سجل العرب المشاركون في أولمبياد طوكيو 2020 حضورًا لافتًا للنظر، لا سيما في الأيام الأخيرة، محققين 19 ميدالية متنوعة: 5 ذهبيات و5 فضيات و9 برونزيات، لتغادر الفرق العربية البطولة بحصيلة مرضية إلى حد ما للشارع العربي رغم علامات الاستفهام الكثيرة بشأن أداء بعض البعثات.

ولاقت الألعاب الصيفية المنظمة حاليًّا في العاصمة اليابانية طوكيو، خلال الفترة الممتدة بين 23 من يوليو/تموز و8 أغسطس/آب 2021، اهتمامًا كبيرًا لدى الجماهير العربية التي تابعت البطولة بشغف كبير، مؤملة نفسها بتحقيق إنجازات تضاف لسجل العرب الأولمبي.

وشهدت البطولة العديد من الأحداث والمواقف التي أعادت بعض الملفات لطاولة الأضواء مرة أخرى، على رأسها ملف التجنيس واللاجئين والشفافية في اختيار اللاعبين والميزانيات المنفقة وترتيب الألعاب الفردية تحديدًا في قائمة اهتمامات الحكومات العربية التي كرست كل جهودها لخدمة كرة القدم فقط.

حضور عربي جيد

خمس ميداليات ذهبية عادت بها البعثات الرياضية العربية المشاركة في البطولة، تتصدرها قطر الأولى عربيًا والـ40 عالميًا في ترتيب الدول الأكثر تحقيقًا للميداليات، إذ حققت 3 ميداليات أولمبية: ذهبيتان وبرونزية، الأولى من نصيب الرباع فارس إبراهيم حسونة عن فئة رفع الأثقال رجال 96 كيلوغرامًا، والثانية لبطل الوثب العالي معتز برشم، وبرونزيتان للثنائي شريف يونس وأحمد تيجان في كرة الطائرة الشاطئية.

وتأتي مصر في المرتبة الثانية عربيًا والـ54 عالميًا، بـ6 ميداليات أولمبية: الأولى ذهبية، حققتها لاعبة الكاراتيه فريال عبد العزيز، عن فئة فوق 61 كيلوغرامًا نساء بعد غياب 17 عامًا، والثانية برونزية لللاعب أحمد الجندي، في منافسة الخماسي الحديث، فيما حصلت لاعبة الكاراتيه جيانا فاروق ولاعب التايكوندو سيف عيسى ولاعبة التايكوندو هداية ملاك ولاعب المصارعة اليونانية محمد السيد إبراهيم على الميدالية البرونزية.

 

بعيدًا عن المنتخب المصري لكرة اليد الذي إن لم يستطع الحصول على أي ميدالية لكنه نجح في الوصول إلى المربع الذهبي، لأول مرة في تاريخه، جاءت بقية المشاركات العربية مخيبة للآمال

أما تونس فحصلت على ميداليتين: الأولى ذهبية حققها السباح أحمد حفناوي عن فئة حرة رجال 400 متر، والثانية فضية حصل عليها لاعب التايكوندو محمد الجندوبي عن فئة رجال تحت 58 كيلوغرامًا، فيما حل المغرب رابعًا على المستوى العربي محققًا ذهبية واحدة، للعداء سفيان البقالي عن فئة 3000 متر رجال.

فيما حصد الأردن ميداليتين: فضية حققها لاعب التايكوندو صالح الشرباتي عن فئة رجال تحت 80 كيلوغرامًا، وبرونزية عن طريق لاعب الكاراتيه عبد الرحمن المصاطفة عن فئة رجال تحت 67 كيلوغرامًا، تليه البحرين التي حققت ميدالية فضية واحدة على يد العداءة كالكيدان غيزاهيجن في سباق 10 آلاف متر عدو سيدات.

ثم السعودية بميدالية فضية واحدة حققها لاعب الكاراتيه طارق حامدي عن فئة رجال فوق 75 كيلوغرامًا، وفي الأخير جاءت كل من الكويت بميدالية برونزية واحدة، على يد الرياضي عبد الله الرشيدي، عن فئة الرماية رجال، ثم سوريا على يد الرباع معن أسعد، عن فئة رجال فوق 109 كيلوغرامات.

