مليشيا حزب الله الموالية لإيران في استعراض عسكري لها في العاصمة العراقية بغداد

منذ عام 1990 لم تشهد العلاقات العراقية السعودية أي تحسن ملحوظ، فبعد أن كانت السعودية من الداعمين للعراق في حربه ضد إيران في حرب السنوات الثمانية، تغيرت علاقة البلدين إلى السلب مع غزو العراق للكويت عام 1990، واستمر الحال بين البلدين على ما هو عليه حتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة أخرى من الخلاف الذي اتهم فيه العراق السعودية بدعم الجهاديين الذي يقاتلون القوات الأمريكية والعراقية.

ومع التحسن الملحوظ في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في السنوات الأخيرة، حاولت السعودية اجتذاب الكثير من الشخصيات العراقية المؤثرة في محاولة لبناء نفوذ في البلد الذي يجمع المحللون أن لإيران اليد الطولى فيه.

الأسطر التالية لـ"نون بوست" تقرأ في خسارة السعودية جميع محاولاتها في بناء نفوذ بالعراق.

دعم في الثمانينيات وقطيعة في التسعينيات

بعد قيام الثورة في إيران وتولي الخميني سدة الحكم عام 1979 أخذت الخلافات بين العراق وإيران تتصاعد تدريجيًا، حتى تحولت إلى حرب استمرت 8 سنوات.

العلاقة بين البلدين تغيرت إلى غير رجعة منذ الغزو العراقي للكويت ودعم السعودية القوات الدولية في إخراج القوات العراقية من جميع الأراضي الكويتية

ومع بدء الحرب العراقية الإيرانية، تحسنت العلاقات السعودية مع العراق، حتى باتت السعودية تدعم العراق بمليارات الدولارات إضافة إلى فتح الموانئ الخليجية أمام العراق لاستيراد البضائع وتصدير النفط العراقي، إذ كان الدعم السعودي إدراكًا منها بأن العراق يقف حائط الصد ضد مشروع تصدير الثورة الخمينية إلى المشرق العربي ودول الخليج خاصة.

إلا أن العلاقة بين البلدين تغيرت إلى غير رجعة منذ الغزو العراقي للكويت ودعم السعودية القوات الدولية في إخراج القوات العراقية من جميع الأراضي الكويتية، لتبدأ هنا مرحلة أخرى من القطيعة بين البلدين لم تنته بإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وغزو العراق في 2003.

مرحلة ما بعد الغزو

مع تغير نظام الحكم في العراق، لم تشهد العلاقات السعودية العراقية أي تحسن، إذ ساءت العلاقة بين البلدين مع اتهام بعض المسؤولين الأمريكيين والعراقيين السعودية بدعم ما سمي حينها "التمرد السني" في العراق وتمويل العمليات العسكرية هناك.

وفي غير ذي مرة، اتهم مسؤولون أمريكيون السعودية بدعم المجاميع المسلحة السنية، إذ تشير تقارير أمريكية إلى أن السعودية مسؤولة عن 40% من المقاتلين الأجانب في العراق، فضلاً عن أن أكثر من 17% من الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم في العراق كانوا سعوديين.

يقول المحلل السياسي رياض الزبيدي في حديثه لـ"نون بوست" إن ابتعاد السعودية عن العراق لمدة 11 عامًا دون أي علاقات دبلوماسية مؤثرة، أدت إلى تمدد إيران الكبير في بلاد الرافدين

يشير كثير من الباحثين إلى أن العلاقات السعودية العراقية بعد الغزو الأمريكي عام 2003 مرت بطورين اثنين: أولهما مرحلة القطيعة التامة بين البلدين والممتدة من عام 2003 وحتى نهاية ولاية رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في النصف الثاني من عام 2014.

يقول المحلل السياسي رياض الزبيدي في حديثه لـ"نون بوست" إن ابتعاد السعودية عن العراق لمدة 11 عامًا دون أي علاقات دبلوماسية مؤثرة، أدت إلى تمدد إيران الكبير في بلاد الرافدين، مشيرًا إلى أن هذا الابتعاد السعودي تسبب بخسارة السعودية لعمقها العربي الشمالي المتمثل بالعراق، إذ وبدل أن تعمل السعودية في حينه على دعم العراق والتقرب من كتله السياسية لرأب الصدع في العلاقة بين البلدين ومحاولة عدم تمدد إيران في العراق، أدت حالة القطيعة إلى أن تسيطر إيران على مجمل مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويضيف الزبيدي أن التحول في العلاقات بين البلدين مع مجيء رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي أدى إلى تحول في السياسة السعودية تجاه العراق، التي أثمر عنها إعادة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين وتدشين أول رحلة جوية بين البلدين بعد قطيعة طويلة، لكن ما خسرته السعودية في 11 عامًا لن تستطيع إعادته في سنوات قليلة.

