"أتعرض للموت المتعمد من قبل سلطات السجن، وحالتي الصحية في تدهور، تعرضت للإغماء خلال الأسبوع الماضي أكثر من مرة دون علاج أو إسعاف" كانت هذه آخر كلمات قالها الرئيس الراحل محمد مرسي الذي وافته المنية خلال جلسة محاكمته، أمس الإثنين، حسبما نقلت بوابة حزب "الحرية والعدالة".

كلمات وإن لم يتم التأكد من صحتها في ظل تحفظ السلطات المصرية على الكاميرات التي سجلت حديث مرسي داخل المحكمة قبل أن يسقط مغشيًا عليه، إلا أن ما سبقها وما تلاها يؤكدها شكلًا ومضمونًا، ولعل عدم إفصاح لجنة الطب الشرعي المكلفة ببحث أسباب الوفاة عن تقريرها حتى الآن رغم إذن الدفن الصادر عن النيابة العامة يذهب في هذا الاتجاه كذلك.

رغم أنها ليست المرة الأولى التي يسقط فيها متهم شهيد الإهمال الطبي داخل السجون المصرية فإن ملابسات وفاة رئيس مصر الأسبق، دفعت العديد من المنظمات الحقوقية الدولية للمطالبة بفتح تحقيق دولي عاجل، على رأسها منظمة العفو الدولية التي قالت عبر تغريدة لها على حسابها بموقع تويتر: "ندعو السلطات المصرية لإجراء تحقيق نزيه وشامل وشفاف في ظروف وفاته وحيثيات احتجازه، وضمن ذلك حبسه الانفرادي وعزله عن العالم الخارجي".

كما دعت في الوقت ذاته إلى "محاسبة المسؤولين عن سوء معاملته"، بينما طالبت جماعة الإخوان المسلمين بتقرير طبي من هيئة دولية وتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في أسباب الوفاة الحقيقية، ضاربة ببيانات السلطات الرسمية المصرية ونوافذها الإعلامية التي تؤكد تلقي مرسي الرعاية الصحية الكاملة داخل السجن عرض الحائط.

مناشدات لم يستجاب لها

وفق التقارير الطبية الرسمية فإن الرئيس المعزول كان يعاني من مرض السكري المزمن، ونتيجة لظروف الاحتجاز السيئة والحرمان من العلاج، أدى ذلك إلى مضاعفات خطيرة منها "الضعف الشديد في الإبصار بالعين اليسرى، وبثور في الفم والأسنان، علاوة على تكرار تعرضه لغيبوبة نقص السكر في الدم، وإصابته بالتهابات روماتزمية حادة بالعمود الفقري، وفقرات الرقبة، نتيجة إجباره على النوم على الأرض".

في أغسطس 2015 تقدم مرسي إلى هيئة المحكمة بطلب من أجل توفير الرعاية الطبية له والعلاج الخاص به، مناشدًا أكثر من مرة بانتداب طبيب متخصص في مرض السكري، لكن هيئة المحكمة لم تستجب حينها لهذا الطلب الذي أعاده مرارًا وتكرارًا، خاصة بعدما تدهورت حالته الصحية بصورة مقلقة.

وفي ديسمبر 2017 استعرضت محكمة جنايات القاهرة تقريرًا صادرًا عن لجنة طبية تم تشكيلها لتوقيع الكشف الطبي على مرسي، بناءً على شكواه من سوء حالته الصحية داخل محبسه، جاء فيه أنه يشكو من القناة الدمعية بالعين اليسرى، إلى جانب وجود آلام في الركبتين والفقرات العنقية والقطنية وكذلك مشاكل بالأسنان، هذا بالإضافة إلى مرض الضغط والسكري، إذ تم إجراء أشعة لركبتيه، وموجات فوق صوتية على القلب ورسم قلب وفحص قاع عين وقياس ضغط العين وقياس النظر.