خطوة للأمام

رغم الانتقادات التي تعرض لها العرب خلال تلك البطولة، لا سيما على مستوى الألعاب الجماعية، فإنها تمثل نقلة نوعية للحضور العربي في مثل تلك الألعاب والمحافل الدولية، وهو ما تترجمه الأرقام والإحصاءات الخاصة بسجل العرب في تلك البطولة قياسًا بالنتائج السابقة.

وتعد إنجازات العرب في أولمبياد طوكيو تقدمًا ملحوظًا في مسار العرب في الألعاب الصيفية، مقارنة بما حصلوا عليه في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016، فقد حققت الفرق العربية المشاركة في تلك البطولة 14 ميداليةً فقط، ذهبيتين وأربع فضيات وثماني برونزيات.

وبينما جاءت البحرين في مرتبة متأخرة في أولمبياد طوكيو بفضية واحدة كانت الدولة الخليجية متصدرة المنتخبات العربية في أولمبياد 2016، بذهبية العداءة روث جيبيت بسباق 3 آلاف متر موانع وفضية أونيس كيروا بسباق الماراثون، فيما جاء الأردن ثانيًا بذهبية لاعب التايكوندو أحمد أبو غوش في وزن 68 كيلوغرامًا، وكانت أول ميدالية في تاريخ مشاركة الأردن في الألعاب الأولمبية، أما الجزائر التي خرجت من طوكيو خالية الوفاض فاستطاعت تحقيق فضيتين قبل 5 سنوات، للعداء توفيق مخلوفي بسباقي 800 متر و1500 متر.

الألعاب الجماعة علامة استفهام

كانت المشاركة العربية في الألعاب الجماعية علامة استفهام كبيرة، ربما لم تكن جديدة، لكنها نقطة جدلية تفرض نفسها مع كل أولمبياد، فالمستويات العربية في تلك الألعاب متدنية للغاية ولا تصمد طويلًا في الماراثون العالمي، إذ سرعان ما تسقط في الأدوار التمهيدية.

وبعيدًا عن المنتخب المصري لكرة اليد الذي إن لم يستطع الحصول على أي ميدالية لكنه نجح للوصول إلى المربع الذهبي، لأول مرة في تاريخه، جاءت بقية المشاركات العربية مخيبة للآمال، إذ خرج المنتخب البحريني مبكرًا من البطولة ذاتها، فيما سبقه منتخبا مصر والسعودية لكرة القدم بعد الفشل في التأهل للأدوار المتقدمة، السعودية خرجت من الدول الأول وخرج الفراعنة من دور الثمانية.

اللافت للنظر أن كل الميداليات التي حصل عليها العرب في طوكيو كانت لألعاب فردية، كالعادة، رغم تواضع مكانها في هرم الاهتمام الحكومي والرسمي والشعبي، فيما جاءت كرة القدم التي تخصص لها الميزانيات العملاقة في مؤخرة الركب، في رسالة واضحة تفرض على الجميع إعادة النظر في خريطة الأولويات التي تعاني من فوضى يدفع ثمنها العرب خسارات متتالية وأموال تلقى على الأرض.

التجنيس.. بين الخيانة والبحث عن الذات

أثار حصول الرباع القطري، مصري الأصل، فارس حسونة، على ذهبية رفع الأثقال، وهي الذهبية الأولى لقطر في تاريخ مشاركاتها في الأولمبياد، الكثير من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي بشأن ملف التجنيس،  فريق يرفع شعار الاتهام بالخيانة للاعب المصري الذي حصل على جنسية دولة أخرى ليحصد لها الذهب في الوقت الذي تعاني بلاده من فضائح متتالية في الأولمبياد.

وفريق آخر يرى ما حدث قيمة مضافة تحسب للحكومة القطرية واتحاد رفع الأثقال الذي احتضن اللاعب المصري ووفر له البيئة المناسبة للتفوق والإبداع، بعدما خرج من بلاده مكرهًا إثر خلاف نشب بين والده، مدرب منتخب مصر الأسبق في رفع الأثقال، واتحاد اللعبة، اضطر الأخير بسببه السفر إلى الدوحة حيث التدريب هناك.

