لا يخلو التاريخ المغربي من نساء رائدات وقائدات ومكافحات ضد الاستعمار والظلم، فإذا نقبت جيدًا في مجلدات الذاكرة الجمعية حتمًا ستهتدي إلى شخصيات أمثال كنزة الأمازيغية وزينب النفزاوية وفاطمة الفهرية وأخريات عُرفن بالملك والقيادة والزعامة والنسك والتصوف وكذلك الشعر، ومن بينهن يبرز اسم "خربوشة الزيدية" إحدى النساء الشهيرات اللائي حظين بمكانة مميزة في المخيلة الشعبية التي توارثت بطولاتها شفويًا جيلًا بعد جيل.

"خربوشة" المرأة الريفية، تُعد علامة ثقافية ونضالية في المغرب خلال القرن الـ20، فقد واجهت ظلم السلطان والقائد بالشعر، إذ كانت تنظم القصائد التي تهجوه بها في العلن لا في السر وتحشد الناس وتشجعهم ليواجهوا تسلطه وغطرسته، قبل أن يهاجم قبيلتها ويقتل منها عددًا ويسجن آخرين كانت من بينهم خربوشة التي انتهت حياتها بشكل مأساوي.

قصة خربوشة ألهمت الكثيرين وحركت فيهم رغبة النبش في التاريخ والتراث وأثارت اهتمام كتاب السيناريو، فأنجز عنها فيلم سينمائي تحت العنوان نفسه "خربوشة"، من تأليف مشترك للأخوين عبد الباسط وخالد الخضري، وإخراج حميد زوغي، إضافة إلى عدد من المسرحيات.

 

شهرة "خربوشة"

اشتهرت خربوشة بأسماء أخرى كـ"حادة" و"حويدة"، وبأنها امرأة مغربية تنحدر من قبيلة أولاد زيد، عاشت في أواخر القرن الـ19 في منطقة عبدة، واختلفت المصادر في وصف شكلها فبين من رجح أنها لم تكن ذات جمال وأن وجهها كان يحمل ندوبًا من آثار مرض الجدري، وهو ما يُرجع إليه وصفها بـ"خربوشة"، ويذهب آخرون إلى أن الأسماء التي كانت تُطلق عليها كـ"الكريدة" (صاحبة الشعر الأجعد) و"زروالة" (صاحبة العينين الزرقاوتين)، توحي بأنها جمالها كان أخاذًا.

الشهرة الحقيقية لخربوشة لم تكن في شكلها ولا نسبها، بل كانت في قصتها كامرأة كسرت كل الحواجز والأعراف في تلك الحقبة الذكورية بامتياز، وبقدرتها على نقش اسمها في الذاكرة الجماعية المغربية رغم شح الدراسات التاريخية والكتابات الفنية التي تُعنى بالحضارة، فقوتها الحقيقية تكمن في خلود اسمها في التراث الشفوي المغربي.

"حويدة" عُرفت أيضًا بحبها وانتمائها لقبيلتها التي جردها قائد عيسى العبدي من كل حقوقها، وخنق أنفاس أهلها وأثقل كاهلهم بالضرائب، ما دفعهم إلى الثورة ضده وشق عصا الطاعة، فانتقم منهم ذبحًا وتنكيلًا، فلم تستسلم لطغيان هذا القائد وقاومته بالغناء ونظم الكلام (الشعر) الذي برعت فيه، مستغلة أثر فن "العيطة" في النفوس، ومستثمرة ملكاتها في الدفاع عن المستضعفين قصد تحفيز وتحريك الأصوات المعارضة والرافضة للحكم الجبري.

القايد عيسى

ولد عيسى بن عمر العبدي عام 1842، وهو ينحدر من قبيلة البحاترة في منطقة عبدة، عينه أخوه الأكبر محمد بن عمر الذي كان قائدًا، وهو في بداية العشرينيات، خليفة له، ليخلفه فعليًا بعد وفاته في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر.

ورد ذكر القائد عيسى بن عمر في العديد من المصادر، يشير بعضها إلى ما قاله عنه الصحافي الفرنسي أوجين لوبان بعد زيارة قام بها إلى عبدة عام 1902 بكونه "من أكبر رؤساء المغرب وأن عائلته توارثت الحكم لمدة 60 سنة" وأن "السلطان مولاي عبد العزيز مده بظهير ليبسط سلطته على دكالة، حمرا، والشياضمة، لتنضاف إلى عبدة".

