رغم أن العلاقات السعودية الإيرانية بدأت بشكل رسمي في العام 1929 ميلادي، إلا أنها قبل ذلك التاريخ كانت موجودة بشكل أو آخر. ويطرأ عليها التوتر والعداء حيناً والتقارب والمجاملات أحياناً أخر.

السعودية وإيران تعتبران الوريثان الشرعيان للخلاف التاريخي بين الدولة الصفوية الشيعية والدولة السنية العثمانية. فقد خرجت تركيا من دائرة الصراع في المنطقة بعد سقوط دولة الخلافة وتولت السعودية المملكة العربية السنية الناشئة دفة ادارة الصراع التاريخي مع الصفويين وتمايزت معالم هذا الصراع الدائم بين السياسة والدين والمذهب والنفوذ الاقتصادي والعسكري في دول الجوار.

الجدير بالذكر أن الاعوام التي اتسمت فيهما العلاقة السعودية الإيرانية بالرسمية بين نظامين ملكيين هي الاعوام من العام 1927 تاريخ تأسيس المملكة العربية السعودية إلى العام 1979 تاريخ الثورة الاسلامية الإيرانية. وقد حكم المملكة العربية السعودية في هذه الفترة أربع ملوك من آل سعود هم الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وابنائه الملك سعود والملك فصيل والملك خالد آل سعود، بينما حكم إيران ملكان من آسرة البهلوي هم الشاه رضا بهلوي وابنه الشاه محمد رضا بهلوي الذي انتهى حكمه بالثورة الإسلامية الإيرانية.

خلال حكم الشاه رضا بهلوي كانت جوازات السفر الإيرانية تحمل عبارة “يسمح لحامل هذا الجواز بزيارة جميع الدول ما عدا الحجاز” واتسمت العلاقة في تلك الفترة بالانقطاع وعدم التواصل، وفي عام 1929 وبعد تأسيس المملكة العربية السعودية تم توقيع معاهدة صداقة مع إيران ليتبعها بعد عام واحد افتتاح أول سفارة إيرانية في السعودية في مدينة جدة واكتفى البلدان بالتمثيل الدبلوماسي الأدنى، والاتفاق على عدم الاعتداء رغم رغبة السعودية بقيام تحالف بين البلدين لكن طهران لم تكن ترغب بذلك.

بذل الملك المؤسس في السعودية جهده في تطوير العلاقة مع إيران فأرسل في عام 1932 ميلادي وفدا رسميا برئاسة الأمير فيصل الذي كان نائبه على الحجاز إلى طهران في أول زيارة رسمية سعودية إلى إيران، ولم تقم إيران بإرسال أي وفد سعودي لزيارة السعودية ردا على زيارة الأمير فيصل وبقيت العلاقة الرسمية في حدها الأدنى طيلة فترة حكم الشاه رضا البهلوي حتى احتل الحلفاء إيران عام 1941 ليتنازل الشاه عن حكمه مرغما لابنه الشاب محمد رضا البهلوي.

توترات متلاحقة:

في نهاية العام 1943 ميلادي ظهرت اول ازمة دبلوماسية وسياسية بين المملكتين، فقد اعتقلت الشرطة السعودية أحد الحجاج الإيرانيين داخل الحرم المكي وهو يلقي القاذورات على الكعبة الشريفة ويشتم الرسول والصحابة عليهم الصلاة والسلام، السلطات السعودية قالت ان الرجل اعترف بذنبه وأقيم الحد عليه بالإعدام، بينما جاءت ردت الفعل الإيرانية غاضبة ومتهمة السلطات السعودية بالتشدد وان الرجل اصيب بالدوار اثناء الطواف مما ادى به إلى الاستفراغ قرب الكعبة، ارسلت إيران إلى السعودية بشكل رسمي “إن السفارة تحتفظ بكامل حق الدولة الإيرانية فيما يتعلق بهذا الحادث المؤسف وما يتعلق بكل ما يترتب عليه من نتائج”، نتيجة هذه الحادثة قام البلدين باستدعاء ممثليهم لدى الطرفين وقطعت العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمي عام 1944 وأعيدت بعد عامين بوساطة عربية.

في العام 1950 كانت إيران من أول الدول التي اعترفت بالكيان الإسرائيلي وكان ذلك سببا لخلاف آخر بين إيران والسعودية حيث كانت الصحف الإيرانية تشجع يهود إيران على الهجرة لإسرائيل، لكن في العام 1952 قامت ثور الضباط الاحرار في مصر لتسقط حكم الملك فاروق مما اشعر إيران والسعودية بخطر الانقلابات التي تهدد الانظمة الملكية في المنطقة، وفي العام 1953 توفي الملك المؤسس في السعودية الملك عبد العزيز آل سعود ليخلفه ابنه وولي عهده الامير سعود بن عبد العزيز آل سعود، وبعد تولي الملك سعود الحكم وفي العام 1955 ميلادي وجهت إيران دعوة رسمية للملك الجديد لزيارة إيران في زيارة ملكية هي الاولى بين البلدين، قام الملك سعود بتلبية دعوة شاه إيران فقام بزيارة طهران فاستقبله الشاه وحشود كبيرة في طهران، وبعد عودة الملك سعود من إيران تم دعوة الشاه لزيارة المملكة فقام الشاه بتلبية الدعوة وحضر إلى السعودية فاستقبله الملك سعود وحضرا معا عرضا عسكريا في الرياض فيما اعتبر توثيقا للعلاقة بين المملكتين.

