قد يأخذ كثيرون ما قام به صانع الفطائر التركي حسن أجار على سبيل المزاح عندما أرسل فطائر السبانخ أو ما يسمى بالبوريك من مدينة بورصة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كرسالة شكر على إتمام صفقة منظومة الصواريخ الروسية إس 400، وقد يكون من يأخذ الخبر على سبيل المزاح محقًا، فشركة الشحن التي استدعاها صانع الفطائر لإرسالها إلى موسكو لم تصدق ذلك في بداية الأمر ولكن لا بد أن هناك في العواصم الغربية وخاصة واشنطن من يتابع التقارب المتزايد في العلاقات بين أنقرة وموسكو.

عام 1952 انضمت تركيا إلى حلف الناتو المشكل لمواجهة الاتحاد السوفيتي وقدمت أكبر جيش للحلف والأهم من ذلك أنها قدمت موقعها الجغرافي كحصن ضد المد السوفيتي وبقيت العلاقات التركية الغربية في تطور وصولاً للعام 1974 بعد أن غزت تركيا القسم الشمالي من قبرص وحظرت واشنطن توريد الأسلحة إلى تركيا، هنا بدأت أولى العلامات الواضحة لانهيار الثقة وتحديدًا في موضوع الأسلحة.

كانت علامات التباعد تزداد بين تركيا والدول الغربية من قبيل تراجع مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ورفض الإدارة الأمريكية بيع منظومة صواريخ باتريوت إلى تركيا

في 2003 كان رفض البرلمان التركي لاستخدام القوات الأمريكية الأراضي التركية كمنطلق لغزو العراق علامة مفصلية أخرى ولكن حتى هذا الوقت لم تكن روسيا تظهر علامات على تحدي الهيمنة الأمريكية، ولم تكن تركيا تظهر علامات الخروج عن المدار الغربي، وبدأت روسيا في تحدي الهيمنة الأمريكية وظهرت ملامح ذلك بوضوح بعد الحرب الروسية على جورجيا في 2008 واحتلال القرم في 2014 ثم التدخل العسكري الروسي في سوريا 2015.

في هذه الأثناء كانت علامات التباعد تزداد بين تركيا والدول الغربية من قبيل تراجع مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ورفض الإدارة الأمريكية بيع منظومة صواريخ باتريوت إلى تركيا وبعد ذلك محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 2016 والخلاف مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل سوريا.

لكن في نوفمبر 2015 كانت العلاقة قد وصلت إلى أدنى مستوياتها بين تركيا وروسيا، بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية دخلت المجال الجوي التركي، ولكن الرئيسين نجحا في استعادة العلاقة بعد فترة من المباحثات والوفود وتمخضت هذه المباحثات عن بدء التفاوض على منظومة إس 400 وإعطاء روسيا ضوءًا أخضر لتركيا في عملية درع الفرات وعملية غصن الزيتون شمال سوريا، وكذلك مباحثات إستانة وشوتشي. واستمر التفاوض على منظومة إس 400 من نوفمبر 2016، وتم تأكيد العقد رسميًا في سبتمبر 2017، حيث تم الاتفاق على شراء أربع بطاريات S-400 تقدر بمبلغ 2.5 مليار دولار، دفعت تركيا منها سلفة نقدية غير معلنة وتم تغطية الباقي بقرض من الحكومة الروسية.

يريد بوتين إبعاد تركيا والغرب عن بعضهما وبالتأكيد كل ضغط من الغرب سواء الولايات المتحدة أم دول الناتو الأخرى التي تبدو على أبواب فتح جبهة جديدة مع تركيا شرق المتوسط، سيزيد من فرص تقارب تركيا وروسيا

في ظل العلاقة المتدهورة بين أنقرة وواشنطن تحاول الأخيرة عقاب تركيا لمنعها من مزيد من التقارب مع روسيا ولتكون عبرة للدول الأخرى التي تفكر بنفس العقلية خاصة أن مجموعة من دول المنطقة أبدت اهتمامها بالحصول على إس 400، ولكن العقاب الأمريكي قد يقرب أنقرة أكثر من موسكو التي التقفت إلغاء مشاركة تركيا في برنامج طائرات إف 35 لتعرض على تركيا استعدادها لتوفير طائرات سو 35 الروسية. ولطالما كانت هذه هي الحالة التي يريدها بوتين وهي استمرار الفرص له في دق الأسافين بين تركيا والغرب، ولهذا فقد قصد عملية الإنزال السينمائي لمنظومة إس 400 عبر إرسالها بطائرة ضخمة إلى أنقرة مع أن الخبراء يشيرون أنه كان بالإمكان إرسالها بطرق أخرى بشكل أسرع.

