على مدار المئة عام الماضية، لم تشهد الدولة السعودية الثالثة التي تأسست عام 1932، هذا الكم من الأحداث المرتبكة والتغيرات الجذرية التي قلبت المملكة رأسًا على عقب خلال السنوات الثلاثة الماضية فقط، منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية عهد المملكة.

هذا الأمير الشاب ابن الخامسة والثلاثين الذي أثار الجدل بشأن قراراته وأفعاله التي وصفتها الصحف الأجنبية بأوصاف عديدة مثل "المتهورة" أو "الطائشة" أو "الغبية"، هو الحاكم الفعلي للمملكة وصاحب الرؤية لمستقبلها، رغم وجود والده الملك سلمان وكذلك وجود من هم أحق منه بالحكم، بحسب الوصف الإعلامي، وقد بذل كل قوته للإطاحة بأي منافس له وأي منتقد لسياسته، ليكون متفردًا بالحكم.

لكن الحركات السريعة والخطوات العجول التي اتخذها الأمير الشاب، قد لا تتوج حلمه في تأسيس مملكته "السليمانية" التي يتربع على عرشها، بل قد تكون كابوسًا يهدد بقاءه، وفقًا لما يتم تداوله في الصحف العالمية. في هذا التقرير نتحدث عن شخصية ابن سلمان وسياسته وأفعاله التي من الممكن أن تؤدي إلى نهايته.

قلق دولي تجاه ابن سلمان

منذ صعود نجم محمد بن سلمان، اتضح جليًا بأنه مقرب إلى حكومة دونالد ترامب الأمريكية وداعمًا لسياسته لا سيما في الشرق الأوسط، لكن أخطاء الأمير الكارثية والمتعاقبة خلقت حوله حالة من القلق ومخاوف لا تنتهي من سياساته، على المستوى العربي والعالمي.

والآن، نظرًا لما يعانيه الملك سلمان الذي بلغ من العمر 84 عامًا، من مشاكل صحية مختلفة، فإن صعود الأمير الشاب وفهمه مهم لتقييم الاتجاه الذي قد تتخذه المملكة العربية السعودية إذا أصبح الأمير محمد ملكًا على السعوديين، وهذا الأمر الذي حاول الكتاب الأمريكيين فعله الفترة الماضية.

تعكس الكتب في مجملها قلقًا أمريكيًا متزايدًا ومخاوف لا تنتهي من تهور ومغامرات لا يمكن التنبؤ بنتائجها داخل السعودية

فمنذ مارس/آذار الماضي إلى سبتمبر/أيلول الحاليّ، استقبلت المكتبات الأمريكية ثلاثة كتب من العيار الثقيل تلقي الضوء على شخصية وسياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وترسم أحيانًا صورة مخيفة لهذا الأمير الذي كسر التراتبية داخل العائلة الحاكمة بالسعودية وصعد فجأة لولاية العهد.

تعكس الكتب في مجملها قلقًا أمريكيًا متزايدًا ومخاوف لا تنتهي من تهور ومغامرات لا يمكن التنبؤ بنتائجها داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وكان أبرزها وآخرها كتاب "النفط والدم: بحث محمد بن سلمان القاسي عن القوة العالمية" الذي أعده الصحافيان برادلي هوب وجاستين شيك، عن صعود ولي العهد السعودي إلى السلطة في المملكة وعن الحياة الفارهة والباذخة التي يعيشها ورغبته بالحصول على الثروة.

نشأة محمد بن سلمان تتحدث عن شخصيته

يرى الكاتبان أن تركيز وريث العرش السعودي على الثروة نابع من سر في العائلة، فطوال حياة الأمير محمد، لم يكن فرع عائلته يملك الكثير من المال مقارنة بثراء الآخرين في العائلة الحاكمة، وعندما كان في سن الـ15، علم من ابن عم له أن والده ليس ثريًا مقارنة ببقية الأمراء رغم عمله في الحكومة لعقود، وأنه مدين للأمراء ورجال الأعمال. 