كانت زيارة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إلى السعودية في يوليو/تموز 2017 قد سجلت تغيرًا واضحًا في العلاقات بين البلدين، وفور عودته إلى بغداد أمر الصدر بإزالة جميع الشعارات المناوئة للسعودية

وما لبثت العلاقات السعودية العراقية أن شهدت تحسنًا حتى جاءت معضلة السفير السعودي المعين في بغداد تامر السبهان، إذ وفي الـ27 من أغسطس/ آب 2016 طلبت الخارجية العراقية من السعودية سحب سفيرها السبهان من بغداد بعد أن اتهمته بغداد بالتدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما اعتبر في حينه بأنه استجابة من وزارة الخارجية العراقية لحملة مارستها أطراف عراقية شيعية، كان لإيران دور محوري فيها.

كيف حاولت السعودية استمالة العراقيين؟

كانت زيارة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إلى السعودية في يوليو/ تموز 2017 قد سجلت تغيرًا واضحًا في العلاقات بين البلدين، ووفور عودته إلى بغداد أمر الصدر بإزالة جميع الشعارات المناوئة للسعودية التي انتشرت في شوارع بعض المدن العراقية بعد إعدام رجل الدين الشيعي السعودي "نمر النمر" عام 2016، كما انعكس تحسن الأوضاع بين البلدين على إعادة افتتاح المعبر الحدودي البري "عرعر" الذي كان مغلقًا منذ سنوات طويلة.

وفي الصعيد ذاته، يقول القيادي في تحالف القرار أثيل النجيفي إن السعودية فشلت في احتواء البيت (السني) رغم دعمها شخصيات وقوى سياسية من المكون بعد احتلال تنظيم داعش للمحافظات السنية في يونيو/حزيران 2014، لافتًا إلى أن الدعم السعودي كان لشخصيات سياسية سنية غير مقبولة لدى الجمهور السني وغير مقبولة على المستوى السياسي المحلي، فالدعم لم يكن في مكانه الصحيح، بحسب النجيفي.

خسارة الرهان

وبعد عامين من إعادة تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين العراق والسعودية وبعد زيارات مكوكية شهدها الجانبان، جاءت زيارة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إلى إيران في الـ10 من سبتمبر/أيلول الحاليّ (العاشر من شهر محرم وفق التقويم الهجري) وظهوره برفقة كل من المرشد الإيراني علي الخامنئي وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني لتفجر جدلاً كبيرًا بشأن الدور السعودي في العراق ومدى نجاح الدبلوماسية السعودية في اختراق المنظومة المؤثرة في العراق.

إذ عدّ الناشط السياسي المعارض غيث التميمي ظهور الصدر مع خامنئي وسليماني تراجعًا عن مواقفه السابقة التي امتنع فيها الصدر عن التحالف مع محور إيران في الانتخابات فضلاً عن تراجعه عن مواقفه السابقة الرافضة لأي تدخل إيراني في العراق.

من العراق إلى لبنان وسوريا وأخيرًا اليمن، يبدو أن الدبلوماسية السعودية ما زالت بحاجة لكثير من العمل من أجل رسم سياسات وخطط قابلة للتنفيذ

بدوره رأى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري في حديثه لإحدى وسائل الإعلام أن ظهور مقتدى الصدر مع خامنئي وسليماني كان مفاجئًا لأتباعه وللنخب والاتجاهات السياسية التي تعرفه بأنه يتضارب مع توجهات إيران السياسية في العراق، وأضاف الشمري "ظهور الصدر بهذه الصيغة يبعث برسائل عدة، منها سعيه للمضي باتجاه سياسة التوازن، خصوصًا أنه سبق أن اتهم بقربه من المحيط العربي والخليجي".

لم تفلح السعودية ومنذ عام 2003 في إثبات وجودها في الدول العربية التي بات لإيران اليد الطولى فيها، فمن العراق إلى لبنان وسوريا وأخيرًا اليمن، يبدو أن الدبلوماسية السعودية ما زالت بحاجة لكثير من العمل من أجل رسم سياسات وخطط قابلة للتنفيذ.