اشتهر القائد عيسى ببطشه وقسوته، إذ قمعت قواته بقسوة انتفاضة قبيلة "أولاد زيد" التي تنتمي لها خربوشة في منتصف سنة 1895، وعُرفت أحداث القمع هذه بعام "الرفسة"، ولشدة جبروته، وصفه المؤرخ أحمد بن محمد الصبيحي بالحجاج بن يوسف الثقفي في مؤلفه "عيسى بن عمر وفظائعه".

والمفارقة أن القائد رغم شخصيته الاستبدادية والدموية فقد كان معروفًا بشغفه بفن العيطة والغناء التقليدي، فوفر له فضاءً ملائمًا في قصبته (مجلسه) لتداول وتطوير بعض "العيوط"، وتكاثرت الأشياخ والشيخات في عهده وداخل إيالته.

شعر عند سلطان جائر

معركة الظلم واسترداد الحقوق تعتبر نقطة التقاء خربوشة بالقائد عيسى، حيث تشير مصادر إلى أن هذا الأخير كان يُثقل كاهل سكان قبائل عبدة بالضرائب، حتى لو صادفت سنوات القحط والأمراض.

ففي تلك الفترة عرف المغرب أزمة مالية خانقة مهدت للغزو الاستعماري فيما بعد، ولم يكن لـ"المخزن" من حلول إلا فرض المزيد من الضرائب التي أصبحت موردًا أساسيًا في تمويل خزينة البلاد المفلسة، لكن تعسف الحاكم الجائر وممثلي السلطة في جمع هذه الضرائب بالغصب والسلب في أحيان كثيرة، جعل المغرب يشتعل تحت لهيب ثورات قبائل "الرحامنة" و"دكالة" و"عبدة"، ومنها قبيلة خربوشة "أولاد زيد".

 

تعسف القايد وإجباره المواطنين على دفع الضرائب عنوة، أثار حفيظة الشاعرة وحرك قريحتها لتخرج أبياتها الشعرية نارًا ودمارًا من حول عيسى، معبرة عن الاستياء من تسلطه من خلال قصائدها التي كانت تهجوه وتحمس الناس لمواجهته، وهي القصائد التي كان يجري تداولها على نحو واسع بين القبائل، ومن بينها الأبيات التالية:

والأيام الأيام أيام القهرة والظلام

فينك يا عويسة وفين الشان والمرشان

شحالْ غيرتِ من أعباد

شحال صفيتي من أسْياد

 

من خلال كلمات الشعر، نلحظ أن خربوشة عملت على طعن كبرياء رجل السلطة المتجبر بكلماتها التي جاءت قوية ثائرة ضد الظلم والاستبداد (فين الشان)، كما استعملت معجم التصغير من أجل تحقيره والحط من مكانته (عويسة تصغير لعيسى)، وتتماهى أبيات خربوشة إلى حد بعيد مع ما يذهب إليه بعض المختصين من أن عيسى كان متسلطًا ومتجبرًا، حيث وصفه المختار السوسي بأن "لا عيب فيه إلا كثرة الفتك بأهل قبيلته فما أسهل إزهاق الأرواح عنده".

حركتِ الغلة وسْبيتي الكسيبة

وسُكتي النسا كيف الأنعام

ويتمت الصبيانْ بالعرام

سير أعيسة بن عمر أ وكَال الجيفة

يا القاتل خُوتو ومحللْ الحرام

كما تجلت شجاعة خربوشة في قدرتها على الوصف بدقة لجرائم بن عيسى وانتهاكاته بكلمات صريحة وحزينة تمس الوجدان وتلهم مشاعر الغضب لتشحذ الهمم وتأجج نخوة الفروسية والشهامة في المتلقي لعله يتحرك ليقف في وجه الطغيان، فمست بذلك أخلاق الريفي الذي لا يقبل عادة على نفسه أن تنتهك الحرمات (الدين) ولا أن تستهدف النساء.

وفي السياق ذاته، فإن أبيات خربوشة تُذكر بصراع القايد عيسى مع قبيلة أولاد زيد التي واجهت تجبره، وهي القبيلة التي تنحدر منها الشاعرة التي كانت تستنهض همم رجال قبيلتها بأشعارها ما فجر انتفاضة عُرفت بـ"الرفسة" وذلك في أواسط تسعينيات القرن التاسع عشر.

