يُقال إن الضحك يكثر عند رأس الميت، و"كثر الهم يضحك" (مثل شعبي تونسي)، ولكن المعلوم لدى العامة والخاصة أن كل مصيبة تُرافقها فسحة ونكتة تجول في الخواطر لتُطفئ لهيب من به حرقة، ومن ألم به حزن وغم، هذه الصورة وإن اختلفت زاوية تصويرها تنطبق على الأحداث التي عاشتها تونس مؤخرًا في أعقاب العمليات الإرهابية المتتالية في العاصمة وأحد الأحياء المتاخمة لها.

الإطار العام مأساوي إلى أبعد الحدود، تفجير انتحاري في قلب العاصمة وعلى بعد أمتار من الشارع الرئيسي الحبيب بورقيبة، وتحديدًا نهج "شارل ديغول" المعروف بازدحامه الشديد، يُسفر عن مقتل أمني وسقوط جرحى، ويُحدث هلعًا يشتد مع إذاعة خبر تفجير آخر بالقرب من وحدة مختصة في مكافحة الإرهاب بـ"القرجاني".

ورغم حالة "الانفلات الإعلامي" الذي رافق العمليات من خلال بث أخبار متضاربة ومتسرعة وغير دقيقة، لا تستند لمصادر رسمية (وزارة الداخلية)، فإن بعض التونسيين اختاروا مشاهدة الحادثة عن قرب لفهم التفاصيل والحيثيات، مدفوعين برغبة حب الاطلاع، وفي قرارة نفسهم أن المعاين ليس كالمخبر، ومنهم من اختار مساندة القوات الأمنية التي تم استهدافها من الانتحاري، وتقديم الدعم المعنوي عبر ترديد الشعارات والنشيد الرسمي للبلاد، لتعود الحياة بشكل طبيعي إلى شارع "شارل ديغول"، وتفتح المقاهي والمحال التجارية أمام الزبائن، وتنزل الوفود السياحية إلى المدينة العتيقة وأسواقها التقليدية، في رسالة ضمنية، بأن لا مكان للخوف في قلوبهم.

التونسيون والويكلو

لا يعترف التونسيون بـ"الويكلو" (huis clos)، وهو مصطلح تقني يخص بدرجة أولى عالم كرة القدم، وتعني فرض عقوبة على جمهور فريق معين بإجراء مقابلة دون الجمهور لمدة معينة، من اتحاد اللعبة، وتكون بحسب شدة أحداث الشغب أو الظروف الأمنية والسياسية الصعبة في ذلك البلد، التي تجعل من إجراء اللقاء بالجمهور أشبه بالمستحيل خوفًا من تطور الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، والشاهد من الاستعارة أن التونسيين تعودوا على الحضور بكثافة في مناطق الاشتباك بين قوات الأمن والإرهابيين، دون أن يتملكهم الخوف من أن يخرج الوضع من تحت السيطرة، رغم تحذيرات قوات الأمن المتكررة.

فتجدهم عادة في شكل حزام دائري حول مسارح الجريمة يراقبون حركات وسكنات قوات الأمن، يميل الشرطي يمنة فتدور أعناقهم إلى الجهة التي ولى إليها وجهه، يفتش أحد عناصر الشرطة الفنية (البحث الجنائي)، في الأرض عله يجد دليلًا، فترى أعين مئات الحاضرين تمشط المكان، لا تترك شبرًا إلا ومسحته مسحًا.

آخر العروض كانت خلال محاصرة "أيمن السميري" إثر عملية مطاردة بحي الانطلاقة بالعاصمة، وتمكن الوحدات الأمنية التابعة للوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجريمة المنظمة، من القضاء على الإرهابي الفار، دون تسجيل أي خسائر بشرية، وبحسب مصادر أمنية فإن السميري (23 سنة) يعتبر من الرؤوس المدبرة لعمليتي شارل ديغول والفرجاني، لافتة إلى أنه كان يستعد لتنفيذ هجوم جديد في العاصمة، قبل أن تتمكن السلطات من إحباطه.

نقل التونسيون عبر صفحات الفيسبوك وبتقنية البث المباشر، الواقعة بتفاصيلها الدقيقة منذ الوهلة الأولى للتفجير، ولم تمنعهم الحواجز التي وضعتها قوات الحرس الوطني (درك)، إضافة إلى الأشرطة الصفراء التي تحول دون دخول المواطنين إلى مسرح الجريمة، من التكدس والتدافع

وعقب سماع دوي الانفجار، انهال سكان المنطقة والأحياء المجاورة (حي التضامن والمنيهلة وحي الرفاهة)، على موقع الحادثة (محطة المترو الخفيف رقم 5)، لتبدأ رحلة التحقيق والتقصي والأخبار العاجلة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ونقل التونسيون عبر صفحات الفيسبوك وبتقنية البث المباشر، الواقعة بتفاصيلها الدقيقة منذ الوهلة الأولى للتفجير، ولم تمنعهم الحواجز التي وضعتها قوات الحرس الوطني (درك)، إضافة إلى الأشرطة الصفراء التي تحول دون دخول المواطنين إلى مسرح الجريمة، قصد معاينته في مرحلة أولى ومن ثم جمع الأدلة إن وُجدت، من التكدس والتدافع من أجل نيل السبق في التقاط الصور حتى إن كان الجسد مُمزقًا لأشلاء، فلا بأس إن ظفر بساق أو يد أو صورة لحم فُرم من قوة الانفجار، توُثق وتؤكد روايته التي سيسردها لاحقًا في المقهى.

