ترجمة وتحرير: نون بوست

جميعنا نحب سماع أخبار طيبة حول تعافي العملة الوطنية، ولكن تماما كما حدث في الماضي، فإن الشتاء المقبل لن يكون موسما مواتيا للانتعاش المالي. وخلال الأسبوع الماضي، كانت وزارة المالية الروسية قد أقرت حزمة جديدة من الإجراءات المالية، وهذا بحد ذاته مؤشر سلبي بالنسبة لوضع العملة في المستقبل القريب.

يمكن تلخيص الوضع الحالي في أن المستثمرين الدوليين والمضاربين في أسواق المال العالمية، كلهم يسعون وراء تحقيق الأرباح وجني العوائد من الاستثمارات التي وضعوها في الاقتصاديات الصاعدة، ولكن المشكلة هي أن عملات هذه الدول، رغم تواصل الطلب عليها، تبدو مقبلة على تغيرات دراماتيكية.

لذلك، فإن كل شيء الآن أصبح مرتبطا بنسق الاستثمارات في الاقتصاديات الصاعدة، الذي بات خاضعا للمضاربات، وهو ما يؤثر بالسلب على تقييم المخاطر بالنسبة للمستثمرين الدوليين.

في الوقت الراهن، يوجه هؤلاء المستثمرون أنظارهم نحو التفاصيل الهامة التي سترشح عن المرحلة الأولى من اتفاق منتظر، بين الصين والولايات المتحدة، لرفع الرسوم الجمركية وتخفيف حدة الحرب التجارية الدائرة بينهما. وينتظر قطاع الاقتصاد هذه المرحلة الأولى من الاتفاق، لبث نوع من الارتياح وإنعاش التجارة العالمية، باعتبار أن الأوضاع الجيوسياسية بشكل عام مرتبطة بحرب التجارة الخارجية والعملات الدائرة بين بكين وواشنطن.

أن تبدّل حالة التفاؤل إلى تشائم في بورصة وول ستريت الأمريكية، يمكن أن يغير المناخ العام في أسواق المال العالمية

في حوار مع "نيوز. ري"، كان رومان بلينوف، مدير قسم التحليلات في المركز الروسي للشؤون المالية، قد أوضح أنه منذ أن تم تأجيل موعد منتدى التعاون الاقتصادي بين آسيا والمحيط الهادئ، الذي كان يفترض أن ينعقد في الشيلي، فإن الأحاديث تضاربت حول الموعد الجديد لهذا الحدث، والمخرجات التي ستسفر عنه. ومن المتوقع أن ترشح عن هذا المؤتمر وثيقة موقعة من أعلى قيادات الصين وأمريكا، في شكل خارطة طريق للمرحلة الأولى من اتفاق التجارة الخارجية بين البلدين.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن مصير العملة الروسية سوف يرتبط بردة فعل السوق العالمية على هذا الاتفاق، وتأثيراته التي ستمتد إلى أواخر الربع الأول من العام المقبل.

كما أن تبدّل حالة التفاؤل إلى تشائم في بورصة وول ستريت الأمريكية، يمكن أن يغير المناخ العام في أسواق المال العالمية. وكنتيجة لذلك، فإن هذه الأسواق سوف تفقد أي أمل في تحقيق نمو إضافي، على الأقل حتى مطلع العام الجديد أو بداية الربيع المقبل.

أمريكا

 

بالإضافة إلى ذلك، لم تشهد السوق الدولية للعملات تراجعا في قيمة الدولار الأمريكي، رغم أن هذا ما توقعه كثيرون بعد الانفراج في الخلاف الدائر بين لندن وبروكسيل حول البريكسيت. ويبدو أن الارتفاع في قيمة الجنيه الإسترليني والعملة الأوروبية الموحدة، الذي شهدته البورصات مؤخرا، لم يؤد إلى إضعاف العملة الأمريكية، رغم أن هذا الأثر كان ينتظره المصدرون الأمريكيون، ويبدو أن تواصل الطلب المرتفع من قبل المستثمرين على الدولار، هو الذي حال دون انخفاض قيمته.

يمكن أن تشهد الاستثمارات ذات المخاطرة العالية في الأسواق الصاعدة انخفاضا هي الأخرى، والأخطر من ذلك هو أن المستثمرين قد يتجهون للبحث عن فرص أفضل في دول أخرى مثل أمريكا وأوروبا، وهو ما سيمثل تحديا صعبا بالنسبة للروبل الروسي.

وسبب هذه التوقعات السلبية هو أنه ليست روسيا فقط من تعاني من نسب نمو اقتصادي متواضعة، بل إن تحاليل كل الدول لا تبدو مشجعة، والسبب هو ثبات قيمة الدولار، والتذبذب الكبير في بورصة وول ستريت، وهو ما سيؤدي لخروج جماعي للاستثمارات المضاربة من روسيا.

طاقة

 

لذلك، بالأخذ بعين الاعتبار أن المؤشر البورصة الروسية هو في الأصل تجاوز حاجز 3.000 نقطة، وهنالك ارتفاعات تاريخية في الولايات المتحدة، فإننا اقتربنا فعلا من منطقة الخطر، التي تتمثل في تغييرات لا يمكن التنبؤ بها في توجهات السوق المحلية والدولية.

