استمرار الاحتجاجات الشعبية في مصر

تتواصل الاحتجاجات الشعبية المصرية بشتى فئاتها رغم القبضة الأمنية التي تفرضها السلطات الحاكمة التي رسخت حالة من الترهيب والتخويف في ظل المضي قدمًا في منهجية الاعتقالات والتنكيل بكل من يغرد خارج السرب.

وبعيدًا عن الدعوات التي يطلقها البعض للتظاهر اليوم الـ20 من سبتمبر الحاليّ كما حدث العام الماضي، ومدى رد الفعل حيالها في ظل حالة التأهب الأمني والسياسي التي تفرضها الدولة لعدم تكرار السيناريو السابق، فإنها لم تكن التحركات الوحيدة للتعبير عن رفض الوضع الحاليّ بمختلف تفاصيله وأبعاده.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، في مؤشرها الفصلي بشأن الاحتجاجات العمالية والاجتماعية، كشفت استمرار الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية على الأوضاع الاقتصادية في مصر، التي بلغت نحو 75 احتجاجًا بأشكال مختلفة.

وجاءت الوقفات الاحتجاجية في صدارة التقرير الذي يغطي الجزء الثالث من عام 2020 "يونيو - يوليو - أغسطس" من حيث العدد الإجمالي، حيث تم رصد عدد 15 وقفة احتجاجية، تلتها زيادة ملحوظة في أعداد حالات الانتحار، حيث تم رصد 14 محاولة انتحار مقارنة بحالتين فقط في التقرير السابق الذي غطى الفترة (مارس - أبريل - مايو).

75 احتجاجًا في 3 أشهر

التقرير رصد خلال تلك الفترة 45 احتجاجًا عماليًا ومهنيًا، جاءت الوقفات الاحتجاجية في الصدارة برصيد 10 حالات، تلاها التجمهر بنسبة 7 حالات، ثم الشكوى والإضراب ولكل منهما 7 حالات، فيما حلت الوقفات الاعتصامية في المرتبة الخامسة بـ6 حالات.

ومن اللافت للنظر ارتفاع معدلات الانتحار لتتضاعف بنسبة 700% في الإجمالي، حيث شهدت الأشهر الثلاثة الماضية 3 حالات انتحار في الاحتجاجات العمالية، ثم التلويح بالاحتجاج الذي تكرر 3 مرات، ليتذيل التظاهر القائمة بحالتين فقط.

كما رصد التقرير 30 حالة احتجاج اجتماعي: 15 وقفة و5 تجمهر وحالة واحدة تلويح بالاحتجاج وشكوى مقدمة، فيما بلغت حالات الانتحار 8 حالات، وهو الرقم الذي أثار الكثير من التساؤلات لدى خبراء الاجتماع وعلم النفس السياسي، كونه مؤشرًا خطيرًا في سياق تطورت الأحداث في الآونة الأخيرة.

القاهرة في صدارة المشهد

كعادة الاحتجاجات الشعبية التي تتمركز في العاصمة ثم تنتقل عدواها بطبيعة الحال إلى الأقاليم والمناطق النائية، جاءت القاهرة على رأس قائمة المحافظات من حيث عدد الاحتجاجات العمالية والمهنية بعدد 13 احتجاجًا.

بجانب القاهرة، فقد تصدرت المدن الرئيسية المشهد الاحتجاجي، إذ حلت الإسكندرية في المرتبة الثانية بـ7 احتجاجات، ثم محافظة الجيزة بـ5 احتجاجات، فيما جاءت محافظة المنوفية في المرتبة الرابعة بـ4 احتجاجات.

الأمر لم يتغير كذلك مع الاحتجاجات الاجتماعية، إذ تصدرت القاهرة أيضًا بـ7 احتجاجات، تلتها الجيزة بـ5 فيما تقاسمت الرباعي (الإسكندرية - الشرقية - القليوبية - الغربية) المرتبة الثالثة حيث سجلت كل محافظة حالتين فقط.