ومنذ ذلك الوقت بدأ ابن سلمان في العمل نحو تحقيق الثروة، وبدأت مشاعر الكره تجاه أبناء عمومته، وصوب تركيزه نحو الاستثمارات والمشاريع بطريقة قانونية وغير قانونية، وعرض خدماته على كبار الدولة.

كان ابن سلمان معنيًا بالحصول على الثروة فقط، لأنه كان مؤمنًا بأن من الصعب أن يُصبح والده ملكًا على السعودية، لكن مع اقتراب نهاية الملك عبد الله أدرك أن من الممكن حدوث ذلك، وعمل محمد بن سلمان بجهد خلال عام للتفوق على منافسيه مما سهل الطريق أمام والده الثمانيني سلمان الوصول إلى العرش.

بعد أن استلم سلمان بن عبد العزيز عرش البلاد في بداية عام 2015، فوض ابنه محمد ومنحه صلاحيات غير مسبوقة، ما مكنه لأن يحكم قبضته على الجيش والأجهزة الأمنية، وبدأ يُقلب اقتصاد المملكة الذي يقوم بشكل أساسي على النفط.

الحفلة التي لم يعرف عنها الكثيرون هي واحدة من مغامرات محمد المتوحشة التي تظهر ماهيته

لكن أهم ما تطرق إليه الكتاب ليوضح صورة ابن سلمان الذي قد يكون واجهة المملكة وتوجهها الفترة القادمة، هي حالة التبذير غير العادية التي يتسم بها الأمير، ففي شهر يوليو/تموز 2015، اشترى الأمير يخت سيرين بمبلغ 429 مليون يورو وكذا قصرًا قريبًا من فرساي بأكثر من 300 مليون دولار.

كما حجزت حاشيته التي تهمها الخصوصية والتكتم منتجع فيلا بأسره لمدة شهر بتكلفة بلغت 50 مليون دولار بجزر المالديف، وأحضر 150 امرأة من البرازيل وروسيا وأماكن أخرى للاحتفال مع عشرات من الرجال الذين جاؤوا من الشرق الأوسط.

لكن الحفلة انتهت قبل أن تبدأ، فقد نشرت أخبار زيارة الأمير بصحيفة مالديفية، والتقطتها الصحافة الإيرانية وبدأت ببثها في الأخبار، وبعد أسبوع اختفى الأمير وحاشيته خوفًا من انقلاب الشباب السعودي الذين أنهكتهم البطالة، ويعلق الكاتبان أن الحفلة التي لم يعرف عنها الكثيرون هي واحدة من مغامرات محمد المتوحشة التي تظهر ماهيته.

دولة سليمانية بدلًا من السعودية

عندما اعتلى الملك سلمان بن عبد العزيز سدة الحكم في يناير/كانون الثاني 2015 بالسعودية، عين ابنه الأمير محمد على كرسيه، رغم وجود من هو أكبر منه سنًا في العائلة الحاكمة، خاصة من أعمامه أبناء مؤسس المملكة الملك عبد العزيز بن سعود، وأبناء عمومته الذين تولوا قبله مناصب رفيعة في الدولة، كما أنه لم يتول إدارة أي جهة حكومية من قبل.

وفي 29 من أبريل/نيسان 2015، صدر أمر ملكي ينص على اختيار ابن سلمان وليًا لولي العهد وتعيينه نائبًا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء مع استمراره في منصب وزير الدفاع ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بالإضافة إلى تعيينه رئيسًا للديوان الملكي ومستشارًا خاصا للملك، ومن هنا بدأ ابن سلمان في إقصاء الجميع لتثبيت مملكته السليمانية.

