جاءت حادثة الاغتيال التي قامت بها مليشيات مدعومة من الأجهزة الأمنية الحكومية في قرية "أبو خنازير" لتؤكد حقيقة أن مسلسل التغيير الديمغرافي لمناطق محافظة ديالى، هي عملية ممنهجة ومستمرة، تنفذها جماعات مسلحة طائفية مدعومة من أحزاب حكومية ذات توجه إيراني.

ومن المعلوم لدى الجميع، أن هذه السياسة في التهجير لقرى محافظة ديالى ومحاولة تغيير حالتها الديمغرافية، ليس لها علاقة بما يسمى بالحرب على داعش أو محاربة تنظيم القاعدة كما كانوا يدعون سابقًا، فهذه القرية وما يجاورها من قرى ممتدة في منطقة "الوقف" بين ناحية "أبو صيدا" وانتهاءً  بمنطقة "العبارة" شمال شرق بعقوبة، من القرى التي يراد تهجير ساكنيها السنَّة، هذا ما جاء على لسان مدير ناحية أبو صيدا حارث الربيعي بشكل صريح حينما قال في 24 من يناير/كانون الثاني من السنة الحاليّة: "هناك خمس قرى تابعة لناحية أبو صيدا، هي ساقطة عسكريًا بقبضة داعش، وهي قرى (المخيسة وأبو كرمة وشيخي وجلبي وابو خنازير)"، وهو بذلك يستخدم التهمة الجاهزة التي يستهدفون بها أي تجمع سني بالمنطقة، وصولًا إلى دفع المواطنين هناك للنزوح من مناطقهم.

رغم أن الحكومة العراقية أعلنت بوقت سابق في 26 من يناير/كانون الثاني 2015، على لسان قائد شرطة ديالى اللواء جميل الشمري، أن محافظة ديالى باتت خالية من تنظيم داعش تمامًا، وأصبحت أولى المناطق التي تم تطهيرها من داعش، فإنها لا تحجم بين الحين والآخر على استخدام حجة داعش في كل عملية عسكرية تستهدف تلك القرى، من ضمنها عمليات التجريف للبساتين وعمليات حرق البساتين التي شهدتها المنطقة قبل أشهر.

أهالي القرية يعتزمون الآن النزوح الواحد تلو الآخر بسبب انعدام ثقة أهالي تلك القرى بالأجهزة الأمنية التي تتواطأ في كل مرة مع المليشيات

وحقيقة ما جرى في قرية أبو خنازير هذه المرة، أنه قبل 20 يومًا، قتلت الميليشيات أحد شباب القرية بدم ‏بارد، يدعى مصطفى عبد الزيدي، بالقرب من حاجز أمني، وهو عامل في معمل لصناعة البلوك، على إثر ‏ذلك الحادث، نزحت 12 عائلة من القرية جميعهم من أقرباء المقتول، بعدها وبتاريخ 29 من مايو/أيار ‏تم قتل شرطي ليلًا وجرح آخر، في قرية تدعى "المحولة" ذات أغلبية شيعية وقريبة من قرية ‏‏"أبو خنازير" التابعتين لناحية "أبي صيدا".

جرى الحديث بعد ذلك أن حادثة قتل الشرطي كانت نتيجة لشجار بين ‏عناصر الشرطة أنفسهم، وفي اليوم الثاني مباشرةً دخلت سيارة تابعة لميليشيات أبي صيدا إلى قرية "المحولة" ‏وقتلوا شابًا سنّيًا يدعى أحمد علي السعيدي في منزله ثأرًا للشرطي المقتول، ولكن في أثناء تجولهم بالقرية انفجرت عبوة ‏ناسفة تبين أنها كانت محمولة بالسيارة من تلك المليشيات، مما أدى لمقتل واحد منهم وجرح ‏اثنين آخرين، الأمر الذي جعل جميع العوائل السنية في قرية المحولة ينزحون ‏عنها.

إثر ذلك دخلت سيارة من الميليشيات صباح يوم 31 من مايو/أيار إلى قرية "أبو خنازير" ليقتلوا ‏ثلاثة من أهلها، علمًا بأن السيارة التي كانت تقل المليشاويين، مرت من خلال عدة حواجز تابعة ‏للجيش والشرطة دون أن توقفهم تلك الحواجز.

سبَّب هذا الحادث نزوح أهل قرية أبو خنازير منها خشية ازدياد ‏عمليات القتل بعد أن وصلت رسائل تهديد عديدة لأهالي القرية للخروج منها، وبالفعل خرجوا إلى الشارع ‏وطلبوا من الجيش فتح الطريق أمامهم، ولكن تم منعهم من الأجهزة الأمنية بحجة أنهم سوف ‏يوفرون الحماية لهم، وأن هذه الجرائم لن تتكرر، لكن أهالي القرية يعتزمون الآن النزوح الواحد تلو الآخر بسبب انعدام ثقتهم في الأجهزة الأمنية التي تتواطأ في كل مرة مع المليشيات.

وتبقى المليشيات وتنظيم داعش يتبادلان الأدوار لغرض تهجير المنطقة من سكانها، فهذه القرى عانت ما عانت من عصابات داعش، ومن قبلها عصابات القاعدة، لتكمل عملها المليشيات التي تتفق مع داعش في الأهداف، والموجه واحد، فهذه اللعبة تتكرر في كل مرة وبمناطق مختلفة.

