تتواصل حملة الاعتقالات في صفوف أنصار المعارضة الموريتانية، بالتزامن مع قطع الإنترنت بصفة كاملة في مختلف أنحاء البلاد. حملة اعتقالات تأتي عقب إعلان السلطات فوز مرشح السلطة والذراع الأيمن للرئيس المنتهية ولايته، وزير الدفاع السابق الفريق محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني برئاسة البلاد في انتخابات قالت المعارضة إنها مزورة، فما الذي يحدث في هذا البلد العربي الذي يطمح شعبه في دولة ديمقراطية؟

قطع الإنترنت

مباشرة إثر إعلان الهيئة العليا للانتخابات عن نتائج الانتخابات وفوز مرشّح النظام، سارعت السلطة إلى قطع الإنترنت عن جميع الهواتف الجوالة، ليعقبه بعد ذلك قطع للإنترنت في المنازل، عن العاصمة الموريتانية نواكشوط وجميع الولايات الداخلية، كما أعطت وزارة الداخلية الأوامر لشركات الاتصال بقطع الإنترنت عن كل المؤسسات العاملة بموريتانيا، بما فيها البنوك ومختلف المؤسسات العمومية الأخرى.

وكانت اللجنة المستقلة للانتخابات قد أعلنت الأحد الماضي فوز ولد الغزواني من الجولة الأولى في الانتخابات التي أجريت السبت بعد حصوله على 52% من أصوات الناخبين، بينما حل الناشط الحقوقي ولد أعبيدي ثانيًا وحصل على أكثر من 18%.

وجاء في المركز الثالث رئيس الوزراء السابق سيدي محمد ولد بوبكر، المدعوم من الإسلاميين، بحصوله على 17.58% من الأصوات، أمّا في المرتبة الرابعة فحل الصحفي كان حميدو بابا بإجمالي 8.71%، في حين حصل أستاذ التاريخ محمد ولد مولود على 2.44% من الأصوات.

يساهم قطع الإنترنت في موريتانيا في مزيد من التعتيم خاصة مع سيطرة السلطة على وسائل الإعلام التقليدية

"اشتكى المواطنون عبر الإنترنت من أنهم لا يريدون عودة النظام العسكري، قبل دقائق من صمت أصوات الإنترنت"، وفق منظمة "نيت بلوكس" غير الحكومية المتخصصة في الأمن السيبراني وعمل الإنترنت حول العالم، و"يمثل تعتيم المعلومات تهديدًا كبيرًا لسلوك الديمقراطية في موريتانيا في وقت تحتاج فيه الشفافية لضمان انتقال سلس للسلطة"، وفق نفس البلاغ الصادر عن "نيت بلوكس" التي أكّدت أن جميع مزودي خدمات الإنترنت في موريتانيا، يتأثرون في الوقت الحاليّ بالانقطاع، مع توقف الاتصال على مستوى البلاد بنسبة 92%.

وأشار التقرير إلى أن اتصالات الإنترنت لا تزال تشهد انقطاعًا في موريتانيا، مما يجعلها تنضم إلى نادي الدول التي تتحكم بقطع اتصالات الإنترنت لأغراض سياسية مثل مصر ومالاوي والكونغو والكاميرون، وغيرها.

حجب المعلومة

يرى العديد من الموريتانيين أن حجب الإنترنت بهذه الطريقة، تهدف من خلاله السلطات إلى قطع التواصل للحشد إلى المظاهرات التي اندلعت ضدها، ومنع تناقل المزيد من صور وفيديوهات الاحتجاجات التي عقبت الانتخابات، للسيطرة على الوضع في البلاد، وحتى لا تكون الصور المتداولة والفيديوهات دافعًا لآخرين للانضمام لهذه الاحتجاجات.

وقطع محتجون غاضبون طرقًا في بعض مقاطعات العاصمة نواكشوط، وأشعلوا إطارات السيارات، فيما أغلقت المحال التجارية المحيطة أبوابها، في حين احتج آخرون في العاصمة الاقتصادية وقطعوا بعض الطرقات، وفقًا لما وثقته الصور المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

تواصل الاحتجاجات رفضًا لنتائج الانتخابات

يعتقد هؤلاء أن اللجوء إلى تعطيل النفاذ إلى الإنترنت، أصبح وسيلة جديدة لقمع حرية التعبير في بلادهم التي تعيش تحت وطأة حكم العسكر الذي لا يريد ترك السلطة للمدنيين بأساليب ديمقراطية وحضارية، ويراد من خلال هذه الوسيلة الجديدة لقمع حرية التعبير، القضاء كليًا وبصفة نهائية ولو بالتدرّج على الدور المركزي المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي في العمل السياسي في موريتانيا التي ينشد شعبها التغيير السلمي وتحقيق انتقال ديمقراطي.

