لم تقدم المبادرة المصرية التي أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري بالقاهرة أثناء اجتماع دول جوار ليبيا الإثنين الماضي، حضرته عربيا تونس والجزائر والسودان، وإفريقيا النيجر وتشاد، شيئا جديدا على مستوى تخفيف التوترات الأمنية، قدر محاولتها الاصطفاف وجمع دول أخرى معها في هذا الاصطفاف ضد تيار ثورة فبراير حسب ما يقول محللون سياسيون.

ورأى متابعون أن الدول المجتمعة بالقاهرة متباينة المواقف ولا يمكن جمعها على رؤية مشتركة حول الوضع الليبي الذي تختلف حوله أيضا دوائر صنع القرار في كبريات دول العالم.

وأضافوا أن الموقف المصري المعادي للثورات العربية بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2012 سيدعم تيار الثورة المضادة في ليبيا، وسيستمر هذا الدعم له، مستدلين بالتصريحات وردت على لسان مسؤولين أمريكيين لصحيفة النيويورك تايمز حول تورط مصر والإمارات في توجيه ضربة عسكرية لمواقع قوات فجر ليبيا بالعاصمة طرابلس، وهي قوات بحسب تحليلات دوائر عربية وغربية مهتمة بظاهرة الإرهاب والتطرف في العالم، لا تنتمي إليها مجموعات إسلامية متشددة، بل إن فجر ليبيا نفسها أعلنت عدم وجود متطرفين بين صفوفها ونبذها الإرهاب.

إلى ذلك سيستمر الدعم المصري لمجلس النواب ولحكومة عبد الله الثني أو أي حكومة يكلفها مجلس النواب الليبي، وإلى تأهيل قوات الجيش والشرطة، وهي كلها بنظر فجر ليبيا ومجلس شورى الثوار ببنغازي مسميات دالة على الثورة المضادة، حيث أنهم يعتبرون أن مجلس النواب المنعقد بطبرق والذي تقاطعه القوى الإسلامية والوطنية لا يعدو أن يكون واجهة سياسية للانقلاب على ثورة فبراير/ شباط.

وبحسب مراقبين فإن الموقف التونسي من ليبيا يعاني صراع مؤسسات الحكم بالعاصمة تونس، ما بين موقف مؤسسة الرئاسة القائم على أسس حقوقية وثورية رافضة لمنطق الانقلاب العسكري وداعمة لروح ثورة فبراير/شباط الليبية.

وبين موقف مؤسسة الحكومة المتذبذب تجاه ليبيا، فقد استجابت حكومة مهدي جمعة لطلب حكومة عبد الثني في إغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من مطاري معيتيقة بطرابلس ومطار مصراتة وهما واقعان تحت سيطرة قوات فجر ليبيا، بالإضافة إلى مطار سرت.

لذا يرى متابعين أن مثلث مصر الإمارات السعودية، لا يحتاج إلى أكثر من موقف تونسي محايد في ليبيا ويستجيب أو يقدم بعض التعاون لحكومة الثني.

إلا أنهم أشاروا إلى الموقف الجزائري القائم على معارضة السياسات الأمنية المصرية بليبيا، حيث أن الجزائر لها حساباتها المعقدة والمتعلقة بحدود مع ليبيا تبلغ التسعمائة كيلو متر، يصعب على أي جيش في العالم ضبطها في حالة أي تدخل عسكري في ليبيا وانهيارها بالكامل، خاصة وهي البلد الذي يدعي أنه حائط الصد الأول في شمال إفريقيا ضد الجماعات المتطرفة.

كما أن الموقف الجزائري الرافض للتدخل الأجنبي في ليبيا له حسابات أخرى، إذ من الممكن أن تقع الجزائر نفسها تحت طائلة هذا التدخل في حالة نشوب ثورة شعبية بها، وهو أمر بحسب مراقبين ليس مستبعدا بالكلية نظر لإخفاق الرئيس بوتفليقة في ملفات متعلقة بحقوق الإنسان والحريات السياسية والفقر والبطالة في بلد ثرواتها ضخمة، إلا أن يقع تحت حكم جنرالات الجيش.

وبنظر بعض المحللين يمكن للجزائر التي ترفض رفضا قطعا التدخل الأجنبي من قبل حلف شمال الأطلسي، قد لا تمانع في حالة استطاع نظام السيسي إقناعها بتدخل تحت سقف وبقوات عربية، لذا القاهرة لا تحاول إعلان خلافاتها مع الجزائر أملا في انضمامها لمعسكر محاصرة ثوار ليبيا من اتجاه الغرب.

وبحسب مراقبين فإن للسودان حسابات أخرى قائمة على خشية نظامها من عودة التحالفات السابقة لنظام القذافي، والتي كانت قائمة على دعم الجماعات الانفصالية بها، إذ عُرف عن نظام القذافي دعمه لانفصال جنوب السودان، ودعم حركة العدل والمساواة بدافور، وشعرت الخرطوم بارتياح كبير بل وساعدت الثوار الليبيين على إنهاء حكم العقيد الراحل معمر القذافي.

لذا قررت الحكومة السودانية السير في طريق دعم الثوار الليبيين، بل واتهمت دوائر غربية النظام السوداني بدعم قوات فجر ليبيا عسكريا وتقديم الخبرة في مجال إدارة العمليات العسكرية. لذا ليس متصورا أن تنضم السودان إلى حلف السيسي .

تشاد والنيجر رغم ضعفهما العسكري والاقتصادي، إلا أنهما تاريخيا وسياسيا يدوران في فلك السياسات الفرنسية، وهي سياسات قائمة على إرث استعماري لفرنسا بالجنوب الليبي، وبحسب مراقبين فإن فرنسا دعمت حزب تحالف محمود جبريل أملا في أن يكون وكيلها في ليبيا.

فقد كان نظام القذافي يدعم ما يقارب من مليون تشادي على الحدود الجنوبية لليبيا لا تستطيع الحكومة التشادية المركزية تقديم أي خدمات لهم، فقد استمال زعماء قبائلهم وقدم لهم المال وبعض الخدمات، وبعد ثورة فبراير انقطع هذا الدعم عنهم مما أضطرهم للدخول إلى ليبيا عن طريق حدودها الجنوبية والهجرة عبر سواحلها إلى إيطاليا مما سبب مشاكل ديمغرافية وأمنية وصحية لدول حوض البحر الأبيض المتوسط.

من المتصور بحسب مراقبين أن تكون تشاد والنيجر ضمن القطب الفرنسي القائم على دعوى محاربة الإرهاب لخلق مواطئ قدم لها على القل بالجنوب الليبي، وهو ما يقترب من الأمل المصري في ضرب ليبيا وجعلها ساحة ممزقة إلى ما لانهاية.