وتشير المعطيات إلى أن القائد عيسى عمل على وأدها من خلال مباغتة زعماء القبيلة، حين لبوا دعوة بغرض عقد الصلح، فقتل عددًا منهم واعتقل نحو 800 شخص نكل وبطش بهم.

فن المقاومة

العيطة، واحدة من أهم الفنون النابعة من الثقافة الريفية المغربية ووسيلة فنية استُخدمت في تلك الحقبة لمقاومة الاحتلال الفرنسي للمغرب (1956-1912)، وعمل الاحتلال جاهدًا على استئصاله وطمس الهوية المغربية بشكل عام، وعلى إسكات أصوات فناني العيطة الذين استعملوا ذلك الفن في مسيرتهم النضالية ضد الوافد المتغطرس، وذلك عبر بث رسائل مشفرة لا يفهمها إلا المقاومون ممن يفقهون أصوله وترانيمه.

ويمكن القول، إن مضامين فن العيطة المغربي شكلت رموزًا تواصلية خاصة جدًا، حاول من خلالها المجاهدون في الجبال والأرياف بث رسائل مستعجلة عن تحركات الغزاة وسكناتهم، لذلك عمل الفرنسيون على الاستعانة بالخونة (الصبايحية والحركية) ومسؤولي المناطق كالباشا والقايد، على فك الشفرات في مرحلة أولى، ثم طمس هوية هذا الشكل التعبيري وتهميشه في الثقافة المغربية في مرحلة أخيرة.

واعتمد الاستعمار الفرنسي طرقه الخبيثة والمعهودة في تشويه هذا الفن، من خلال تقديمهن في صورة النساء المهمشات والمتمردات على الأعراف الأسرية والمجتمعية المحافظة، وحصرهم في خانة "الأرامل والمطلقات وبائعات هوى".

الكاتب المغربي حسن نجمي جمع وأوعى وصف فن العيطة بالجملة التالية: "ذلك النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافئ، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عمومًا، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه".

نهاية مناضلة

كغالبية القصص الثورية، فإن الأبطال الذين يتحركون ضد القهر والطغيان يدفعون حياتهم ثمنًا لتمردهم وعدم خضوعهم، وحكاية خربوشة التي شاركت في انتفاضة قبيلتها لمدة تزيد على نصف سنة بأشعارها الهجائية و"عيوطها" الصاخبة، لم تخرج عن السياق المألوف لقصص المقاومة، فكانت دومًا في مرمى سهام سلطة القائد.

يسود الغموض والتضارب نهاية خربوشة، فتشير بعض الروايات إلى أن القائد عيسى بن عمر بعد أن سجنها أمر باقتلاع لسانها انتقامًا لكبريائه المكسور، وأخرى تنقل أنها هربت ثم ألقى رجال "المخزن" القبض عليهما وأُرسلت إلى "الحضرة الشريفة" في الرباط بعيدًا عن القائد وبطشه المتوقع، لكن عيون عيسى بن عمر ترصدتها وهي في طريقها للسلطان وقامت باختطافها وقتلها.

هناك روايات أخرى تقول إنه بعد سجنها استعطفت القائد عيسى وأن الأخير "استمهل النظر في أمرها"، غير أن سجانها قتلها وبرر ذلك بأنها أغاظته، ما تسبب في غضب القائد عيسى الذي أمر، حسب المصادر نفسها، بجلده "حتى يعجز عن الكلام"، فيما نقل الفيلم السينمائي الذي تناول سيرتها ويحمل اسمها، أنه وقع إعدامها بدفنها حية وراء حائط، بينما هناك رواية أخرى تقول إن القائد عيسى قتلها ورماها في بئر.

أيًا كانت نهاية الشيخة "خربوشة" التي أعطتها الرواية الشفوية طابعًا ملحميًا وأسطوريًا، فإن تاريخ المرأة ظل محفورًا في ذاكرة المغربيين يستحضرونها في عذاباتهم وآمالهم بالخلاص، فيعيدون أشعارها في مظاهراتهم ويستعينون بهجائها في مواجهة ظلم المسؤولين، وهي أيضًا صورة قد تُلهم أخريات فيصرن "خرابيش" عصرهن.