الأمر الذي أوقع الدولة في مأزق اقتصادي خطير لم تخرج منه حتى الآن وهو ما تعول عليه المعارضة في حملتها.

الاقتصاد عامل مهم في إدارة العملية الانتخابية

المال السياسي

السمة الأبرز في الانتخابات الهندية هذه المرة كلفتها العالية، إذ تشير الدراسات إلى أنها الأكثر كلفة في العالم إلا أنها في الوقت ذاته الأكثر فسادًا أيضًا بسبب استخدام المال السياسي والرشاوى الانتخابية عن طريق التبرعات مجهولة المصدر التي خيمت بظلالها على الأجواء.

مركز نيودلهي للدراسات الإعلامية توقع أن يبلغ حجم الإنفاق على الانتخابات هذا العام نحو 7 مليارات دولار، بزيادة قدرها نصف مليار دولار عن حجم الإنفاق على الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجالس النيابية عام 2016 الذي بلغ 6.5 مليار دولار.

المركز لفت إلى استخدام تبرعات غير قانونية تعرف باسم "المال الأسود" الذي يستخدم في نقل أنصار المرشحين إلى التجمعات الانتخابية أو شراء المخدرات والكحول لرشوة الناخبين، وغير ذلك، وهي الظاهرة التي انتشرت بعد الحكم القضائي الصادر عام 1969 بحظر تمويل الأحزاب السياسية من الشركات، ورغم رفع هذا الحظر عام 1985 فإن الشركات المانحة لا تزال تقدم تبرعاتها بشكل مجهول.

حالة من الترقب تنتاب الأقلية المسلمة في الهند التي تمثل 15% من السكان جراء ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات الحاليّة وسط تخوفات من فوز مودي بفترة رئاسية حكومية جديدة

العام الماضي قدمت حكومة مودي أداة تسمى "السندات الانتخابية" للمساعدة في مكافحة الفساد في الانتخابات، وهي تشبه تذاكر المهرجانات، ويمكن لفرد أو شركة شراء واحدة من هذه السندات من بنك الهند الحكومي، وتضم فئات عدة تبدأ من 1000 روبية (14 دولارًا) وتصل إلى 10 ملايين روبية (142 ألف دولار).

المتبرع لا يرتبط اسمه بالسند الذي يحمله بتقديمه إلى أحد الأحزاب السياسية الذي يقوم بدوره بتحويله إلى نقد، وقد شهدت الانتخابات الحاليّة بيع سندات انتخابية بقيمة 39.7 مليار روبية (567 مليون دولار) حتى 30 من أبريل/نيسان الماضي، ورغم ما يثار بشأن أهمية هذه الطريقة كون مرور المال من خلال النظام المصرفي يجعل العملية أكثر شفافية من التبرعات النقدية المباشرة، فإن فريقًا آخر يشكك في طبيعتها.

هذا الفريق يرى أن السندات تضفي غطاءً قانونيًا على غسيل الأموال السوداء، وتزيد من إمكانية دخول أموال غير مشروعة في التبرعات، مطالبًا بإلغائها، حيث قالت جمعية الإصلاحات الديمقراطية، وهي منظمة تراقب الانتخابات، في دعوى تقدمت بها للمحكمة العليا إن ما فعله مودي بالسماح بالسندات الانتخابية "فتحت الأبواب أمام تبرعات سياسية غير محدودة، حتى من الشركات الأجنبية، وبالتالي أضفت الشرعية على الفساد الانتخابي على نطاق واسع".

تخوفات بين الأقلية المسلمة من فوز مودي بفترة ثانية

قلق بين المسلمين

حالة من الترقب تنتاب الأقلية المسلمة في الهند التي تمثل 15% من السكان جراء ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات الحاليّة وسط تخوفات من فوز مودي بفترة رئاسية حكومية جديدة، وفي هذا الشأن كتب المحلل الهندي ظفر الإسلام خان يقول إن من المؤشرات الرئيسية في الحياة السياسية الهندية اليوم إقصاء المسلمين وتهميشهم سياسيًا، لدرجة أن الأحزاب العلمانية مثل حزب المؤتمر لم تعد تكترث بهم خوفًا من إغضاب الهندوس.

خان في مقال نشرته "الجزيرة" كشف بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة إرضاءً للهندوس منها حذف أسماء ملايين من المسلمين في الهند من سجلات الناخبين بحجة أو بغيرها وذلك لكي لا يكون للمسلمين دور في العملية السياسية التي تعتبر الانتخابات عنصرًا مهمًا منها.

هذا علاوة على تدخل السلطات باستمرار في القوانين الشخصية الإسلامية وسن قوانين جديدة دون استشارة مؤسسات المسلمين وزعمائهم وعلمائهم، وذلك بحجة رفع الظلم عن المرأة المسلمة، الأمر الذي زاد من حدة تضييق الخناق على الأقلية المسلمة في البلاد.

تعود تلك التخوفات إلى سوابق حزب "بهاراتيا جناتا" مع المسلمين، إذ لم يرشح سوى سبعة مسلمين كما فعل عام 2014، وحينها لم ينجح أحد منهم في الوصول إلى البرلمان

وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير لها كشفت أن المسلمين الهنود لديهم توقعات قاتمة بشأن مستقبلهم في حال فاز رئيس الوزراء القومي الهندوسي ناريندرا مودي بولاية ثانية، فيما نقلت عن بعض المسلمين هناك شهادتهم بشأن المصير الغامض حال تكرار سيناريو 2014.

محي الدين آزاد الأستاذ الجامعي المتقاعد يقول في تصريحاته للوكالة: "نحن على وشك التحول إلى مواطنين درجة ثانية.. إذا نجح مودي بتولي السلطة من جديد، فإننا سنضيع"، فيما أشار أستاذ الكيمياء السابق حسن خالد عزمي أن "الولاية الأولى بالنسبة لحزب بهاراتيا جناتا كانت مرحلة تجريبية. وعندما يعودون للسلطة، سيعمدون إلى تنفيذ برنامجهم المجهز منذ وقت طويل".

فيما أوضح النائب الهندي المسلم أسد الدين أويسي أن المسلمين لم يعرفوا زعيمًا يقودهم منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني عام 1947، مضيفًا أن الكتل السياسية الرئيسية في الهند لا تسمح للمسلمين بالارتقاء في صفوفها، ويرى أن هذه الظاهرة مقلقة لمستقبل الديمقراطية في الهند.

تعود تلك التخوفات إلى سوابق حزب "بهاراتيا جناتا" مع المسلمين، إذ لم يرشح سوى سبعة مسلمين كما فعل عام 2014، وحينها لم ينجح أحد منهم في الوصول إلى البرلمان، بينما رشح حزب المعارضة الأساسي "المؤتمر الوطني الهندي" برئاسة راهول غاندي 30 مسلمًا.

وفي الانتخابات المحلية التي جرت في 2017 لم يرشح أي مسلم في أكبر ولايات الهند من حيث عدد السكان "أتر برديش" تلك التي تضم 220 مليون نسمة، 20% منهم مسلمون، في محاولة واضحة لإقصاء المسلمين عن المشهد السياسي إرضاءً للهندوس الذين يمثلون الأغلبية.

يذكر أن الهندوس يشكلون 80% من 1.3 مليار هندي، فيما تضم الهند ثاني أكبر مجتمع مسلم في العالم حيث يبلغ عدد المسلمين فيها 170 مليون نسمة، ويضم البرلمان المنتهية ولايته 24 نائبًا مسلمًا من أصل 545 نائبًا، وهو أدنى عدد نواب مسلمين منذ الاستقلال.