في غياب كتابات تاريخية مؤصلة وفق بناء معرفي متكامل قائم على التوثيق والأرشفة والتجرد من الإيديولوجيا بما أنها حاجز رئيسي يثني عنق التأريخ البشري ومحاولات إعادة قراءته وفق منهج علمي أكاديمي، فإن تناسل الأسئلة عن الحقيقة التاريخية سيستمر دون هوادة، وستبقى الهوة المعرفية قائمة إلى حين إعادة تحقيب كل الفترات التي أسالت بعض حيثياتها كثيرًا من الحبر.

ومن هذه الزاوية، فإن التاريخ العثماني وعلاقة الأتراك بالدول العربية عامة وتونس خاصة سيبقى رهين القراءات المبتورة والشاذة والمرتبطة بصراع إيديولوجي وحتى سياسي متمثل في تدخل الدولة (الحكام) ووضع يدها على جزء مهم من تاريخ البلاد وتطويعه وفق ما يتماشى مع منهجها ورؤيتها.

في تونس، لم يقف الجدل بشأن العلاقة بين البلد الواقع في شمال إفريقيا والإمبراطورية العثمانية، عند طبيعة التدخل التركي منذ عام 1574 واعتباره فتحًا أو احتلالًا، فانتقل الصراع "الفكري" إلى حد اتهام الإمبراطورية العثمانية بالوقوف وراء تخلف البلد في مرحلة أولى ودخول المستعمر الفرنسي في مرحلة ثانية، دون الإشارة إلى الغرب (الأجنبي الأوروبي) الذي لعب دورًا محوريًا في الإبقاء على حالة الجمود والخمول تمهيدًا لبسط سلطانه من خلال أدوات عدة أهملها كثير من دارسي تلك الحقبة.

الاستعمار الفرنسي

قبل استعراض البوادر الأولى للتدخل الفرنسي في تونس، يجب تعديل إطار الصورة حتى تتوضح الرؤيا، فالباب العالي لم يكن يفرض على تونس أي شيء ما عدا التنظيمات، بما يعني أن الحكم كان يتمتع بهامش كبير من الحرية والاستقلالية عن السلطنة، وكان للباي روابط مع الدولة الفرنسية مما يفيد أن النفوذ الفرنسي كان سابقًا لنظام الحماية، وذلك من خلال علاقات اقتصادية ومالية والاتفاقيات التجارية لعب فيها القناصل دورًا فاعلًا، لذلك سعى الحضور الأوروبي منذ البداية إلى احتواء المد التحرري التونسي والتحكم فيه وتوجيهه بما يخدم مصالحه وأغراضه الاستعمارية، خاصة أن بايات تونس كانوا يميلون إلى التجربة الغربية في الإصلاح والرقي شكلًا لا مضمونًا.

المعاهدات

عمل بايات تونس منذ تولي الحسينيين العرش على التخلص التدريجي من سلطة الباب العالي والتحرر من الوصاية العثمانية من خلال تعزيز الذاتية التونسية سواء على مستوى الحكم الداخلي أم على مستوى العلاقات الخارجية، ويتجلى ذلك في المعاهدات التي أبرمها البايات مع الأجانب منذ توليهم دفة الحكم في البلاد:

  • 26 معاهدة واتفاقية كتبت باللغة العصمانلية إلى جانب لغة أخرى (إسبانية أو إيطالية).
  • 20 معاهدة واتفاقية استعملت فيها اللغة العربية وذلك بداية من 1839.
  • 10 معاهدات أو اتفاقيات استعملت فيها اللغة الإسبانية خاصة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
  • 61 اتفاقية ومعاهدة استعملت فيها اللغة الفرنسية.
  • 25 اتفاقية ومعاهدة استعملت فيها اللغة الإيطالية.
  • 9 معاهدات واتفاقيات استعملت فيها اللغة الإنجليزية.

وتجدر الإشارة إلى أن من وقع هذه المعاهدات والاتفاقيات حكام إيالة تونس وليس ممثلو الباب العالي وفي أغلب الأحيان كانت دون الرجوع لللسلطان، مما يطرح مسألة حقيقة العلاقة وحدودها بين تونس والدولة العثمانية، ويُبين من ناحية أخرى جنوح البايات والقائمين على السياسة الخارجية إلى توطيد علاقاتهم بالغرب على حساب السلطة المركزية في إسطنبول، وهو الأمر الذي استفادت منه فرنسا التي عملت على تحييد تونس في مرحلة أولى ثم الانفراد بالوصاية عليها.