 

بينما كان الشارع العربي يحتفي بلاعبي الجزائر والسودان، كانت اللاعبة السعودية تهاني القحطاني تصر على لعب مباراتها في منافسات الجودو أمام الإسرائيلية راز هيرشكو، وهي المباراة التي خسرتها بنتيجة فاضحة (11-0)

والد اللاعب القطري، مصري الأصل، في تصريحات تليفزيونية له شارحًا ملابسات خروجه من مصر قال: "رحلت عن مصر بسبب عدم حاجة المسؤولين لي، فكانوا يعينون المدربين بالمجاملات وليس الكفاءة.. ولم يتم الاستعانة بي، رغم أنني أخرجت لمصر العديد من الأبطال"، مضيفًا "لم يكن أحد يعرف فارس حسونة في مصر قبل أولمبياد طوكيو، لكن الجميع الآن يتحدث عنه وعن نجاحه، وسعيد للغاية بردة فعل الجماهير المصرية".

الإنجاز الذي حققه اللاعب المصري - المحسوب على قطر - دفع الكثيرين لتحميل المنظومة الرياضية المصرية المسؤولية في حرمان الدولة المصرية من ذهبية محققة، لافتين إلى أن الفساد الذي نخر في عظم تلك المنظومة واستشراء المجاملات والمحسوبية وفقدان العقليات الإدارية الناضجة وتراجع الاهتمام الرسمي من الدولة، على رأس الأسباب التي تدفع المواهب إلى الخروج للبحث عن فرص لها خارج بلدانها.

مشهد آخر يجسد أزمة التجنيس التي تحولت إلى ظاهرة في مثل تلك البطولات، لكنه مشهد ساخر أكثر منه تراجيدي، حين التقى اللاعب الكندي من أصول مصرية شادي النحاس واللاعب الإماراتي المجنس إيفان ريمارينكو، في مباراة الجودو لوزن تحت 100 كيلوغرام، التي جمعتهما في طوكيو.

واستطاع اللاعب الكندي (مصري الأصل) النحاس، هزيمة نظيره الإماراتي (مولدوفي الأصل)، وواصل مشواره حتى ربع النهائي، الذي تعرض خلاله لخسارة أمام بطل جورجيا، غير أن الأسماء التي لا تعبر عن جنسيات اللاعبين كانت مثار سخرية رواد التواصل الاجتماعي، فلا النحاس يبدو كنديًا، اسما ومظهرًا، ولا ريمارينكو إماراتيًا كذلك.

التطبيع الرياضي.. الشعوب تقول كلمتها

بعيدًا عن شعارات الرياضة للجميع، ولا مكان للأيديولوجيات في الأنشطة الرياضية، تظل السياسة حاضرة بقوة في كل المجالات، لا سيما إن كان الأمر يتعلق بقضية تاريخية محورية إنسانية كالقضية الفلسطينية، هنا لا بد من تدخل السياسة واعتلائها منصة المعايير واللوائح الأخلاقية التي تحدد المشاركة من عدمها.

حالة من الاحتفاء الشعبي بلاعب الجودو الجزائري فتحي نورين، الذي انسحب من المشاركة في الأولمبياد رفضًا لمواجهة اللاعب الإسرائيلي بوتبول طاهار، ضمن منافسات وزن 73 كيلوغرامًا، لافتًا في تصريحات إعلامية له أنه "قرر التضحية بالمشاركة في أكبر حدث رياضي عالمي على التطبيع مع "إسرائيل"، وذلك تضامنًا مع القضية الفلسطينية" على حد قوله.

وكان يفترض أن يواجه اللاعب الجزائري نظيره السوداني محمد العبد الرسول في الدور الـ32 من مسابقة الجودو، والفائز منهما سيواجه اللاعب الإسرائيلي في دور الـ16، بحسب القرعة المحددة من قبل، لكنه انسحب، ليتبعه في الموقف ذاته اللاعب السوداني الذي قرر هو الآخر عدم المشاركة في البطولة والانسحاب منها لنفس السبب.

موقف اللاعبين نال تقدير وإعجاب الشارع العربي الذي يعتبر ما حدث إعلانًا صريحًا برفض الشعوب العربية لقرارات التطبيع مع الاحتلال التي تتخذها حكومات تلك البلدان، فأحد اللاعبين المنسحبين (العبدالرسول) ينتمي إلى السودان الموقع اتفاقية تطبيع مع "إسرائيل" قبل عدة أشهر، وهي رسالة تحمل الكثير من الدلالات.