أهم المناصب التي تولاها هي رئاسة مجلس مكافحة الفساد، ليعمل هذا المجلس على قلب الموازين كافة في المملكة

وفي سبيل ذلك كرس ابن سلمان جهوده في تقليص نفوذ أعمامه أو أبنائهم ممن يمكن أن ينافسوه على الحكم رغم أن العديد منهم تولى مناصب حساسة ورفيعة، كما أن نظام الحكم الأساسي ينص على أن "يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملكًا ووليًا للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس".

كان المتغير الأبرز في الاستحواذ على العديد من المناصب السيادية بعد تعيين ابن سلمان وليًا للعهد، في 21 من يونيو/حزيران 2017، في أعقاب عزل والده لمحمد بن نايف من هذا المنصب، لإحكام القبضة على القرار السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري، ومن بين أهم المناصب التي تولاها ابن سلمان رئاسة "مجلس مكافحة الفساد"، ليعمل هذا المجلس على قلب الموازين كافة في المملكة.

قرارات متهورة بالجملة

بعد ساعات من الأمر الملكي بتأسيسه، قرر مجلس مكافحة الفساد بتعليمات من ابن سلمان، في 4 من نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اعتقال أكثر من 40 أميرًا من الأسرة الحاكمة ووزيرًا ورجال أعمال، بتهم تتعلق بالفساد المالي وغسل الأموال.

ومنذ ذلك الحين، استمرت حملة الاعتقالات التي يخوضها ولي العهد وكان آخر من شملتهم الاعتقالات كل من الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود الشقيق الأصغر للملك سلمان، في مارس/آذار من هذا العام، والأمير محمد بن نايف آل سعود ولي العهد السابق، ابن شقيق العاهل السعودي.

ويرى مراقبون أن حملات الاعتقالات التي اتسعت لتشمل مفكرين ودعاة وحقوقيين ومعارضين لسياسات ولي العهد، تأتي في إطار تعزيز سلطات ابن سلمان نفسه والاستحواذ على كامل القرار السعودي، في ظل ما يتردد عن الحالة الصحية الصعبة للملك سلمان.

وعلى إثر هذه الاعتقالات، أدانت 36 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مارس/آذار 2019، انتهاكات سلطات المملكة بحق نشطاء سعوديين وطالبت بالإفراج عنهم وعن جميع معتقلي الرأي.

كما يُمارس ابن سلمان الضغوطات على الدول التي يلجأ إليها رجال الدولة السعودية خوفًا من بطشه، أبرزها كندا التي يطالبها بإعادة ضابط الاستخبارات السعودي السابق اللواء سعد الجبري اللاجئ لديها، الذي تحدثت مصادر عن امتلاكه لمعلومات سرية عن ابن سلمان من الممكن أن تهز عرشه، وفق ما قالته صحيفة "غلوب آند ميل" الكندية في شهر يوليو/تموز الماضي.

استفز ابن سلمان المجتمع السعودي المحافظ العام الماضي، بعد أن تم إخلاء صحن الكعبة المشرفة تمامًا من المعتمرين والمصلين واعتلائه سطح الكعبة

أما عن سياسة ابن سلمان الداخلية وتصرفاته التي باتت معروفة للجميع، فهي كفيلة بأن تقلب المجتمع السعودي عليه، وذلك كونه قام أولًا بتغيير جذري بين ليلة وضحاها في تحويل بنية المجتمع السعودي الذي طالما كان محافظًا ومتدينًا ينتهج نهج الوهابية لعقود طويلة من الزمن إلى مجتمع "منفتح" بشكل كبير.

كما قام بتهميش "هيئة الأمر بالمعروف"، وأمر بإنشاء هيئة على النقيض منها، وهي "الهيئة العامة للترفيه" التي تنظم وتشرف على إقامة حفلات غنائية وترفيهية، وتتولى نهج الانفتاح الاجتماعي، بدءًا من افتتاح دور سينما والسماح للنساء بدخول الملاعب الرياضية والاختلاط في الأماكن العامة.