ومن بين المعاهدات التي مهدت للتغلغل الفرنسي في تونس، معاهدة القرصنة مرسيليا 1617 التي حدت من المداخيل المتأتية من الجهاد البحري، حيث كبد قراصنة تونس خسائر بقيمة مليوني فرنك لتجار مرسيليا عام 1616، كما عقدت أول معاهدة سياسية وعسكرية بين المملكة التونسية وهولندا في نوفمبر 1622 (ليست معاهدة تجارية)، وتأتي في إطار مساعي الدول الأوروبية بفرض اتفاقيات غير متكافئة على الإيالة التونسية تضمن لها سلامة تجارتها الخارجية والحصول على امتيازات أخرى خاصة، ونسجت على منوال هولندا كل من بريطانيا وفرنسا.

إضافة إلى ذلك، فإنه بموجب المعاهدة الموقعة مع الإيالة للتونسية بتاريخ 25 من نوفمبر 1665، حصلت فرنسا على أفضل الامتيازات قياسًا بالدول الأوروبية الأخرى، بما يضمن لها مكانة سياسية واقتصادية تفاضلية، تشمل حرية التجارة إلى جانب إعفاء الجالية الفرنسية من الخضوع للتشريعات المحلية، فضلًا عن منح القنصل الفرنسي الأسبقية بالنسبة إلى نظرائه الأوروبيين، وكذلك حرية الدخول والنشاط للبوارج الفرنسية ليس فقط بميناء تونس بل موانئ أخرى وكذلك حماية البعثات الدينية.

وفي سنة 1666 تم التوقيع على اتفاقية منحت بموجبها شركة فرنسية مجددًا الحق الحصري لصيد المرجان في منطقة طبرقة، والملاحظ أن هذا الاتفاق وإن كان لا ينص على تنازلات ترابية فإنه يُرسي مفهوم اللزمات طويلة الأمد التي ستستأثر بها فرنسا لاحقًا لتعزيز وجودها وسيطرتها على مفاصل الاقتصاد التونسي.

مديونية 

إلى حدود 1837 تاريخ نهاية حكم مصطفى باي لم يكن هناك أي دين عمومي متخلد بذمة تونس، فقد كان الإنتاج الزراعي يضمن الاكتفاء الذاتي للبلاد، بعكس خليفته أحمد باي (1837 - 1855) الذي وضع برنامجًا للنفقات العمومية أعطى فيه الأولوية لتكوين جيش نظامي وشراء معدات عسكرية وبناء قصور فاخرة وإنشاء عدة مصانع على المنوال الأوروبي (كمصنع الأقمشة بطبربة)، فقد فشل برنامج الاستثمار العمومي فشلًا ذريعًا لأنه لم يستند إلى تثمين قدرات المنتجين المحليين وتعزيزها، فتم حل الجيش النظامي سنة 1853 ولم يستكمل إنشاء أكبر القصور وأغلقت المعامل، والتجأ إلى الاقتراض الداخلي بنسب فائدة مجحفة مما أدى إلى تضخم الدين، وكانت دولة البايات تتحصل على الديون ببيعها للتونسيين الأغنياء والمقيمين الأجانب الأثرياء (الليفورنيين والجنويين والفرنسيين) للتساكر وهي عبارة على رقاع خزينة قصيرة الأجل.

بعد اعتلاء محمد الصادق باي العرش سنة 1859، ازداد نفوذ القوى الأوروبية بشكل ملحوظ، حيث تضخمت مصالحها التجارية ومشاريعها، وخاصة بنوكها، واستشرى الفساد على نطاق واسع في أعلى هرم النظام وكان المسؤول الأساسي عن ذلك الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي تقلد مناصب مهمة منذ 1837 كان أولها أمين مال (خزندار باللغة التركية) وبقي مصطفى خزندار على رأس الدولة حتى سنة 1873، وفرض عمولات على كل المعاملات وعلى كل القروض وكل مداخيل الضرائب حتى كون ثروة خيالية.

في سنوات 1859-1860، رفـع مصطفى خزندار ومحمد الصادق باي في النفقات العمومية والتداين الداخلي وذلك من خلال ابتياع أسلحة منعدمة الصلاحية من بلجيكا، تم استبدالها ببنادق فرنسية بأبهظ الأسعار، وكذلك من خلال تشييد إقامات فاخرة لقنصليْ فرنسا وبريطانيا، وهي نفقات لم تخدم بتاتًا مصالح السكان.