لم تنقضي زيارة الملكين لبعضهما حتى عادت العلاقات للتوتر مجددا، حيث صرح الشاه محمد البهلوي لصحيفة امريكية في لقاء معه انه مستاء من رؤية معاملة الملك لخدمه وقال انه شاهد العبيد يركعون للملك على ركبهم وانه كملك لا يمكن ان يتصرف بتلك الطريقة، اعتبرت السعودية تصريحات الشاه اهانة للملك والمملكة، اضافة إلى اصرار إيران على تسمية المسطح المائي بينها وبين الدول العربية بالخليج الفارسي بينما تسميه الدول العربية الخليج العربي، فأصدر الملك سعود قرارا بمنع دخول الإيرانيين والبحرينيين من اصول إيرانية للمملكة.

 تعاون في وجه عدو مشترك

في عام 1957ميلادي قام الشاه محمد رضا البهلوي بزيارة للسعودية في محاولة لإعادة العلاقات، وقام بزيارة مكة والمدينة لأداء فريضة الحج، ورغم علمانيته إلا أنه حرص على إظهار صورته يبكي عند قبور آل البيت.

كان الهدف من الزيارة توحيد الجهود الإيرانية السعودية ضد عبد الناصر وايقاف تصدير الثورة المصرية إلى ممالك المنطقة، فاعتبر الشاهُ الملكَ فيصل القائد العربي الوحيد القادر على التصدي لعبد الناصر وصرح بذلك معلنا استعداده للتعاون ضد جنون عبد الناصر.

في سبتمبر 1962م، دخلت القوات المصرية اليمن فاستنفرت السعودية وإيران لمواجهة الخطر القادم من عبد الناصر، فأعلنت إيران عن تجهيز قوات للتوجه للسعودية لحماية حدودها الجنوبية من العدوان المصري السافر، وصل عدد القوات المصرية في اليمن 55 ألف جندي وبدأت الطائرات المصرية بقصف مطار ومستشفى أبها وخشي الشاه على سقوط اليمن؛ ومع حرب عبد الناصر الإعلامية على السعودية وتشكيل الأمراء الأحرار، خشي الشاه على سيطرة عبد الناصر على السعودية الغنية بالنفط ايضا فقرر مواجهته بأي ثمن ودعم السعوديين.

وبسبب حوادث لجوء بعض الطيارين السعوديين إلى مصر بسبب رفضهم قصف المواقع المصرية في اليمن، أقنع الشاهُ الملكَ حسين ملك الاردن بإرسال طياريه لضرب قوات عبد الناصر في اليمن، فذهب وفد عسكري أردني إلى السعودية للاتفاق على تفاصيل الضربة الجوية التي سيقوم بها طيارون أردنيون ضد المواقع المصرية في اليمن، وقامت إيران بتقديم الدعم المالي لتمويل العملية العسكرية فقد وجد الشاه محمد رضا بهلوي أنه يجب عليه دعم الإمام محمد البدر حميد الدين الشيعي اليزيدي الذي تدعمه السعودية.

قرر عبد الناصر نقل المعركة إلى السعودية فأرسل طائراته إلى أبها وخميس مشيط ونجران وجازان لقصف أي قوات سعودية والقضاء عليها، كما بعث مجموعات مقاتلة إلى داخل الاراضي السعودية لزعزعة الأمن واغتيال الملك فيصل.

عام 1965 قام الملك فيصل بزيارة إلى إيران بهدف توثيق التنسيق والتعاون العسكري في وجه عبد الناصر والشيوعيين.
عام 1966 قام عمر السقاف وزير الدولة للشؤون الخارجية في السعودية بزيارة طهران.
عام 1967 سحبت مصر قواتها من اليمن بالتنسيق مع السعودية بعد خسائر كبيرة بين جميع الأطراف المتقاتلة، واعتبر شاه إيران وملك السعودية ما حصل نصرا لهما، وحداً لطموحات عبد الناصر، وتمكيننا لحكمهما الملكي في إيران والسعودية.

تنافس على السيطرة

في عام 1968 عادت العلاقات الإيرانية السعودية إلى التوتر بسبب انسحاب البريطانيين من البحرين وزيارة الشيخ عيسى آل خليفة إلى السعودية، مما ادى إلى الغاء زيارة مجدولة للشاه إلى السعودية لأن إيران رأت باستقبال الشيخ عيسى اعترافا سعوديا بالدولة البحرينية الجديدة. هددت إيران بضم البحرين بالقوة العسكرية إلى اراضيها فرد الملك فيصل بأن أي هجوم على البحرين سيرد عليه من السعودية، وفي نهاية العام قام الشاه بزيارة السعودية في محاولة لرأب الصدع مجددا مع اصرار الشاه في إيران على رفض استقلال البحرين وبقاء مقاعد البحرين في البرلمان الإيراني فارغة.

في عام 1971 أعلنت البحرين استقلالها بدعم سعودي للشيخ عيسى آل الشيخ، فاعتبرت إيران هذا الاعلان تهديدا وتحديا سعوديا لها، فقامت في شهر ديسمبر من العام نفسه باحتلال الجزر الاماراتية الثلاث، وفي حرب اكتوبر استعملت السعودية سلاح النفط في مساندة العرب في حربهم مع اسرائيل واحتجت إيران على استعمال النفط في السياسة، ورفضت طلبا سعوديا بإيقاف تزويد اسرائيل بالنفط الإيراني وايقاف التعاملات التجارية والدبلوماسية مع اسرائيل، واستمر التوتر مع نظام الشاه في إيران حتى وفاة الملك فيصل.
تولي الملك خالد مقاليد الحكم في عام 1975م، فهدأت الخلافات بعض الشيء وكان هناك زيارات متبادلة بين الطرفين، وأجرت صحيفة عكاظ مقابلة صحفية مع الشاه في مايو من عام 1976م، وانتهت هذه الفترة من العلاقات السعودية الإيرانية في العام 1979م بسقوط حكم الشاه واعلان قيام الجمهورية الاسلامية الإيرانية.

نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع التقرير