إذا أخذنا بعين الاعتبار السيناريوهات الإيجابية، وكل الأموال التي قام البنك الفدرالي الأمريكي بطباعتها، من أجل تعديل الأوضاع في وول ستريت، فإن سوق الأسهم الأمريكية والدولية لن تدخل في أزمة تضطر الحكومات لاتخاذ إجراءات تصحيحية. كنتيجة لذلك، سيتواصل الطلب على الأصول والعملة الروسية، كجزء من تواصل الطلب على الاستثمارات ذات المخاطرة العالية في العالم. وهذا سيسمح بتدعيم قيمة الروبل، ولكن يصعب إلى حد الآن توقع هذه القيمة.

ضبابية في أسواق النفط:

واصلت أسعار النفط انخفاضها في الأيام الماضية، وسط ضبابية بشأن الاتفاق الصيني الأمريكي. إذ أن المستثمرين يعولون على توقيع سريع لهذا الاتفاق، الذي سيتضمن الإعلان عن إلغاء الرسوم الجمركية المتبادلة بين الطرفين. إلا أنه في غياب أي تفاصيل لحد الآن، فإنه من الصعب الحفاظ على مناخ التفاؤل في الأسواق، خاصة وأن بيتر نافارو، مستشار الرئيس الأمريكي للسياسة التجارية، أكد أنه لا يوجد لحد الآن اتفاق جاهز حول الرسوم الجمركية، وهو ما أدى لانخفاض جديد في السوق. وعلى الأرجح فإن توقيع اتفاق بين بكين وواشنطن بات مسألة سياسية بحتة، حيث أن الانتخابات الرئاسية ستدور في أمريكا في 2020، ودونالد ترامب سوف ينظر فيما إذا كان هذا الخيار سيساعده على الفوز بعهدة رئاسية ثانية، أم أنه سيقوض حظوظه.

طاقة

 

لذلك، يرى جينادي نيكولاييف، المحلل التجاري في أكاديمية المال والاستثمار في روسيا، أن "غياب الرغبة لدى الرئيس الأمريكي، سيجعل كل الجهود التي يبذلها ممثلوا البلدين للجلوس على الطاولة والاتفاق، تذهب في مهب الريح."

وفي بداية شهر ديسمبر/ كانون الأول القادم، سوف ينعقد اجتماع لمجموعة أوبك بلس، أين ستحاول الدول المشاركة مناقشة إجراءات إضافية لتعزيز الاستقرار في السوق، وهو ما يعني أنها على الأرجح ستصدر تعهدات بخفض صادراتها النفطية. بالإضافة إلى ذلك، من المنتظر أن تقوم المملكة السعودية خلال الشهر المقبل بطرح جزء من أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام، ولذلك فإن الرياض سوف تقتنص أي فرصة لرفع سعر البرميل قبل هذا الحدث، حتى تجتذب المستثمرين.

لكن على الرغم من كل هذه المساعي، فإنه في ظل غياب أي أخبار إيجابية في الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، فإنه من المنتظر أن يتواصل انخفاض سعر النفط حتى 61 دولارا للبرميل.

ضغوط لتعديل أسعار الذهب:

ترتبط حركة أسعار الذهب حاليا بمدى إقبال المستثمرين على المخاطرة، وتوجهات الحكومات والبنوك المركزية، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ولطالما كان الذهب ينظر إليه على أنه استثمار آمن، يرتفع الطلب عليه خلال أوقات الغموض وتزايد المخاطر، والتوقعات الاقتصادية السلبية. ولهذا فإنه لا عجب في أن سعر المعدن الأصفر ارتفع بقيمة الثلث خلال الفترة بين أغسطس/ آب 2018 وسبتمبر/ أيلول 2019، من 1158 دولارا للأوقية إلى 1553 دولار. إذ أن هذه الفترة بالتحديد شهدت ذروة المعارك التجارية الأمريكية مع الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك، إلى جانب الأزمة التي خلقها استعداد بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي.

ستكون هناك ضغوط لخفض سعر الذهب، ليصل إلى سعر بين 1440 و1444 دولارا للأوقية. وفي ظل هذا التوجه العام نحو خفض أسعاره، فإنه لن تكون هناك فائدة من الاستثمار في هذا المعدن النفيس.

في الوقت الراهن، مع بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، فإن حدة هذه المشاكل بدأت تتناقص، إذ أن هناك تقارير إيجابية حول استعداد بكين وواشنطن لتوقيع اتفاق، كما أن البريكسيت لم يتم في الساعة صفر التي كانت محددة في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، بل تم تأجيله إلى 2019 ويبدو أنه سيتم بأكثر سلاسة.

أما عن الذهب خلال هذا الأسبوع، فإنه من غير المتوقع حدوث تطورات كبيرة. ولكن يجب الحذر من يوم الأربعاء 13 نوفمبر/ تشرين الثاني، وهو يوم نشر البيانات بشأن نسب التضخم في الولايات المتحدة، وخطاب جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفدرالي. هذه المواعيد ستعطينا فكرة عما سيليها من سياسات نقدية أمريكية. وإذا لم يتم اتخاذ قرار بخفض قيمة الدولار، فإنه من المنتظر ألا تشهد هذه العملة الأمريكية أي تراجع، وبالتالي سيؤدي ذلك لمزيد تعزيز سعر الذهب.

بشأن عام، ستكون هناك ضغوط لخفض سعر الذهب، ليصل إلى سعر بين 1440 و1444 دولارا للأوقية. وفي ظل هذا التوجه العام نحو خفض أسعاره، فإنه لن تكون هناك فائدة من الاستثمار في هذا المعدن النفيس.

المصدر: نيوز ري