وارتفع الدين العام الداخلي بنسبة 60% خلال السنوات الثلاثة الأولى من حكم محمد الصادق باي، واستفاد الأثرياء من التونسيين والأجانب المقيمين من سياسة التداين الداخلي التي وفرت لهم أرباحًا طائلة، كما انتفع أيضًا المسؤولون السامون للدولة وذلك بالسطو على جزء من الأموال المقترضة (بالإضافة إلى أنهم كانوا أيضًا يُسدون القروض للدولة)، على غرار نسيم شمامة ومصطفى خزندار.

توجهت تونس إلى الاقتراض الخارجي عام 1863 واستدانت ما قيمته 37.7 مليون فرنك، ولكن الوضعية المالية للبلاد لم تتحسن، فاختار الباي ووزيره الأكبر الهروب إلى الأمام وعقد اتفاق مع الصيرفي إيميل إيرلانجي لإبرام قرض جديد في مارس 1865، بقيمة 36.78 مليون فرنك بشروط أسوأ بكثير ومخزية مقارنة بقرض 1863، حيث تعهدت بتسديد 65.1 مليون.

بحسب تقارير مالية فإن الأموال المتأتية من قرض سنة 1863 التي دفعت نقدًا لباردو (مقر الحكم في تونس) وقع تسجليها في حساب خاص ولم تدخل في المحاسبة العمومية للحكومة أو في خزائن الدولة، ما يعني أن فرضية صرفها في النفقات العمومية تكاد تكون معدومة، وبذلك عجزت تونس عن الالتزام بسداد المستحقات السنوية للدول الأجنبية غير المحتملة، فعملت على زيادة المجبى (الضريبة على الفرد الواحد) بنسبة 100%، ما أدى إلى اندلاع ثورة شعبية عام 1864 سميت بـ"ثورة علي بن غداهم" التي ألقت بتداعياتها على المالية التونسية إلى غاية 1867، أين عرفت تونس انتشار وباء الكوليرا بسبب حالة الهشاشة لدى جزء من السكان (سحقتهم الجباية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية) وغياب النفقات العمومية المخصصة للصحة، الأمر الذي سرع في تبني الباي في أبريل 1868 وبأمر من ممثلي فرنسا، مشروع مرسوم ينشئ الكومسيون المالي الدولي، وبعد ذلك بـ15 شهرًا وبعد أن حازت فرنسا على الموافقة النهائية من بريطانيا العظمى وإيطاليا، تم تبني المرسوم النهائي من طرف الباي، ويمثل نص يوليو 1869 عمليًا، مظهرًا حقيقيًا لإخضاع تونس للدائنين.

 ونص الفصل التاسع بصفة صراحة على أن الكومسيون (اللجنة المالية الدولية) يحصل على كل إيرادات الدولة دون أدنى استثناء، إضافة إلى أنه لا يمكن إبرام أي عقد اقتراض دون موافقة الكومسيون، فيما جاء في الفصل الثالث أن ممثل فرنسا هو الشخصية الأهم في الكومسيون المالي ويتم تعيينها من الإمبراطور الفرنسي، ويكتفي الباي في الحقيقة بالمصادقة لا غير والكومسيون وحده هو مَن يحدد مقدار الديون بدقة.

فساد البايات والبطانة

يُمكن القول إن حكام الإيالة التونسية كانوا متواطئين بشكل كبير في النهب الممنهج للموارد العمومية بصفة مباشرة كتركيزهم على بناء القصور والاستراحات الشتوية والصيفية وتبذير أموال طائلة في الزينة والهدايا التي تُغدق على الأجانب والحاشية دون التفكير في صرفها على العامة وإقامة اقتصاد قوي يحفظ هيبة الدولة ويمكن من ارتقائها، وبصفة غير مباشرة، تتمثل في تولية بعض الأسماء لمسؤوليات أكبر من حجمهم إضافة إلى تقريب المتملقين والمتزلفين على حساب الوطنيين، ونذكر منهم مصطفى خزندار ومحمود بن عياد وشمامة.

16 من يونيو 1852، هو تاريخ أول عملية اختلاس ممنهجة قام بها أحد مسؤولي الدولة وهو محمود بن عياد (قابض مال الدولة)، الذي فر إلى فرنسا حاملًا معه ما يُنهاز 60 مليون فرنك من ثروات البلاد، أي ما يعادل 100 مليون دولار في ذلك الزمن، فيما لم تتجاوز ميزانية الإيالة التونسية حينها 15 مليون فرنك.