كشف مركز عدالة أن أعداد حالات الإهمال الطبي داخل السجون في الفترة من 2016 حتى 2018 وصلت إلى ما يقارب 819 حالة، بينما وصلت أعداد الوفيات إلى 60 حالة وفاة

وأمام هذا التعنت وجهت أسرة مرسي اتهامات إلى إدارة سجن برج العرب، السجن الذي كان يقضي به فترته الأولى من الحبس، بتقديم مواد اعتبرتها تشكل خطورة كبيرة على صحته ضمن الوجبات الغذائية المقدمة له، وفي الوقت نفسه رفعت قضية أمام مجلس الدولة تطالب فيها بتمكينها من زيارته في السجن بعد قرار منع الزيارة.

وفي مايو 2017 طلب الرئيس المصري الأسبق من المحكمة مقابلة دفاعه قائلًا من داخل القفص في إحدى جلسات محاكمته: "هناك أشياء تمس حياتي أود مناقشتها مع هيئة الدفاع"، كما خاطب المحكمة في 13 من نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بقوله: "أنا حاضر كالغائب بسبب القفص الزجاجي (العازل للصوت)"، مستطردًا "هذا يسبب انعكاسًا للصورة، ويصيبني بالدوار... والمحاكمة بالنسبة لي غيابية نتيجة الإضاءة بالقفص".

وفي مايو الماضي استنكرت الأسرة استمرار حبسه انفراديًا بشكل تعسفي للعام السادس على التوالي، مؤكدة في بيان لها أنها "لا تعرف الكثير عن حالته الصحية أو ظروف احتجازه الراهنة، سوى أن أول رئيس مدني منتخب ممنوع من لقاء أي شخص، وسط حصار وتعتيم متعمد عن طبيعة وظروف احتجازه في منطقة سجون طره شديدة الحراسة".

شكاوى عدة تقدم بها مرسي بشأن إهماله طبيًا دون جدوي

تحذيرات مسبقة

سبقت وفاة مرسي العديد من التحذيرات التي أطلقتها جهات برلمانية وحقوقية بشأن حالته الصحية وتداعيات ذلك على حياته، ففي أبريل 2018 نشر عدد من البرلمانيين البريطانيين تحذيرًا واضحًا بشأن المعاملة السيئة التي يتلقاها الرئيس المعزول في السجن وانعدام الرعاية الطبية.

التقرير الصادر عن كل من النائب كريسبن بلنت واللورد إدوارد فولكس الذي يشغل أيضًا منصب مستشار الملكة والدكتور بول وليامز، قال حينها إن ما يواجهه مرسي يشكل تهديدًا لحياته وقد يؤدي إلى "الوفاة المبكرة"، أي أنه يتعرض لعملية قتل بطيء، ما لم يتم إعادة النظر في معاملته داخل السجن.

كما تحدثوا أيضًا عن فقدان البصر في العين اليسرى لمرسي وكيف أن انخفاض السكر في الدم جعله يسقط مغشيًا عليه "فاقدًا للوعي تمامًا" خلال إحدى الجلسات العام الماضي، لافتين الانتباه إلى تدهور صحة الرئيس بسبب السكري، رغم سهولة مراقبة المرض بالرعاية الطبية البسيطة والتغذية المناسبة، وأردفوا بأن عدم وجود كلا الأمرين يبدو أنه يسبب له مشاكل خطيرة.

وفي التوقيت ذاته قالت صحيفة ذا إندبندنت البريطانية إن الظروف التي يُحتجز فيها الرئيس الأسبق قد تؤدي إلى وفاته، مضيفة "يحتجز مرسي في جناح العقرب من سجن الطرة سيء السمعة"، وبحسب التقرير الصادر فإن مرسي، البالغ من العمر 67 عامًا، ينام على الأرض، تلفّه بطانيتان، هذا بخلاف أنه يقضي 23 ساعة من يومه في العزل الانفرادي، بينما يحق له التمرين لمدة ساعة يوميًّا.

الإهمال الطبي.. أداة تصفية المعتقلين

يبدو أن الموت البطيء عن طريق الإهمال الطبي بات الأداة الأسرع والأنجز للتخلص من المعارضين، عبر تصفية ناعمة، يعتبرها البعض أسلوبًا ممنهجًا للسلطات الحاليّة للتخلص من الأصوات التي تراها مارقة تهدد كيانها ومستقبلها رغم أنهم خلف الجدران وفي معزل عن الشارع.

