ضبابية المشهد السياسي التونسي قبل ثلاثة أشهر من انتخابات فاصلة تسمح بتوقع سيناريوهات مختلفة، فكثيرون يتوقعون أن يكون حزب النهضة هو الحزب الأول في البرلمان، وعليه فإنه يكون مكلفًا بالقوة الدستورية بتشكيل الحكومة. لكن ماذا لو صحت استطلاعات الرأي التي تصدر الآن تباعًا وتقدم حزب (قلب تونس) حزب نبيل القروي الذي ولد البارحة ويرى نفسه مكلفًا بعد ذلك بقيادة الحكومة والبلد؟ كيف سيكون سلوك حزب النهضة الذي لم يغادر الحكومة منذ أول انتخابات تعددية في 2011؟ هل يمكن للحزب أن يخرج إلى المعارضة؟ وكيف سيكون مصيره وهو الذي ما فتئ يروج لخطر الاستئصال والإقصاء من قوى الداخل والخارج؟

واقع الحزب من الداخل سيحدد مصيره

يعيش الحزب صراعات داخلية عميقة بين تيارين: تيار الرئيس الشيخ الغنوشي وتيار معارضيه وفيه أسماء قيادية كثيرة، ومدار الصراع قيادة الحزب واختيار موقعه في المشهد السياسي الداخلي وعلاقته بالخارج، فحتى الآن نسمع أصداء صراع لم تصل إلى صدامات أو تفكك، والبعض يرى ذلك أمرًا طبيعيًا في حزب كبير (ماكينة سياسية) لن يكون منه إلا خير وقوة للحزب، والبعض يراه إيذانًا بنهاية حزب إسلامي متماسك بعقيدة دينية ولكنه يصل إلى مرحلة إدارة مدنية غير عقدية يختلف بشأنها الكثيرون، بما ينتهي عادة بتفكك وظهور أحزاب كثيرة من حزب واحد، فالظرف الانتخابي سيساهم مؤقتًا في تأجيل الانفجار ولكن عدم فوز الحزب بأغلبية مريحة وبمكان أول سيدفع إلى الحساب والمحاسبة تؤدي إلى التفكك.

أفرط الحزب في تخويف نفسه من الاستئصال السياسي، فكلما كان الوضع يستحق حسمًا في العلاقة مع جهة ما، غلبت لغة المهادنة وكان البيان الخجول في استشهاد الرئيس المصري آخر علامات اجتناب الأذى أو منطق صفر مشاكل

لماذا قد يتأخر الحزب إلى موقعٍ ثانٍ؟ تجربة الحكم بين 2014 و2019 أكلت من رصيد الحزب الكثير خاصة أن ليس له ماكينة إعلامية تدافع عنه، لذلك وجد نفسه يتحمل وحده كلفة فشل حكومات ما بعد 2014 وخاصة كلفة أخطاء حكومة الشاهد منذ 2017 إلى اليوم، ولم يشفع للحزب أنه كان شريكًا في الحكومات وكل المناصب التنفيذية والتشريعية ليست بيده ولكن ماكينة الإعلام المعادية غضت الطرف دومًا عن أخطاء شركائه وحملته كل الفشل، مبررة انحيازها بأن الحزب هو من تمسّك بالشاهد ورفض تغييره.

فضلاً عن ذلك فإن مناورات الحزب في الساحة السياسية أفقدته الكثير من المصداقية، فقد هادن نبيل القروي وسمح له بالاندفاع دون رادع في صناعة شخصيته السياسية التي يدخل بها الانتخابات (زعيم شعبي رفيق بالناس وقريب منهم ولديه من المال ما يستجيب لحاجتهم خاصة وهو يدخل عليهم من باب أن الحكومة أهملتكم وأنا أتكفل بكم)، وإلى ذلك لم يسجل للحزب أي تدخل جدي في البرلمان ضد الفساد فيما كانت أحزاب أقل حجمًا منه تتخذ من محاربة الفساد فرس رهانها السياسي وقد حقق البعض منها نتائج مفيدة انتخابيًا، فالصمت فسره خصوم الحزب وأعداؤه تواطؤًا مع الفساد.

أفرط الحزب في تخويف نفسه من الاستئصال السياسي فكلما كان الوضع يستحق حسمًا في العلاقة مع جهة ما، غلبت لغة المهادنة وكان البيان الخجول في استشهاد الرئيس المصري آخر علامات اجتناب الأذى أو منطق صفر مشاكل. اللحظة الراهنة تقول إن من هرب من مواجهة المشاكل لاحقته المشاكل وكل هذه المناورات ستنتج تراجعًا انتخابيًا كبيرًا يجعل الحزب في الموقع الثاني في أفضل الحالات، أما إذا تحالفت أحزاب المنظومة داخل البرلمان فسيركن الحزب في الموقع الثالث حيث تكون نهايته، إذ لن يستحق أحد أصوات نوابه لتزكية حكومة.