وبالنسبة للقطاعات الأكثر عددًا من حيث الاحتجاجات، تصدر قطاع الصناعات المعدنية قائمة القطاعات المحتجة خلال الفترة التي يغطيها التقرير بواقع 6 احتجاجات، كان ضعف الأجور والمرتبات هي المحرك الأساسي لها، بجانب المطالبات المتكررة بتطبيق الحد الأدني للأجور المقدر بـ(2000 جنيه) الذي لا تلتزم به معظم شركات القطاع الخاص.

وجاء قطاع البنوك والنقل والمواصلات في المرتبة الثانية من القطاعات الأكثر شهادة للاحتجاجات، تلتها قطاعات السياحة والبحث العلمي والإسكان، فيما تزيلت القائمة قطاعات (التجارة والرياضة والغزل والنسيج والبناء والأخشاب والمقاولات والصناعات اليكماوية والصناعات الغذائية والاتصالات) باحتجاج واحد لكل قطاع.

تحركات فردية

الملاحظ في قراءة جغرافية وديموغرافية تلك الاحتجاجات التي شهدتها مصر خلال الأشهر الثلاث الماضية أنها جاءت بصورة فردية وليست تنظيمية كما كان في السابق، وهو التطور الذي يعكس حالة من الفردية في التعبير عن الغضب والاحتقان ما ينذر بتطورات أكثر قسوة حال خروج الوضع عن السيطرة، فغياب القيادة وإن ساهم في تأخير ساعة الصفر إلا أنه لا يمكن وقف رقعة ومساحة وزمن الاشتعال التي ستخضع لعوامل أخرى لا يمكن السيطرة عليها.

كثير من المراقبين وقعوا في فخ القراءة الخاطئة للتظاهرات التي خرجت خلال العام الماضي ودعا إليها المقاول الفنان محمد علي، حيث اعتبروا أن ما حدث كان استجابة لدعوته وفق تحرك تنظيمي، لكن تفاصيل المشهد فيما بعد كشفت أن كل التحركات كانت بصفة عشوائية بعيدة تمامًا عن سياسة الإملاء وتوجيه الدفة وهو الخطأ الذي يتجنب الشارع الوقوع فيه مرة أخرى.

يتزامن هذا التقرير مع تصاعد حالة الغضب الشعبي جراء العديد من القرارات والإجراءات التي تم اتخاذها في الآونة الأخيرة وساهمت في زيادة الأعباء المعيشية على المواطن الذي بات بين فكي الظروف السيئة والضغوط الحكومية اليومية التي أفرغت جيوب معظم المصريين، ولعل ما حدث في السويس بالأمس أحد المؤشرات على ذلك، حيث خرج العشرات في تظاهرات منددة بالسياسات الحاليّة.

يأتي على رأس تلك القرارات قانون التصالح الذي فرضته الدولة بداية العام الحاليّ ويفرض على أصحاب العقارات المخالفة للقانون ضرائب باهظة، تفوق قدرات الغالبية العظمى من سكان تلك العقارات، وإلا فالإزالة هو الخيار البديل، الأمر الذي دفع بالمئات إلى الشوارع بلا مأوى.

الكثير من المواطنين كما الخبراء يرون أن سياسة الاقتراض الفاشلة التي انتهجتها الدولة هي السبب فيما وصلت إليه الأوضاع من تفاقم الأوضاع وتعميق فاتورة الديون الخارجية، ما دفع السلطات إلى حلب المواطن وابتزازه لتوفير أكبر قدر من المبالغ لسد العجز المتصاعد عامًا تلو الآخر بسبب المليارات المطلوب تسديدها سنويًا.

ومع تجاوز النظام الحاليّ للعام السابع من عمره، فإن شبح الاحتجاجات الشعبية وتصاعد موجات الغضب ظلت ولا تزال كابوسًا يؤرق مناماته رغم القبضة الأمنية المشددة التي ثبت مع التجربة أنها - إن حققت نجاحات على مساحات متعددة -  فشلت في وأد الحراك الثوري المتوقع أن يدخل آفاق جديدة خلال المرحلة المقبلة.