منذ فتح المسلمون بلاد الهند، أصبحت تلك البلاد مقرًا عظيمًا من مقرات العلم وموئلًا للعلماء الذين اشتهروا في الأمصار بمخزونهم بعلوم الشريعة الإسلامية فقهًا وتفسيرًا وحديثًا وأدبًا، إلى جانب تطويرهم للعديد من العلوم الكونية وبراعتهم فيها كالطب والكيمياء والفلك وغيرها، وبطبيعة الحال أثر الاهتمام الإسلامي بالعلوم على حالة التعليم في ذاك الوقت.

ظهرت آثار العلماء الهنود في العالم الإسلامي ككل منذ القدم، فكانت لهم صولات وجولات كبيرة بعلوم الشريعة حتى أضحى لهم بصمتهم الخاصة في شتى المسارات، حتى إنهم أغنوا المكتبة الإسلامية بكتب ودراسات وبحوث عظيمة أصبحت مراجع ومصادر لطالبي العلم وأهله.

مقابل ذلك التأثير الهندي في العالم الإسلامي، فإن مسلمي الهند تأثروا أيضًا بما كان يأتيهم خاصةً من بلاد العرب، ولا غرابة بذلك، إذ إن العرب أدخلوا الإسلام إلى تلك البلاد منذ العهود الأولى للدعوة، وسكنوا فيها أيضًا، كما أن التجارة بين الطرفين كانت لا تهدأ حتى قبل الإسلام وانتشاره لتزداد بعد الفتوحات ويصبح الطريق ممهدًا لمساهمات المسلمين في جعل مدن هندية كثيرة مراكز علمية، ومثال ذلك مدينتي دلهي ولاهور اللتين تقدمتا في مجال التعليم والمعرفة الإنسانية. 

عمل المسلمون منذ بداية وجودهم في الهند على أن يجعلوا منها حضارة قائمةً بحد ذاتها، تملك شخصية مستقلة، ومع الأيام استمدت تلك البلاد الكثير من ثقافتها من الموروث العربي الأصيل، ومع تتالي الأيام بزغ نجم أشخاص هنود مشهورين بلسانهم العربي وفصاحتهم، ليضعوا أشعارهم ومؤلفاتهم وكأنهم ذوو أصول عربية، وربما يستغرب البعض أن العديد من المعاجم المختصة باللغة العربية من تأليف الهنود.

صورة

العلوم الهندية

كانت العلوم المنتشرة في الهند تصل لدى معاصريهم من العرب قديمًا، وذلك عن طريق ترجمة الكتب الهندية إلى العربية، واشتهرت بلاد الهند قبل عصر الإسلام بأنها بلد الفلسفة والعلوم، وأقر الجاحظ بتقدمهم في علم الفلك والحساب والطب، وفي وصفه لهم يقول المؤرخ اليعقوبي "والهند أصحاب حكمة ونظر".

كان أول تواصل حضاري علمي بين العرب والهند بداية العصر العباسي في علم الطب في عهد أبو جعفر المنصور الذي استعان بأحد الأطباء الهنود لمداواته من مرضه، وفي عهد الخليفة هارون الرشيد نشطت حركة الترجمة للعربية من باقي اللغات، وذلك امتدادًا لبيت الحكمة الذي شيّده الرشيد، وفي هذه الفترة جاء إلى العاصمة العباسية الطبيب الهندي "منكه" بقصد معالجة الخليفة، وكان منكه على قدر عال من العلم في الطب والفلسفة والفلك، مكث الطبيب الهندي في بغداد، واستطاع تنظيم العمل في المستشفيات وفي الوقت ذاته درّب بعض أهل المدينة على الطب وعلومه.

تُرجمت العديد من المؤلفات الهندية للغة العربية، ومنها كتاب "سسرد" وكتاب "جرك"، وهما كتابان يتحدثان في الطب والعلاج والعقاقير، ومن الأخير استفاد أبو بكر الرازي في تأليف كتابه "الحاوي في الطب"، استمرت الفائدة العربية من علوم الطب الهندي حتى نهض العرب بهذه العلوم في القرن الـ3 الهجري.

كتاب "سد هانتا" يتحدث عن علم الفلك الذي اشتهر به الهنود، وهو من الكتب التي أثرت في الحضارة العربية، إذ إن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أمر بترجمة الكتاب، وأن تؤلف الكتب العربية التي تتحدث عن الفلك ويكون ذلك الكتاب مصدرًا لها، وهو من أوائل الكتب التي أثرت بالثقافة العربية.