حوادث الاختلاس ونهب العام تواصلت مع خليفته نسيم شمامة المنحدر من عائلة يهودية متواضعة، والمعين من وزير الباي الأكبر مصطفى خزندار الذي لم يكن هو الآخر رافضًا لعمولات الصفقات التي يعقدها نسيم وهكذا بدأت تتشكل خيوط الفساد وتنتشر في البلاط الملكي.

تمكن نسيم من الحصول على العديد من اللزمات مثل القمح والزيت والمسكرات، كما سيطر على عدة قطاعات أخرى مثل الملح والفحم والصابون الطري، إضافة إلى ذلك تمكن من الاستحواذ على لزمة مكوس التجارة الخارجية (تحصيل الأداءات على البضائع العابرة للموانئ بعقد يمتد لـ19 سنة في موانئ حلق الوادي والبحيرة وصفاقس و15 سنة لميناء سوسة)، وهو ما مكنه من تجميع ثروة هائلة، وتمكن من إقراض الدولة ما يقارب 19 مليون ريال لمجابهة عجزها المالي، ليهرب بعدها نسيم إلى فرنسا سنة 1864، بثروة قدرت بـ27 مليون دولار في ذلك الوقت.

لم يحسن باي تونس التصرف إزاء نهب المال العمومي، ولدغ مرة ثالثة حينما أسند المهمة إلى ابن أخ نسيم شمامة شلومو شمامة، الذي أعاد سيناريو عمه، وتمكن خلال سنتين فقط من جمع ثروة هائلة عبر استغلال منصبه الذي مكنه من السيطرة على عدة قطاعات مركزية في اقتصاد الإيالة، وفر سنة 1866 نحو جزيرة "كورفو" حاملًا معه 10 ملايين ريال من أموال الدولة في ذلك الوقت.

من جهة أخرى، فإن الاختلاس والسرقات لم تكن الآفات الوحيدة التي نخرت الجسم السياسي للإيالة التونسية، فالخيانات وبيع الذمم كانت السمة الأبرز لأغلب الدائرين بالباي، ومن أبرزهم مصطفى بن اسماعيل أحد مهندسي معاهدة الحماية، حيث وضع الأخير نفسه تحت إمرة القنصل الفرنسي "روسطان" من أجل تنفيذ خطة فرنسا الاستعمارية مقابل رِشا وأطماع في نيل مناصب عليا، من ذلك حادثة طلب فرنسا مد سكة الحديد من دخلة جندوبة إلى الجزائر تسهيلًا لدخولها البلاد التونسية، وأمام امتناع الوزير الأكبر آنذاك محمد خزندار لجأ روسطان إلى طلب مساعدة مصطفى بن إسماعيل مقابل وعود بالوزارة الكبرى فلم يزل مع الباي يراوده إلى أن استجاب لمطلبه.

آخر الخيانات العظمى تمثلت في اتفاق بن اسماعيل مع قنصل فرنسا على إقناع الباي بقبول إمضاء معاهدة الحماية الفرنسية على تونس مقابل 5 ملايين فرنك ومساعدة فرنسا له على نيل ولاية العهد، ولما امتنع الباي عن قبول الحماية مارس عليه بن إسماعيل كل أشكال الضغط والتخويف وأشار على روسطان بإدخال الجيش الفرنسي إلى تونس ومحاصرة قصر الباي لوضعه أمام الأمر الواقع.

بعد أن أدركت فرنسا أن الوضع الدولي يسير لصالحها سيرت جيوشها في شهر أبريل 1881 نحو البلاد التونسية تحت ذرائع وحجج واهية أهمها محاربة عشائر خمير على الحُدود التونسية الجزائرية، وتبين بسرعة أن هدفها قصر باردو وليس كما زعمت القضاء على "الإرهاب" في الحُدود.

الموقف العثماني

لم تكن الدولة العثمانية في غفلة عن تحركات الفرنسيين في شمال إفريقيا خاصة بعد احتلال الجزائر عام 1830، فعملت على استرجاع حكمها المباشر في ولاية طرابلس الغرب (ليبيا) في 1835، وتوطيد علاقاتها بتونس ومحاولة فرض سلطانها بوضع قيود على الممارسات الخارجية للباي وجعل تولية المناصب العليا بأمر من الباب العالي، إلا أن تحرك العثمانيين كان متأخرًا نوعًا ما لا سيما أن أذرع الفرنسيين طالت جميع مفاصل الدولة استعدادًا لاحتلال البلاد.