ففي الربع الأول من هذا العام سجّل مركز عدالة للحقوق والحريات - منظمة مجتمع مدني مصرية - حالات وفيات جديدة نتيجة الإهمال الطبي داخل السجون، حيث تم رصد 10 حالات وفاة، فضلًا عن رصد 30 حالة إهمال طبي في مقار الاحتجاز.

المركز أشار في تقرير له أن عدد السجون في مصر يبلغ قرابة 54 سجنًا، بالإضافة إلى 320 مقر احتجازٍ داخل أقسام ومراكز الشرطة، أما أماكن الاحتجاز غير المعروفة والسرية فلا يعرف عددها، فيما أشارت إلى أن عدد المسجونين في قضايا سياسية تمس الرأي بلغ 60 ألف سجين ومحبوس، وفق تقديرات حقوقية.

وفي تقرير آخر له جاء تحت عنوان "كيف تعالج سجينًا حتى الموت" صدر في نهاية يناير الماضي كشف المركز أن أعداد حالات الإهمال الطبي داخل السجون في الفترة من 2016 حتى 2018 وصلت إلى ما يقارب 819 حالة، بينما وصلت أعداد الوفيات إلى 60 حالة وفاة.

التقرير استند في معلوماته إلى 46 شهادة من سجناء ومحبوسين احتياطيًا وأهاليهم وأطباء ومحامين عن المعاناة والتعنت داخل السجون المصرية للحصول على الرعاية الطبية، كما لم يغفل الإشارة إلى بناء 23 سجنًا جديدًا منذ 2013 حتى 2018 تماشيًا مع منهجية التوسع في الاعتقالات وغلق المجال العام والمحاكمات غير العادلة.

التساؤل الأخطر الآن: ماذا عن القادم؟ وما مصير المعتقلين حاليًّا في ظل ما يتوارد من تقارير واستغاثات تشير إلى أن الرئيس الأسبق لن يكون الأخير في سلسلة التصفية بالموت البطيء داخل السجون، في ظل إصرار ممنهج من السلطات على المضي قدمًا في هذا الطريق رغم الإدانات الحقوقية الدولية

وفي 25 من أبريل الماضي وثقت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" الحقوقية عددًا من حالات الإهمال الطبي في الآونة الأخيرة الذي يتعرض لها المعتقلون في مصر، وطالبت بدورها بفتح تحقيق دولي في ظروف الاحتجاز في السجون المصرية، بعدما دق جرس الإنذار في تزايد أعداد القتلى داخل السجون، مع تعرض حياة نحو 5000 معتقل مريض للخطر بعد تهدد حياتهم وتردي حالتهم الصحية.

جدير بالذكر أنه في مايو 2017 أصدر مركز النديم لمناهضة العنف ‫والتعذيب والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، (مستقلين) تقريرًا مشتركًا عن الإهمال الطبي في السجون بعنوان: "يا تعالجوهم يا تفرجوا عنهم: الإهمال الطبي في السجون جريمة"، تناول واقع الرعاية الصحية للمسجونين في عددٍ من السجون والمعتقلات المصرية.

التقرير اعتمد على شهادات السجناء وذويهم، كاشفًا الصعوبة الشديدة التي يواجهها المرضى من السجناء في حال احتياجهم إلى العلاج داخل السجن، حيث رصد تدني مستوى الخدمات الطبية داخل السجن بالإضافة إلى غياب وسائل مراقبة أطباء السجن والنقص الحاد في أنواع كثيرة من الأدوية الضرورية داخل مستشفى وعيادة السجن.

أما في حال حاجة السجين المريض للحصول على علاج في مستشفى خارجي في حالة عدم توافر الخدمة في مستشفيات السجن، تقوم مصلحة السجون وإدارة الترحيلات وإدارة السجن نفسه بالتنسيق معًا حتى يتم نقل السجين للعلاج، وهو الأمر الذي أوضحت الشهادات مدى صعوبته ما ينعكس سلبًا على حالة المريض.

المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا قالت في بيان لها إن عدد قتلى الإهمال الطبي في سجون مصر، منذ 3 من يوليو/تموز 2013 حتى نهاية 2015، تجاوز 170 محتجزًا على الأقل، وفق لائحة أعدتها المنظمة، لافتة أن بعض المحتجزين توفوا "جراء تعرضهم للتعذيب حتى الموت، والبعض الآخر جراء الإهمال الطبي المتعمد بعدم تقديم العون الطبي"، ناهيك عن سوء الرعاية الصحية والفساد المستشري في إدارات السجون ومقرات الاحتجاز بأقسام ومراكز الشرطة.

مرشد الإخوان الأسبق مهدي عاكف

ماذا عن القادم؟

لم يكن مرسي شهيد الإهمال الطبي الوحيد داخل زنانين العسكر في مصر، فقد سبقه في ذلك عدد من قيادات الإخوان على رأسهم المرشد السابق محمد مهدي عاكف الذي توفي في 22 من سبتمبر/أيلول 2017، عن عمر ناهز 89 عامًا، وقبله بشهر تقريبًا توفي عضو مكتب الإرشاد في الجماعة عبد العظيم الشرقاوي، إثر تدهور حالته الصحية داخل سجن بني سويف، ومن قبله الدكتور فريد إسماعيل وغيره الكثير وفق ما وثقت المنظمات الحقوقية.

إلا أن التساؤل الأخطر الآن: ماذا عن القادم؟ وما مصير المعتقلين حاليًّا في ظل ما يتوارد من تقارير واستغاثات تشير إلى أن الرئيس الأسبق لن يكون الأخير في سلسلة التصفية بالموت البطيء داخل السجون، في ظل إصرار ممنهج من السلطات على المضي قدمًا في هذا الطريق رغم الإدانات الحقوقية الدولية؟

في بيان موقع من عدد من المنظمات الحقوقية المصرية حذر من تبعات الإهمال الطبي على حياة العشرات من المحبوسين في قضايا سياسية على وجه الخصوص على رأسهم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق المعتقل منذ فبراير/شباط 2018 على خلفية لقاءات تليفزيونية انتقد فيها سياسات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خاصة ما يتعلق بالأجهزة الأمنية والتوسع في الاعتقالات والتعذيب.

المنظمات في بيانها أعربت عن بالغ استيائها واستنكارها للإهمال الطبي "المتعمد" في السجون وأماكن الاحتجاز التي وصلت في حالة أبو الفتوح - على سبيل المثال لا الحصر- إلى حد القتل البطيء، مما يعكس "افتقار السلطة الحاليّة لأخلاقيات الخصومة السياسية".

معتبرة أن هذه الممارسات التي لا يتعرض لها أبو الفتوح فقط، وإنما يشاركه فيها آخرون من بينهم هشام جعفر المفرج عنه مؤخرًا باحترازات أمنية، والمستشار محمود الخضيري، لا تعكس إلا افتقار السلطة الحاليّة لأخلاقيات الخصومة السياسية واستخدام التنكيل والتعذيب، بل والقتل العمد كوسيلة عقوبة إضافية لسجناء سياسيين معارضين لها.

وقبل أشهر قليلة قال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إن هناك استغاثة وصلت إليه تطالب بإنقاذ القيادي في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي، من "الانتهاكات التي تمارس بحقه، بمقر احتجازه بسجن العقرب (سيء السمعة)، وذلك بعد تدهور حالته الصحية نتيجة للإهمال الطبي المتعمد الذي يتعرض له.

المركز في بيانه أضاف "بحسب ما وردنا، فإن البلتاجي أصيب قبل أسابيع، وتحديدًا في 10 من يناير/كانون الثاني 2019، بثقل في حركة بعض أعضائه (اللسان واليد والساق اليمنى)، أعقبه عدد من الأعراض النفسية والعصبية الخطيرة مثل فقدان التركيز والإرادة والأرق واضطرابات النوم، وذلك نتيجة للمعاملة غير الإنسانية والضغوط العصبية التي تمارس ضده".