ومن وراء الحشد يتجادل اثنان، فيقول الأول انظر الشرطي وجد أنف الإرهابي، فيرد الآخر جازمًا، تثبت منها جيدًا إنه الأنف ولا تطل الحديث قضي الأمر، وبجانبهم ثالث كان يسترق السمع، يفتح الحوار فجأة مؤكدًا للحضور أن القطعة إصبع أو إصبعان ملتصقان، مضيفًا القول: "قمت بتكبير كاميرا الهاتف، إنه جديد من ماركة أمريكية، يصور بتقنية 4k".

من المعلوم أن عقارب الساعة لا ترجع إلى الخلف، ولكن الذاكرة المسجلة على محرك البحث "جوجل" بإمكانها إعادتنا إلى 3 سنوات ونيف مضت على ملحمة مدينة بنقردان (جنوب) الحدودية مع ليبيا

يتفرق الجمع بعد التقاط صور السيلفي، فرادى وجماعات في الشوارع والأزقة، تفتح المحلات وتستقبل المقاهي من جديد روادها بعد فاصل لا يمكن تفويته، وتعود فوضى الأحاديث والنقاشات مجددًا: هل يعبر نسور قرطاج الجولة الأولى من كأس أمم إفريقيا المقامة بمصر؟ وهل بإمكان الباجي قائد السبسي قيادة البلاد في المرحلة القادمة بعد تعكر صحته؟ هل من حل لأزمة الصراصير التي اجتاحت البلاد؟

للقصة بداية

من المعلوم أن عقارب الساعة لا ترجع إلى الخلف، ولكن الذاكرة المسجلة على محرك البحث "جوجل" بإمكانها إعادتنا إلى 3 سنوات ونيف مضت على ملحمة مدينة بنقردان (جنوب) الحدودية مع ليبيا، أين سطر التونسيون، أمنيون وعسكريون ومواطنون عزل يملكون بدل الخناجر حناجر، فصولًا من البطولة أشاد بها العام.

7 من مارس 2016، هاجمت ثلاث مجموعات مسلحة ثكنة عسكرية وثكنة للحرس التونسي في مدينة بنقردان المحاذية للحدود مع ليبيا للسيطرة على مقرات السيادة، لكن قوات الأمن والجيش تمكنت من إحباط مخطط المسلحين لإعلان إمارة تابعة للتنظيم في المدينة، بعد القضاء على 49 مسلحًا واعتقال عشرة آخرين، كما ذهب ضحية هذا الهجوم الإرهابي 13 من قوات الأمن و7 مدنيين، بينهم طفلة.

لا يُبدي التونسيون (العامة) عادة القلق الشديد والخوف من العمليات الإرهابية في حد ذاتها لأنهم يُؤمنون بقدرتهم على التصدي لهذه الآفة، من خلال الالتفاف والتكاتف بين مكونات المجتمع، بل تؤرقهم أكثر تداعياتها

ورغم دعوات وتحذيرات قوات الأمن للمواطنين بالتحصن في منازلهم خشية التعرض لنيران الاشتباكات، فإن أهالي المدينة أبوا إلا أن يساندوا وحدات الشرطة والحرس (الدرك) والجيش، بصدور عارية وشجاعة لم يسبق لها مثيل، وشكلوا درعًا بشريًا لحماية القوات المسلحة.

وأغرب تلك المشاهد التي تناقلتها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، كانت لمواطنين تكدسوا وراء عسكري تونسي وهو في حالة اشتباك مع العناصر الإرهابية، دون خوف من أن يصيبهم الرصاص المرتد من الجهة المقابلة، فمنهم المنشغل بالتقاط صور "سيلفي" توثق الحدث، ومنهم من يردد النشيد الوطني لشد عضد الأمنيين ودعمهم في المحنة التي حلت، وآخرون تكفلوا بمهمة الرصد والتعقب البصري للإرهابيين، ورد الخبر للعسكر قصد استهدافه.

وفي ذات المعركة، ترصد الأعين مواطنًا تونسيًا آخر يجري وراء شرطي مرددًا: "ضرب يا زميل هاني حاميلك ظهرك" (أضرب فإني أحمي ظهرك)، ويُجزم من عاين الحادثة أن الرجل لا يملك حجرًا يذود به عن نفسه، غير أنه اختار أن يكون درعًا بشريًا لحامي الوطن.

لا يُبدي التونسيون (العامة) عادة القلق الشديد والخوف من العمليات الإرهابية في حد ذاتها لأنهم يُؤمنون بقدرتهم على التصدي لهذه الآفة، من خلال الالتفاف والتكاتف بين مكونات المجتمع، بل تؤرقهم أكثر تداعياتها، وخاصة ضرب موسم السياحة الذي يُراهن عليه التونسيون لإخراجهم من حالة الركود الاقتصادي وارتفاع التضخم والعجز التجاري، فيما لا يُخفي السياسيون هواجسهم من العمليات الإرهابية خاصة في مثل الظروف التي تمر بها تونس، فهي على أبواب انتخابات رئاسية وبرلمانية، إضافة إلى حالة الرئيس الباجي الصحية الحرجة ومدى قدرته بالمهام الدستورية المناطة بعهدته.