ويبدو أن الحكومة في إسطنبول كانت تستبعد بشكل كبير أن تقدم فرنسا على احتلال تونس بسبب التصريحات المتواصلة الصادرة عن المسؤولين الفرنسيين سواء عن رئيس حكومتها أم وزير خارجيتها بأن فرنسا لا تنوي مطلقًا احتلال تونس، وأن الأيام سوف تثبت صدق ما يقولونه، ولهذا السبب لم تتخذ الحكومة العثمانية التدابير الضرورية لمنع استيلاء الجيوش الفرنسية على البلاد التونسية، هذا بالإضافة طبعًا إلى الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري الصعب والقاسي الذي كانت تعاني منه الدولة خصوصًا بعد هزيمتها الموجعة أمام روسيا (1877) وخسارتها لمساحات واسعة من الأراضي.

من جهة أخرى، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن الباب العالي حاول رغم الوضع السياسي المترهل الذي تُعاني منه إضافة إلى تراجع اقتصادها وتأهب المحيطين بها من القوى العظمى للانقضاض عليها، تنشيط الدبلوماسية من أجل حل الأزمة والوقوف أمام انتصاب الحماية الفرنسية لتونس وهي تعرف أن ليس لها قبل بمواجهة الفرنسيين عسكريًا خصوصًا بعد انهيار أسطولها البحري، إلا أن نتائج مؤتمر برلين 1878 أعطت الضوء الأخضر لفرنسا لإتمام احتلال تونس مقابل احتلال بريطانيا لمصر ووعود لإيطاليا بالسيطرة على طرابلس الغرب.

وفي سياق ذي صلة، فإن سقوط الدول العربية وخاصة منها الواقعة في شمال إفريقيا، نتج عن تدهور الأوضاع الداخلية المتمثلة في الإفلاس الاقتصادي والفوضى السياسية، إضافة إلى مشكل التجانس القومي، زد على ذلك التدخلات الأوروبية القوية خاصة في مجال المال والأعمال وتحت ستار التحديث والتطوير كما في الحالة التونسية، ولا يُمكن بحال من الأحوال إرجاعه إلى خذلان الدولة العثمانية التي كانت تعيش تراجعًا على عدة مستويات.

الباحث كريم عبد المجيد المتخصص في التاريخ العثماني، يؤكد أن "التدخل التركي ساهم في حماية الأقطار العربية ومنع الاحتلال الأوروبي لها لقرون، فبانضمام الولايات العربية تحت رايتها أصبحت جزءًا من الدولة العثمانية التي كانت من أقطاب العالم والاقتراب من أراضيها كان يعتبر انتحارًا"، وفي مقال طويل لعبد الله النديم في مجلة " الأستاذ" عام 1893 أكد الكاتب: " لو كانـت الدولة العثمانية مسيحية الدين لبقيت بقاء الدهر بين تلك الدول الكبرى، ولكن مغايرة الدين وسعي أوروبا الحثيث في تلاشي الدين الإسلامي أوجب هذا التحامل"، فيما أوضح المؤرخ السوفييتي نيقولاي إيفانوف، أن العرب عندما التحقوا بالسلطنة العثمانية "لم يشعروا أنهم في وضع الشعوب المحرومة من الحقوق أو المضطهدة، وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظلوا يعارضون اعتبار الفتح العثماني استعبادًا أجنبيًا".

بالمجمل، يمكن القول إن الاستعمار الفرنسي كان خيارًا من حكام البلاد الذي رجحوا كفة الغرب على السلطة المركزية في إسطنبول من خلال الاتفاقيات والمعاهدات التي أُبرمت دون علم الباب العالي، والأخيرة دليل على أن الحكم العثماني لم يكن استعمارًا أو احتلالًا بعكس الوجود الفرنسي الذي عمل على فرض سطوته النهائية على البلاد ومفاصل الدولة التونسية في مرحلة أولى، بالاعتماد على شخصيات محلية شجعت النزعة الاستقلالية إزاء الامبراطورية العثمانية وسياسة التقارب وتوثيق العلاقات مع الغرب الأوروبي (فرنسا)، عبر توسيع دائرة الأتباع والمتواطئين في أوساط السياسيين المقربين من الباي الذين تم توظيفهم لافتعال الأزمات، وفي مرحلة أخيرة بالحديد والنار.