قادت إيران حربًا طائفية في ديالى، جعلت أهلها السنَّة في حالة نزوح وتهجير، للدرجة التي أصبحت المحافظة ذات أغلبية شيعية، مما انعكس على تركيبتها الديمغرافية

ومن الجدير بالملاحظة اهتمام المليشيات والأحزاب الحاكمة في بغداد بمحافظة ديالى، وهذا يعود لأسباب عديدة غالبيتها مرتبطة بإيران، فهي المحافظة التي تربط العاصمة العراقية بغداد بأقرب نقطة حدود إيرانية في خسروي، التي تقابل المنذرية في الجانب العراقي، فتلك المسافة لا تبلغ أكثر من 180 كيلومترًا، فهي الأقرب لإيران من ناحية الدعم اللوجستي المتبادل بين ايران والعراق، كما أن الخط البري الدولي الذي تعتزم إيران إنشاءه مرورًا بالعراق وسوريا ووصولًا إلى لبنان يمر بمحافظة ديالى.

كما أن ديالى هي المحافظة العراقية الوحيدة ذات غالبية عربية سنيَّة وبنفس الوقت مجاورة لحدودها، إذا استثنينا محافظتي السليمانية وأربيل الكرديتين، وعلى أساس تلك المعطيات، قادت إيران حربًا طائفية في ديالى، جعلت من أهلها السنَّة في حالة نزوح وتهجير، للدرجة التي أصبحت محافظة ذات أغلبية شيعية، مما انعكس على تركيبتها الديمغرافية، أسفرت عن سيطرة المكون الشيعي على مجلس المحافظة والحكومة المحلية التي تقود المحافظة.

إن ما يجرى من أهوال على قرى "الوقف" في أبو صيدا، جرى على قرى "سنسل" التابعة لقضاء المقدادية من قبل، تلك القرى التي ما زال غالبية أهلها ممنوعين من الرجوع إليها، بعد أن تم تهجيرهم من عناصر داعش ومنعوا من العودة إليها، بحجة أن شبابها كانوا منتمين لداعش، وهذا مثال صارخ على تبادل الأدوار بين المليشيات وتنظيم داعش.

أصبحت حادثة أبو خنازير مزادًا سياسيًا يحاول بعض السياسيين تبييض صفحاتهم المسودة من خلالها

وحينما سُئل هادي العامري زعيم مليشيا بدر عن موضوع ديالى، قال: "ديالى خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه"، علمًا أن العامري من الأقلية الشيعية التي تسكن محافظة ديالى، وعن طريق تزوير أصوات ناخبيها كان في كل مرة يصل إلى البرلمان، وعمل بكل ثقله على ضمان أن تكون حكومة المحافظة ومجلس محافظتها من أغلبية شيعية، رغم أن المحافظة ولدورتين انتخابيتين كانت ذات أغلبية سنيَّة.

ومع كل هذه الأحداث التي تحدث في قرى "الوقف" لم نجد موقفًا رسميًا صريحًا وواضحًا من الحكومة العراقية يتناسب مع بشاعة الحادث الإجرامي الذي تم ارتكابه بقرية أبو خنازير، إلا أن مواقف تم رصدها "لرفع العتب" قام بها من يفترض أنهم المدافعون عن حاضنتهم الشعبية العربية السنيَّة، حينما أصدر الحزب الإسلامي العراقي بيانًا أدان به الجريمة.

ووفق معلومات خاصة، قال قيادي بالحزب رشيد العزاوي، إن هادي العامري اتصل به وطلب منه تهدئة الأهالي وإرجاعهم إلى بيوتهم وهو سيتكفل بحل المشكلة، بهذه البساطة هادي العامري سيحل المشكلة، ومن الضامن؟ رشيد العزاوي! وهل استطاع رشيد العزاوي أن يضمن إرجاع أهالي جرف الصخر إلى ديارهم في محافظته التي ينتمي إليها؟

ثم أصبحت حادثة أبو خنازير مزادًا سياسيًا يحاول بعض السياسيين تبييض صفحاتهم المسودة من خلالها، فطالب النائب محمد الكربولي، رئيس الوزراء عادل عبد ‏المهدي، بالتدخل الفوري وإيقاف التهجير القسري في قرية أبو خنازير، والجميع يعلم أن الكربولي كان لوقت قريب، جزءًا من التحالف المليشياوي، تحالف "البناء"، وهذا التحالف هو المسؤول المباشر عن حملات التهجير التي تعاني منها محافظة ديالى وباقي محافظات العراق.

نفس الفعل قام به نواب كتلة المحور، حينما هددوا بالانسحاب من تحالف ميليشيا الحشد "البناء"، لكن أي قيمة لمثل هذا التهديد؟ وأنتم لا تستطيعون تنفيذه؟ وأي قيمة لهذا التهديد وأنتم خنتم أصوات مكونكم ولم تلبوا طموحاته، وذهبتم لتتحالفوا مع المليشيات الطائفية.

إن العراق الذي يعيش حالة مأساوية من العنف الطائفي الموجه إلى المكون العربي السنَّي، إذا استمر على هذا الحال، فلا غرابة أن يتحول العراق من بلدٍ متعدد الأطياف، إلى بلدٍ من مكون واحد، يقابله ملايين المهجرين والنازحين من العرب السنَّة في العالم.