 

رغم إثارة اللاعبين اللاجئين لإعجاب الجميع على مدار دورة الألعاب في عدد من الرياضيات، فإن الحسرة كانت حاضرة لدى شعوب تلك البلدان التي فقدت أبناءها وحُرمت من تمثيلهم المشرف لها في المحافل الدولية

وتقديرًا لهذا الموقف دعا الناشط الشبابي فادي الشيخ يوسف في حديث مع "القدس العربي" إلى تكريم هؤلاء اللاعبين، والدعوة لإقامة مباريات ودية مع لاعبين فلسطينيين، تكريمًا لقراراتهم التي وصفها بالشجاعة "التي اعتقدنا أنها اختفت بفعل وحل التطبيع الذي وقعت فيه الحكومات العربية"، على حد قوله.

وفي الجهة الأخرى، وبينما كان الشارع العربي يحتفي بلاعبي الجزائر والسودان، كانت اللاعبة السعودية تهاني القحطاني تصر على لعب مباراتها في منافسات الجودو أمام الإسرائيلية راز هيرشكو، وهي المباراة التي خسرتها بنتيجة فاضحة  (11-0).

انتقادات حادة تعرضت لها اللاعبة السعودية بعد خوضها تلك المباراة التي خسرتها رياضيًا وسياسيًا، غير أن موقع "إسرائيل بالعربية" على فيسبوك، علق قائلًا: "صحيح أنها خسرت وفازت منافستها الإسرائيلية بنتيجة (11-0) لكنها كسبت احترام وتقدير العالم بعد شتى الضغوط. تهانينا..".

فريق اللاجئين.. الأوطان تُحرم من أبنائها

من المشاهد التي فرضت نفسها على أجواء البطولة مشاركة فريق خاص باللاجئين، في رسالة أمل وتضامن تبعث بها اللجنة الأولمبية الدولية، فقد اختير 29 رياضيًا لتمثيل فريق اللاجئين في أولمبياد طوكيو، من أصل 56 قدمت لهم اللجنة المنظمة المنح.

ويضم فريق اللاجئين الأولمبي الحاليّ 9 رياضيين من سوريا و5 من إيران و4 من جنوب السودان، إضافة إلى 3 من أفغانستان واثنين من إريتريا، ورياضيًا من كل من الكاميرون والعراق وفنزويلا والسودان والكونغو الديمقراطية، يتنافسون في 12 رياضة مختلفة.

وجاءت فكرة مشاركة فريق من اللاجئين في الأولمبياد خلال دورة لندن 2012، التي شهدت مشاركة العداء غور ماريال اللاجئ المقيم وقتها في الولايات المتحدة في سباق الماراثون كرياضي مستقل، بعد هروبه من جنوب السودان، وما كان يحمل أي جنسية أخرى، ما دفعه للاشتراك كلاعب مستقبل بلا جنسية، الأمر الذي دفع الجمعية العمومية للأمم المتحدة لتبني هذا الملف خلال مناقشتها لأزمة اللاجئين في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وحينها أعلن رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ، إنشاء فريق أولمبي من اللاجئين للمشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016.

وبالفعل شارك 10 رياضيين من جنوب السودان وإثيوبيا، إضافة إلى رياضيين آخرين من الكونغو الديمقراطية وسوريا، في أولمبياد ريو بالبرازيل في العام ذاته، في أول حضور للاجئين في الأولمبياد، فيما تم توفير مخصص مالي لدعمهم بلغ قرابة مليوني دولار كميزانية أولية.

ورغم إثارة اللاعبين اللاجئين لإعجاب الجميع على مدار دورة الألعاب في عدد من الرياضيات، فإن الحسرة كانت حاضرة لدى شعوب تلك البلدان التي فقدت أبناءها وحُرمت من تمثيلهم المشرف لها في المحافل الدولية، بعدما تحولت معظم البلدان العربية إلى دول طاردة لأبنائها لحساب أنظمة الحكم التي تقبض هيمنتها على المشهد برمته.