تعتبر الأعداد العشرية المستخدمة عربيًا هندية المنشأ، وأخذها العرب عن الهنود، فكتاب "أرجهند" من أوائل الكتب الهندية وأهمها التي تعلم منها العرب الأرقام الحسابية والنظام العشري، واشتهر من الهنود المسلمين في الرياضيات "أبي الرضا رتن" الذي لُقب بـ"عظيم السند"، وكانت الحضارة الهندية متقدمة في الكيمياء والفيزياء، كما كان الهنود مهتمين بالتدوين، يقول الجاحظ: "لولا خطوط الهند لضاع من الحساب الكثير والبسيط، ولبطلت معرفة التضاعيف".

كان هذا ما استفاد منه العرب والمسلمون بدخولهم إلى الهند من علوم تطبيقية، وعلى الرغم من أن هذه العلوم قديمة ويعود تاريخها إلى ما قبل وجود الإسلام في البلاد، فإنه فور دخول الدين إلى الهند، برع المسلمون بهذه العلوم بعد تعلمها وترجمة كتبها، فأصبح منهم الأطباء ولا يوجد رقمٌ يستطيع حصرهم، وكذا علماء الفلك والرياضيات.

علوم الشريعة واللغة

ذاع صيت علماء الشريعة الهنود منذ دخل الإسلام إلى تلك البلاد، وقد أثبتوا أنفسهم في المجالات الشرعية فقهًا وحديثًا وتفسيرًا ولغةً، أما في علوم تفسير القرآن فقد ألف العلماء المسلمون الهنود ما يزيد على 300 كتاب في هذا المجال، ولعلّ أهمها التفسير المطهر والتفسير الماجدي للشيخ عبد الماجد الدريابادي، كما أن بعض العلماء في تلك البلاد وضعوا تفاسيرًا باللغة الفارسية والهندية ومنها التفسير البابوري وهو ما يسمى بـ"غرائب القرآن ورغائب الفرقان".

اختصّ علماء الهند بعلوم الحديث واعتنوا بهذا العلم عنايةً فائقةً سبقوا بها كل علماء الدول المسلمة الأخرى، وبهذا الصدد يقول محمد رشيد رضا في مقدمة كنوز السنة: "لولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر، لقُضِي عليه بالزوال من أمصار الشرق، فقد ضعُف في مصر والشام، والعراق والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة"، أما مؤلفاتهم في هذا المجال فكثيرة جدًا ومنها الكتاب المشهور "عون المعبود في شرح سنن أبي داوود" لمحمد أشرف الديانوي، وكتاب "تحفة الأحوزي في شرح سنن الترمذي" لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، و"الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" للمولوي عبد الحي.

فقهيًا، بلغ ما كتبه علماء الهند من مؤلفات في هذا العلم نحو 300 كتاب، ومن أهمها "شرح الهداية" للشيخ حميد الدين مخلص الدهلوي "وحاشية الهداية" للشيخ ولي الله حبيب الله الكهنوي، وفي الفتاوى، فلهم العديد من المصنفات كـ"الفتاوى المالمكيرية"، وقد عمل على إعدادها كبار علماء الهند لمدة 24 عامًا.

ربما يثير الغرابة أن أهل الهند اهتموا بالبلاغة واللغة العربية، وبلغت التصانيف والمؤلفات والأبحاث مبلغًا عظيمًا وأعدادًا كثيرةً، ونذكر منها "تذكرة البلاغة في المعاني والبيان والبديع" لمؤلفه ذو الفقار علي الديوبندي، ويوجد 20 كتابًا في البلاغة و30 في علم القافية والعروض، وبلغ ما وضع من الكتب في علم الصرف 70 كتابًا، منها ميزان الصرف لوجيه الدين عثمان بن الحسين، وأساس العلوم لمؤلفه يعقوب أبي يوسف البياني.

اللغة العربية ومسلمو الهند

دخلت اللغة العربية إلى الهند مع دخول الفاتحين المسلمين إليها، فتأثرت اللغة الأردية بها، وبدأت العربية تأخذ مجدها في تلك البلاد، منذ أن حكم العرب منطقة السند، حيث أقبل الناس حينها على تعلم القرآن والحديث، وعلى مر السنوات تطورت اللغة العربية في البلاد، وفي عصور الحكم الإسلامي اهتم السلاطين باللغة اهتمامًا كبيرًا حتى إن الناس أصبحوا يستخدمونها في شؤون حياتهم.

