جاء علينا زمن شعرنا فيه بإثم كبير لعدم مؤازرتنا للإسلاميين في سجونهم رغم تعاطف قلبي كبير مع عذاباتهم في المهاجر والمنافي والسجون، فقد سلمنا لهم بطهر سياسي رغم أن أطروحتهم السياسية في مجملها ليست مما آمنا به واتبعناه، لكن فرط عذاباتهم جعل لهم في قلوبنا منزلة، ثم أخرجهم الربيع العربي من سجونهم وأعادهم من منافيهم ومكن لهم من السلطة، وكنا ننتظر تحول الخطاب الجميل الرباني الطاهر إلى أطروحات فعل سياسي يقود الشعوب نحو الحرية، فإذا بسعد الدين العثماني يعيدنا إلى أرض الواقع، ويقول بصوت واضح وابتسامة ذليلة: لا إسلاميين ولا دياولو، الإسلاميون مثل اليسار ومثل القوميين يسيرون على طريق التطبيع ويبيعون مع من يبيع، فالمهم الاحتفاظ بالسلطة والتمتع بها بلا أدنى وازع أخلاقي.

الربيع العربي غربل الجميع ونخلهم

لقد انكشف المستور، فلم تسقط الأنظمة المتهالكة قبل الربيع العربي فحسب، بل سقطت المعارضات المزيفة التي استلمت السلطة بعد تلك الأنظمة، لقد رأينا جزءًا من اليسار العربي والقوميين يتحالف مع المطبعين ويبارك انقلاباتهم بل يحاول تقليدها في بلدانهم وخاصة في تونس.

لقد فشلوا حتى الآن، لكن وصمة التطبيع كانت جلية في مسلكهم السياسي، حتى إن نظام آل سعود تحول في فترة من نضالهم إلى حليف إستراتيجي بعد أن صموا آذاننا بالحديث عن عمالته طيلة نصف قرن، وكان مال الإمارات الوسخ وقودًا كافيًا ليستمر الخط السياسي الخائن للثورة في كل قطر.

حتى وصول طائرة التطبيع إلى أقصى المغرب الإسلامي احتفظنا بوهم جميل أن الإسلاميين الذين ينتمون لخط حماس السياسي والنضالي لن يطبعوا، فإذا حركة حماس غطاء مزيف وإذا التطبيع يتجلى في الابتسامة الميتة لسعد الدين العثماني الذي يوقع خانعًا على بيع القضية بل الأصح على بيع تاريخ الإسلاميين في إعلان العداء للصهاينة منذ حرب الاستنزاف قبل أن يظهر القوميون ويسرقون خطابهم وجهادهم.

الآن يزول الوهم ونعود إلى الحقيقة وهذا أجمل ما في التطبيع، إنه يرفع درجة وعينا بالكذبة والزعماء المزيفين والمجاهدين الخونة، وهل يخون المجاهد الحقيقي؟ 

كانت الأنظمة تثبت شرعيتها في كراسيها بالتطبيع سرًا وجهرًا وكانت المعارضات تزايد عليها بحب فلسطين

لقد انكشف مستور الإسلاميين وتعرى موقفهم، وسأعمم رغم أن الحالة المغربية حالة مفردة، لكن الخط الذي نشأ عليه الإسلاميون واحد وقد تعرى طرفه في انتظار أن يقوم الصهاينة بجذبه من تحت ركام الخطاب المزيف. فضيحة؟ نعم! لكنها رجة وعي بناءة، فالآن تعرى الجميع أمام شعوب مقهورة أملت خيرًا في الثورة ثم في بعض الأحزاب ثم انتهت إلى الحقيقة. 

لقد صار الأمر قاعدةً في العمل السياسي العربي، فقد كانت الأنظمة تثبت شرعيتها في كراسيها بالتطبيع سرًا وجهرًا وكانت المعارضات تزايد عليها بحب فلسطين، وانتقلت السلطة إلى المعارضات القديمة فسارت سيرة الأنظمة المخلوعة بقوة الشعب وثبتت بقاءها السياسي بالتطبيع وخيانة القضية. أين الخلل؟

النخب لا تؤمن بالشعوب وبالمستقبل

التطبيع كفر بالشعوب مصدر الشرعية، لكن استعجال منافع السلطة جعل كل من وصل إلى الحكم منذ أول انقلاب عسكري عربي باسم تحرير فلسطين يكفر بالشعوب ويسبق لذته بالسلطة، والإسلاميون آخر من وصل إلى مواقع المنفعة والمتعة وليس لهم أفضلية على من سبقهم، والخطاب القديم لم يعد يشفع لأحد بل يفضح اللاحق، فالسابق له عذر الفقر والجهل المتفشي قبل سبعين عامًا من التعليم الذي يرفع نظريًا من وعي الشعوب ويقرب بينها وبين حكامها ويعدل بوصلة السياسة نحو الديمقراطية، لكن فجيعتنا في الإسلاميين مضاعفة. 