كما استفز ابن سلمان المجتمع السعودي المحافظ العام الماضي، بعدما فاجأ المعتمرين والمصلين في المسجد الحرام بدخول الحرم الشريف فجرًا محاطًا بطوق من مئات رجال الأمن، بعد أن تم إخلاء صحن الكعبة المشرفة تمامًا من المعتمرين والمصلين، لكن المفاجأة الكبرى كانت اعتلاءه سطح الكعبة، في تصرف غريب ونادر لم يعهده المسلمون من أي حاكم.

وفي جزئية لا تخفى على المواطن السعودية، هي واقع رؤية 2030، التي أطلقها ابن سلمان في يونيو/حزيران 2016، التي كان من المفترض أن تخلق واقعًا اقتصاديًا يعتمد على إيرادات بديلة عن الإيرادات النفطية، التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الخزينة السعودية، إلا أنها، وبعد مرور أربع سنوات على إطلاقها، لم تحقق الكثير على طريق تنويع الإيرادات.

وفي إجراءات من شأنها أن تحسن الحالة المعيشية للمواطنين، أمر ابن سلمان بتخفيض الدعم الحكومي للمواطنين السعوديين، مقابل زيادة نسبة ضريبة القيمة المضافة والرسوم على الوافدين والعمال الأجانب بأرقام كبيرة جدًا، لإرغام أصحاب الأعمال على تقليل نسبة الأجانب وتوظيف الشباب السعودي للحد من البطالة.

وفي المرحلة الحاليّة، يواجه ابن سلمان تحديات جسيمة ومخاطر كبيرة منها: تدارك حالة التراجع في الاقتصاد السعودي جراء احتواء تداعيات تفشي وباء كورونا، وتراجع مستوى أسعار النفط في السوق العالمية إلى أدنى مستوياتها، وإنهاك الاقتصاد السعودي بصفقات تسليحية مليارية.

أما على صعيد سياسته الخارجية، فإن قرارات محمد بن سلمان الدموية والطائشة، جعلت سمعته سيئة بين الحلفاء قبل الأعداء، خصوصًا بعد دخوله في حرب اليمن عام 2015، حيث تُحَمِّل المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ابن سلمان شخصيًا المسؤولية عن الانتهاكات في هذه الحرب وظهور إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفق الأمم المتحدة.

كما يوصف الخبراء حصار ابن سلمان الذي فرضه على قطر يونيو/حزيران 2017 أنه من أسوأ القرارات المتهورة التي أضرت بالمنطقة، فضلًا عن أنه لا يعود على السعودية بمنافع على المستوى الاقتصادي أو السياسي.

photo

أما أكثر القرارات التي أضرت بسمعة ابن سلمان وكذلك السعودية حول العالم، قرار اغتيال الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، في 2 من أكتوبر/تشرين الأول 2018، حيث أشارت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى مسؤوليته المباشرة عن قرار الاغتيال، وانشهر بعدها ابن سلمان عالميًا بأسماء عديدة مثل "الجزار" و"السفاح".

ومع كل حدث يتردد صداه إقليميًا وعالميًا، تبرز تساؤلات عن السياسة الطائشة للأمير الشاب ومعارضتها للنهج "المتوازن" الذي اتخذته السياسات السعودية في عهد ملوكها السابقين، كما يبرز سؤال الشخصيات البديلة في حال تخلي ابن سلمان أو أرغم على التخلي عن السلطة.

وتحدثت الصحف عن أن أبرز تلك الشخصيات هي: أحمد بن عبد العزيز شقيق الملك سلمان ومحمد بن نايف ابن أخ الملك وخالد بن سلمان شقيق ولي العهد الأصغر وخالد بن سلطان ابن شقيق الملك ومقرن بن عبد العزيز شقيق الملك وخالد بن بندر بن سلطان، لكن يبدو أن ابن سلمان لن يترك كرسي الملك لأحد غيره، وسيفعل أي شيء في سبيل ذلك.