القروي رئيس حكومة

هذا الاحتمال لم يعد مستبعدًا بل هو المرجح ما لم يرتكب الرجل حماقة سياسية ولا أراه يفعل فهو يتمتع بذكاء ونصيحة خبيرة من وراء حجاب وغرفة التوجيه عنده ليست تونسية، لذلك فاحتمال التحامق غير وارد.

هناك احتمال كبير أن يتحالف مع جماعة (عيش تونسي) من باب تجمع الضحايا، فكلاهما حرم (حتى الآن) من الترشح للرئاسة، فقانون عزله لم يمر إلى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين

تخلص الرجل من الخطابة الإيديولوجية ذات الألفاظ الكبيرة المستنفدة وليس لحزبه لون محدد سوى خطاب الشفقة الاجتماعي (الشعبوية) ولكن الساعين إليه لترؤس قائمات حزبه في التشريعية كثيرون ولديهم من الجرأة ما يجعلهم يواجهون النخبة الكلاسيكية السجينة في خطاب السبعينيات، وهذه إحدى الفجوات التي دخل منها على مشهد سياسي متكلس وجامد.

وهناك احتمال كبير أن يتحالف مع جماعة (عيش تونسي) من باب تجمع الضحايا، فكلاهما حرم (حتى الآن) من الترشح للرئاسة، فقانون عزله لم يمر إلى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين (بديل المحكمة الدستورية المؤجلة)، كما أنه سيجمع من فلول المنظومة القديمة التي تذكر له حسن دعايته لنظام بن علي بما يجعله يأكل من شعبية الشاهد والنداء معًا وهما اللذان يختصمان على ميراث التجمع.

فضلاً عن ذلك فالرجل يملك المال الكافي والوقاحة لشراء أصوات تعرض الآن نفسها للبيع في سوق الانتخابات والسمسارة أكثر من الأحزاب، لذلك فاحتمال أن يكون حزبًا أولاً كبيرًا مرجح جدًا، أي أنه يكون رئيس الحكومة القادم بلا جدال، فكيف سيكون موقف حزب النهضة الثاني (بالترجيح لا باليقين) من احتمال التحالف مع القروي في حكومة واحدة؟

انشطار حزب النهضة

بين راغب في الحكم ومستنكف عن التحالف مع الشعبوية سينشطر الحزب شطرين إن لم نقل أكثر، ففي الحزب اتجاه إلى عدم مغادرة الحكومة مهما كان الموقع ومهما كان الحجم وهو اتجاه الغنوشي وفريقه، بينما نسمع صدى مختلفًا يقول بالخروج إلى المعارضة وترك الشعبوية تفشل والدفع إلى انتخابات سابقة لأوانها.

يرى قياديون كثر أن الانتقال إلى موقع المعارضة لن يسمح للشعبوية (نبيل القروي وحليفه المحتمل عيش تونسي) بالحكم وسيغرق الحزب الجديد في المزيد من الفشل

القائلون بالمشاركة يروجون في داخل الحزب للتخويف من الاستئصال وعدم ترك مساحة فعل لخصوم لن يسمحوا للحزب بالعودة إلى السلطة ولو بإلغاء المسار الديمقراطي برمته ولذلك يروجون لخطاب مرافقة التجربة السياسية بالتوافق المتواضع في الداخل، فالحكم لم يستقر بعد لممارسة المعارضة كما يروجون للحفاظ على سمعة الحزب في الخارج كحزب مسؤول يخلو من المغامرة والطيش السياسي، أما باطن الخطاب أو خلفيته فهي استمراء السلطة والنيل من منافعها ولو بالتخلي عن مبادئ الحزب وثوابته.

في الصف المقابل يرى قياديون كثر أن الانتقال إلى موقع المعارضة لن يسمح للشعبوية (نبيل القروي وحليفه المحتمل عيش تونسي) بالحكم وسيغرق الحزب الجديد في المزيد من الفشل بالنظر إلى ثقل الميراث الذي سيقع بين يديه. معارضة بناءة وهادئة أو معارضة راديكالية تعمل على إفشال الحكومة هذا يتحدد لاحقًا وربما يرمم موقع الحزب في المعارضة العلاقة مع الشخصيات والأحزاب الصغيرة التي تتهم الحزب بالتخلي عن الثورة يوم انحاز للتحالف مع الباجي وحزب النداء، وهو احتمال ضعيف لأن الكثير من هؤلاء سيعملون على عزل الحزب داخل البرلمان للقضاء عليه في الشارع، إذ ستكون العيون على فلول الحزب الهائمة بعد انكساره.