بالتأكيد يريد بوتين إبعاد تركيا والغرب عن بعضهما، وبالتأكيد كل ضغط من الغرب سواء الولايات المتحدة أم دول الناتو الأخرى التي تبدو على أبواب فتح جبهة جديدة مع تركيا شرق المتوسط، سيزيد من فرص تقارب تركيا وروسيا، ولكن في نفس الوقت ومع أن إبعاد تركيا عن الغرب يعتبر إنجازًا كبيرًا لبوتين، فإن روسيا تريد أيضًا أن تكون كلمتها الأعلى في العلاقة مع تركيا وهي التي لطالما حلمت بالسيطرة على الممرات الإستراتيجية للوصول من البحر الأسود إلى البحر المتوسط.

ويشير المحلل العسكري الروسي بافل فيلغنهاور إلى أن صفقة إس 400 جزء من إستراتيجية روسية وليست حدثًا فرديًا، ويذكر باتفاقية روسية عثمانية وقعت عام 1833 عندما أنزلت البحرية الروسية 30 ألف جندي في محيط مضيق البسفور لحماية السلطان العثماني محمود الثاني من قوات محمد علي، وانسحبت القوات الروسية بعد توقيع اتفاقية دفاع متبادل ووجود عسكري روسي في مضيق الدردنيل، ويضيف بأن الروس يرون أن هذا هو الأساس الذي يجب أن تعود عليه العلاقات التي قوضها النفوذ الغربي.

سوف يكون للعقوبات الأمريكية الحاليّة بحرمان تركيا من برنامج إف 35 وربما إيقاف تطوير ومنع تسليم قطع غيار طائرات إف 16 الموجودة لدى تركيا حافز كبير للتطوير المحلي التركي للمقاتلات الجوية

ولكن تركيا تدرك الأهداف الروسية ولا تريد أن تخرج من عباءة الهيمنة الأمريكية إلى عباءة الهيمنة الروسية، ولهذا فإن الأتراك ورغم مواجهة تحديات كثيرة على رأسها التحديات الاقتصادية سيحاولون المضي في طريقهم مستفيدين من حاجة جميع الأطراف لهم في إستراتيجياتهم، ولهذا من غير المرجح أن تتجه تركيا إلى استيراد طائرات سو 35 الروسية بل ستعمل على إنتاج طائرة تركية محلية، ولو أرادت الاعتماد على طرف واحد لعملت على استخدام باتريوت ولما دخلت في مخاطرة فقدان المشاركة في برنامج إف 35.

كان لحظر الأسلحة على تركيا عام 1974 دور كبير في بدء حركة التصنيع العسكري المحلي التركي وسوف يكون للعقوبات الأمريكية الحاليّة بحرمان تركيا من برنامج لإف 35 وربما إيقاف تطوير ومنع تسليم قطع غيار طائرات إف 16 الموجودة لدى تركيا حافز كبير للتطوير المحلي التركي للمقاتلات الجوية، وليس بالضرورة أن يكون هذا دافعًا للتوجه نحو روسيا.

فضلاً عن أن التدريب الجوي التركي سار منذ فترة طويلة على النظام الغربي وليس من السهل التحول إلى النظام الروسي، ولكن لا يمكن أن نقرأ هذا بمعزل عن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة والنفوذ المتزايد لروسيا في المنطقة، ولكن مع ذلك يتضح أن نفس روسيا على المدى البعيد ليس طويلاً، ودول الناتو الأوروبية ستحاول إظهار التمسك بتركيا ويكون هذا بعدم اتخاذ خطوات تتعارض مع المصالح التركية على الخريطة الجيوسياسية سواء في سوريا أم شرق المتوسط.