فهم يخرجون من وضع الضحية (ضحية الأنظمة المطبعة) إلى قيادة التطبيع، لقد عاينوا قبل وصولهم إلى السلطة في بلدانهم الخسارات الجسمية التي تكبدها كل نظام طبع وكل حزب تواطأ مع الصهاينة وعرفوا من خلال خطابهم أن التطبيع خسارة مدمرة وعنوان قطيعة مع الشعوب الفقيرة التي رغم فقرها تظل مثابرة على مبادئها ومخلصة لها.

من أجل شعار "الشعب يريد تحرير فلسطين" بتنا في الشوارع نؤدي واجب ترسيخ الشعار وتحويله إلى وعي جذري باتجاه القضية الأم ولن نندم

كنا نعاين معهم أن اليسار والليبراليين العرب وكثيرًا من أدعياء القومية لا يؤمنون بشعوبهم بل يحتقرونهم ويبتذلون الحماس السياسي الشعبي الفطري المشبع بالأخلاق، وكان الإسلاميون يؤلفون أطروحاتهم ومواقفهم على نقض اليسار المحتقر لشعبه، فإذا هم واليسار العربي الخائن بالخلقة وبالمشروع (منذ حزب ركاح) في مركب واحد، احتقار الشعب الذي يرفض التطبيع.

من بقي لنا لنسير خلفه نحو القدس الآن؟ هذا سؤال عاطفي مهزوم! لكنه يصدر من صدقنا القديم الذي جعلنا نبحث عن أمل أخير عند الإسلاميين فخدعوه بقلم سعد الدين العثماني وبمباركة السيد بنكيران في انتظار المزيد من الهزائم في تونس، ولن نستعجلها فهي قادمة في الطريق.

جيلي العربي لن يصلي في القدس

من أجل شعار "الشعب يريد تحرير فلسطين" بتنا في الشوارع نؤدي واجب ترسيخ الشعار وتحويله إلى وعي جذري باتجاه القضية الأم ولن نندم، فقد كان ذلك أقل واجب، فنحن من الشعب الذي لا يطبع ولو بعد ألف سنة. نستحضر تاريخ الحروب الصليبية. قرنان من وجود الصليبيين في القدس وحولها ولم يستقروا، أجدادنا تمسكوا وحاربوا حتى التحرير ذلك الأمل الذي سيقود إلى القدس دومًا الشعب الذي لا يساوم في الحرية، لكن جيلي خان وباع بكل أطيافه القيادية وآخر "الخونة" هم الإسلاميون (لا جدوى من المزايدة عليهم فهم التحقوا بركب خائن سبقهم وفتح لهم الطريق). 

نقول بيقين إن شرعية الحكم تستمد في كل ديمقراطية من الشعب وكل من حاول إسناد حكمه بشرعية من غيره سقط أخلاقيًا ثم انتهى سياسًا ونسيته الشعوب من ذاكرتها القوية، ورغم شواغل الخبز اليومي المرير فإن الحرية هدف ووسيلة والشعوب (وأتحدث عن تونس) ذاقت طعم الحرية لذلك لن ينطلي عليها حديث التبريرات الاقتصادية بالتنمية الوافدة عن طريق بنوك الصهاينة ووكالاتهم السياحية، وقد بدأنا في تونس نسمع حديث التمهيد للازدهار الاقتصادي بالتطبيع.

إنها مرحلة موجعة بالهزائم الصادرة من داخل النخبة (المحلية ولا أقول الوطنية) دون الحاجة إلى استعادة حديث المؤامرة الخارجية ولكنها هزيمة في معركة طويلة نعرف نهايتها انتصار لكنها معركة أجيال وقد مر قرن وما زال قرن آخر (بقياس زمن الحروب الصليبية)، نعم الزمن طويل وثقيل الخطى على قلوب الشرفاء، لكنها الحرب وقوانينها، وقد أخرج العثماني الإسلاميين من المعركة، فنحن الآن أكثر وعيًا بالنخبة وأكثر تبصرًا بالطريق وبرفاق الطريق إلى القدس، فليذهب كل مطبع إلى الجحيم بدءًا من حركة فتح وجماعة أوسلو وصولًا إلى المغرب ومليكه وحكومته وكل من ظن يومًا أن الشعوب الفقيرة تضحي بشرفها من أجل خبز ذليل.