ترهيب الناس

يساهم قطع الإنترنت في موريتانيا في مزيد من التعتيم خاصة مع سيطرتها على وسائل الإعلام التقليدية، بالتالي في زيادة انتهاك السلطات لحقوق الإنسان، حيث عادة ما تشهد فترات الحجب انتهاكات واسعةً وحالات قتل لمتظاهرين واعتداءات عنيفة واعتقالات تعسفية في صفوف المعارضين.

بالتزامن مع قطع الإنترنت، انتشرت قوات من الشرطة والجيش في شوارع العاصمة للسيطرة على ما سمتها نشاطات تخريبية للإضرار بأمن الناس والممتلكات، كما قامت بحملة اعتقالات كبيرة في صفوف أنصار المعارضة.

ضمن سياسة الترهيب، استنجدت السلطات بالعامل الخارجي، حيث أشار وزير الداخلية الموريتاني إلى محاولة قوى أجنبية، لم يحددها، ركوب موجة الولاية الثالثة للرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، وعندما فشلوا في ذلك حاولوا التظاهر في الشوارع مع بدء فرز نتائج الانتخابات الرئاسية قبل إعلان النتائج من طرف اللجنة المختصة.
 

هذه الاتهامات رفضتها المعارضة، متهمة النظام باختلاق هذه الأحداث للتغطية على تزوير الانتخابات

أضاف ولد عبد الله أن زعزعة الأمن خط أحمر، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع المتظاهرين من اليوم الأول بما يتطلبه الحفاظ على الأمن والاستقرار، مؤكدًا أنه لا جود لأي قتيل أو جريح، ومعلقًا "لكن من يحاول التظاهر بشكل غير المرخص عليه أن يتحمل مسؤولية ذلك"، مذكرًا ببيان أصدرته وزارة الداخلية، مساء الإثنين الماضي، طالبت فيه كل الأطياف السياسية المعارضة في البلاد بعدم التظاهر غير المرخص وتحمل مسؤولية ذلك وفقًا للقانون. 

وقال وزير الداخلية الموريتاني إن الأيادي الخفية التي تقف وراء التظاهرات ومحاولة زعزعة أمن واستقرار البلد لها علاقة بأحد المرشحين للانتخابات الرئاسية، موضحًا أن تحركات هذه الأيادي بدأت مع فرز نتائج الانتخابات وهو ما يكشف أن هناك مكيدةً مدبرةً ومخططًا لها وفشل أصحابها في الوصول إلى ما يطمحون إليه، مشيرًا إلى القبض على 100 أجنبي في هذه الأحداث.

المعارضة تنفي وتتهم النظام

هذه الاتهامات رفضتها المعارضة، متهمة النظام باختلاق هذه الأحداث للتغطية على تزوير الانتخابات، وأنكرت أحزاب المعارضة تورط أنصارها في عمليات التخريب التي تحدثت عنها الحكومة، وقالت إن السلطات زجت بالمجرمين والمخبرين في الشوارع لإرهاب الناس وحملهم على القبول بالنتائج المزورة.

في ذات السياق، قال المترشح الذي حل في المرتبة الثانية بيرام ولد الداه ولد أعبيدي إن الأحداث الأمنية التي شهدتها البلاد بعد الانتخابات الرئاسية، ناتجة عن مكيدة من "الجنرالين"، في إشارة إلى الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز والمرشح الذي أعلن فوزه في الانتخابات محمد ولد الغزواني، وكلاهما عسكري سابق يحمل رتبة جنرال.

تتهم المعارضة الموريتانية النظام بدس مخربين في صفوف المحتجين

قدم ولد أعبيدي طعنًا رسميًا في النتائج لدى المجلس الدستوري، وقال إنه زار تجمعًا للشباب المحتجين على النتائج وطالبهم بالهدوء وضبط النفس، مؤكدًا أنهم استجابوا لذلك ما عدا مجموعة قليلة وصفها بالمدسوسة من طرف الأمن.

وكان مرشحو المعارضة - سيدي محمد ولد بوبكر، وكان حاميدو بابا، ومحمد ولد مولود - قد دعوا أنصارهم للتظاهر رفضًا لنتائج الانتخابات، إلا أنهم عدلوا عن ذلك في وقت لاحق، وألغوا المسيرة الاحتجاجية التي كانت مقررة الإثنين الماضي.

هذه الأحداث التي تشهدها موريتانيا في أعقاب الانتخابات التي أفرزت فوز مرشح السلطة، يتوقع أن تتواصل في ظل إصرار النظام على عدم الحوار وتجاهل قوى المعارضة وأطراف كبيرة في الشعب ولجوئه إلى تخوين المحتجين.