ولإنجاح موقع الحزب في المعارضة وحمايته يتم الدفع برئيس ديمقراطي (حكم عدل) لحماية نزعات الاستئصال الانتقامية التي قد يذهب إليها رئيس الحكومة المغامر، وليس للحزب في الصورة الآن إلا مصطفي بن جعفر (رئيس المجلس التأسيسي) الذي عاد يطل برأسه بعد كمون، ملمحًا إلى حسن استعداده للمنصب بموافقة النهضة، وقد تأكد من شواهد كثيرة أن المرزوقي الرئيس الأسبق لم يعد على خريطة النهضة كما تأكد أن كمال مرجان يعاني من زهايمر لا يسمح له بالعمل.

مصير الحزب مرهون بقلب نبيل القروي

كيف النجاة من نبيل القروي؟ سيكون هذا سؤالاً يوميًا داخل حزب النهضة، بل لعله يناقش الآن بجدية، فالرجل لم يكن في صف الأعداء الظاهرين لكنه تسرب إلى الموقع الذي يحدد فيه مصير النهضة رغم قوتها الموهومة فإما معه وتحت عطفه لإسناد حكومته مقابل سلامة الحزب أو الانتقام.

لقد تبين أن القوة العددية والنظام ليست كافية للبقاء دومًا في السلطة ولا حسن إدارتها، أما إذا اختلفت شقوق الحزب حول الموقع والدور(مع الحكومة أو في صف المعارضة) وهو اختلاف جذري فسيكون التشتت أقرب من اللحمة وسيكون المؤتمر الحادي عشر هو موعد الفرقة بين الأخوة الذين جمعتهم السجون والمنافي وفرقتهم السلطة. ولن يكون أول من أصابه ذلك بل سيكون مصيرًا طبيعيًا، فلحمة المعاناة انتهت وحلت محلها لحمة المصلحة وهي أضعف وأهون، وقد جرى هذا على كل الأحزاب في كل الديمقراطيات قديمها وحديثها وبعضه نراه في العدالة والتنمية التركي الذي يدفع ثمن الخلاف بشأن إدارة السلطة حيث أودت طموحات الرئيس أردوغان بتماسك الحزب.

حول الربيع العربي أحزاب اليسار إلى ذرات غبار هائمة والإسلاميون على الطريق وفارق الوقت ليس طويلاً

التنازل للغنوشي مرة أخرى وتأجيل المؤتمر وإدارة الحكم من موقع ثانوي مقابل البقاء على قيد الحياة السياسية أو تنازل الغنوشي للقيادات الطموحة وحفظ كيان الحزب دونه والانحياز إلى المعارضة وتحمل كلفتها، هذه هي المعركة القادمة داخل الحزب وهذه نقطة مفصلية في تاريخه، نرجح فيها غلبة الغنوشي وفريقه المقرب ثم التدرج نحو نهاية مشابهة لحركة فتح الفلسطينية التي تحللت بوفاة ياسر عرفات وذهبت ريحها فباعت قضيتها وتحولت إلى حارس لحدود العدو.

ذات يوم رأيت نبيل القروي يحضر حفلاً لحزب النهضة والشباب يفسح له المجلس ويرحب به كأخ وصديق، فقلت لبعض شباب الحزب وهم من طلبتي هذا الرجل سيخسف بكم الأرض، لم تكن نبوءة كانت حصيلة معرفة بطبيعة رجل لا يتورع عن شيء وبينه وبين النبل ما بين الموت والحياة، وقد أجل الرجل معركته مع النهضة إلى حين بعد أن قاد عليها حربًا إعلاميةً مدمرةً.

والآن سيكون أمامنا ما يكفي من الوقت لنشهد واقعة لم تكن في الحسبان قبل ثورة الربيع العربي، الأحزاب الإسلامية أيضًا تتفكك وتموت، لقد حول الربيع العربي أحزاب اليسار إلى ذرات غبار هائمة والإسلاميون على الطريق وفارق الوقت ليس طويلاً، وعندما يشاهدون ربيبهم القروي يعمق مآسيهم سيتذكر من بقي منهم بذاكرته سليمة خديعة السيسي لإخوانهم في مصر، حينها لن يكون مجديًا إعادة تقييم مرحلة حكومة حمادي الجبالي (2012-2013)، وربما يعودون إلى سماع الأطلال أو كتابة معلقة تبدأ بقفا نبك.