ألف علماء الهند الكثير من الكتب المختصة في اللغة العربية، ومنها ما وضعه حسن خان القنوجي بكتاب "العلم الخفاق من علم الاشتقاق"، وكتاب "فقه اللسان" لكرامت حسين الكنتوري، و"كتاب المبتكر في المؤنث والمذكر" لمؤلفه ذو الفقار علي الديوبندي، ومن مؤلفات اللغة العربية التي أصبحت مراجعًا مهمة "العباب الزاخر" لحسين بن محمد اللاهوري و"تاج العروس في شروح القاموس" لمؤلفه مرتضى بن محمد البلكرامي.

أعطى العلماء المسلمون الهنود إرثًا كبيرًا للأمة الإسلامية، إلا أن الكثير من العرب والمسلمين لا يعرف عن حضارة تلك البلاد وأهلها

وتذكر بعض المصادر أن الكتب المؤلفة في هذا المجال أكثر من 100 كتاب، ويؤكد ذلك قول معراج أحمد معراج الندوي الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة العالية الهندية حين أشار إلى "توسع نطاق اللغة العربية وآدابها في ربوع الهند عندما انتشرت شبكة المدارس الإسلامية بما فيها دار العلوم يوبند، ودار العلوم ندوة العلماء لكناؤ وغيرها من المدارس العربية والإسلامية".

كما يضيف الندوي أن هذه المدارس اهتمت اهتمامًا كبيرًا بتعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ويقول: "بدأت الجامعات الهندية تهتم بتدريس اللغة العربية بما فيها الجامعة الملية الإسلامية وجمعية علي كراه الإسلامية والجامعة العثمانية وجامعة جواهر لال نهرو وجامعة دلهي وما إلى ذلك من جامعات أخرى، فلعبت كل منها ولا تزال تلعب دورًا ملموسًا في تطوير اللغة العربية وآدابها في الهند".

طليعة الأدباء الهنود في العصر الحديث، بحسب معراج، هم الشيخ أبوالحسن علي الندوي والعلامة مسعود عالم الندوي والعلامة عبد العزيز الميمني والعلامة محمد زكريا الكاندهلوي وغيرهم الكثيرون يرجع الفضل إليهم في تطوير اللغة العربية في الهند.

الصحافة العربية في الهند

نشأت الصحافة باللغة العربية متأخرة في الهند، فقد سبقتها الإنجليزية والفارسية والأردية، وذلك لأسباب عديدة منها أن المسلمين الهنود كانوا ينظرون إلى اللغة العربية كلغة مقدسة وهي لغة القرآن الكريم والحديث، فاقتصروا باهتمامهم على علوم التفسير والحديث والفقه والتاريخ وأهملوا إصدار المجلات والجرائد.

وحين دخلت الصحافة العربية إلى البلاد، لعبت دورًا كبيرًا في صيانة اللغة العربية وتوسيع دائرة نفوذها، وكانت أول جريدة عربية ظهرت بالهند عام 1871 هي "النفع العظيم لأهل هذا الإقليم" على يد الشيخ شمس الدين، ثم ظهرت صحيفة "البيان" من مدينة لكناؤ في سنة 1902م. 

صدرت أيضًا صحيفة "الجامعة" من كلكتا سنة 1923، وتلتها "الضياء" من مدينة لكناؤ عام 1932، وجريدة "ثقافة الهند" من مدينة دلهي عام 1950، و"البعث الإسلامي" من لكناؤ في سنة 1955، و"الرائد" و"دعوة الحق" من ديوبند في سنة 1965، و"صوت الأمة" من بنارس في سنة 1969، ومجلة "المجمع العلمي الهندي" من الجامعة الإسلامية عليجراه في سنة 1976.

أعطى العلماء المسلمون الهنود إرثًا كبيرًا للأمة الإسلامية، إلا أنّ الكثير من العرب والمسلمين يغفلون عن حضارة تلك البلاد وأهلها، ومن المهم جدًا الاطلاع على ذلك الموروث وما أعطاه على المستويات كافة، حيث يوجد الكثير من الكتب التي تتحدث بهذا المجال لعلّ أهمها كتاب "المسلمون في الهند" الذي ألفّه الشيخ أبو الحسن الندوي، وهو العالم الذي سيكون محور تقريرنا القادم.