يأمل سعيد في تلقي الدعم المالي من السعودية

في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تونس، في إطار جولة خارجية لترميم صورته بعد حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده في إسطنبول، قُوبلت الزيارة آنذاك بموجة رفض كبيرة من العديد من الفعاليات في البلاد، التي اعتبرت ابن سلمان غير مرغوب فيه ببلادهم لما يمثله من خطر على أمن واستقرار البلاد، خاصة أن جهات دولية عديدة تتهمه بارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان داخل المملكة وخارجها.

في تلك الفترة قال أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، في إحدى مداخلاته الإعلامية، بعبارة واضحة لا لبس فيها: "ما دام الشعب التونسي الحر يرفض زيارة ابن سلمان لتونس، فعلى الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي أن ينصت لشعبه قبل أن يفتح ذراعيه من أجل مصالح ظرفية"، لكن بعد أن تقلد سعيد الحكم وأحكم سيطرته على كل السلطات في تونس ها هو يستجدي عطف الأمير السعودي "من أجل مصالح ظرفية" ومن غير أن ينصت لشعبه.

مواقف الرؤساء غير مواقف الشعوب

ما حصل مع قيس سعيد، يؤكد وفق المحلل السياسي سليم الهمامي أن "مواقف الرؤساء غير مواقف الشعوب والمواطنين، فقد تغير موقف قيس سعيد الرئيس إلى النقيض، فبعد أن كان يرفض زيارة ابن سلمان لتونس ويدعو الباجي قائد السبسي للاستجابة لأصوات التونسيين، ها هو الآن يذهب إليهم مهرولًا للارتماء في أحضان ابن سلمان".

تأمل تونس في توفير دعم مالي تواجه به الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها خصوصًا بعد تخفيض الترقيم السيادي للبلاد

يضيف الهمامي في حديثه لنون بوست "ما تجدر ملاحظته أن المملكة العربية السعودية بدأت في مغازلة الرئيس سعيد منذ توليه دكة الحكم عبر ضخ لقاحات كوفيد-19 باسم رئاسة الجمهورية ليقع تتويج ذلك بدعمها ما أسماه الرئيس إجراءات استثنائية وما أسماه السواد الأعظم من التونسيين انقلابًا على الدستور والمؤسسات الدستورية، دعم معلن من المملكة وتلميحات من قيس سعيد عن وقوف تاريخي لـ"دولة شقيقة" أمنيًا واقتصاديًا".

وكانت رئيسة وزراء تونس نجلاء بودن، قد أنهت أمس الثلاثاء، زيارتها إلى السعودية، التي انطلقت الأحد للمشاركة في "قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر"، في الرياض، وهي أول زيارة خارجية لها منذ تنصيبها، ورافق بودن في هذه الزيارة وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج عثمان الجرندي ووزيرة البيئة ليلى الشيخاوي، ما يؤكد حجم التطلعات الموضوعة لهذه الزيارة.

المصالح قبل المواقف

رغم أن هذه القمة مخصصة لمناقشة المسائل البيئية في منطقة الشرق الأوسط، فقد اختارت السلطات التونسية المشاركة فيها بوفد عالي المستوى، وذلك بهدف استغلال الزيارة من أجل الحصول على دعم مالي لمجابهة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس.

وسبق أن رحبت السعودية بتشكيل سعيد لحكومة نجلاء بودن في 4 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رغم تحفظ غالبية الدول على ذلك، لكون الحكومة الجديدة لن تعرض على البرلمان لأخذ الثقة، ودعمهما لإجراءات الرئيس التي توصف بأنها انقلاب على الديمقراطية والدستور.

يرى الهمامي أن "زيارة الوفد التونسي لقمة المناخ المتوسطية، وإن كان ظاهريًا هدفها مشاركة دول حوض المتوسط في المشاغل المناخية، فإنها تستبطن استجداءً لمد يد المعونة من دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات وتبييض لانقلاب 25 يوليو/تموز".

وتأمل تونس في توفير دعم مالي تواجه به الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها خصوصًا بعد تخفيض الترقيم السيادي للبلاد على المدى الطويل من "B3" إلى "Caa1"، مع المحافظة على الآفاق السلبية، من وكالة الترقيم الأمريكية "موديز"، الأسبوع الماضي، وتوقف المحادثات التقنية مع صندوق النقد الدولي بهدف الحصول على قرض جديد بنحو 4 مليارات دولار، بسبب عدم الاستقرار السياسي بالبلاد.

وقبل أيام أعلن المدير العام للتمويل والدفوعات الخارجية في البنك المركزي التونسي عبد الكريم لسود، وجود نقاشات متقدمة جدًا مع السعودية والإمارات، من أجل الحصول على موارد مالية، ولم يحدد لسود طبيعة المفاوضات والقيمة المالية التي تناقش.

ذهبت بودن إلى السعودية وعادت إلى تونس كما ذهبت، دون أن تحقق أي شيء إلا الخيبة التي مُنيت بها

يحتاج هذا البلد العربي نحو 5 مليارات دولار لتمويل عجز الميزانية المتوقع، ولسداد القروض الخارجية فضلًا عن مليارات الدولارات الأخرى لدفع رواتب الموظفين الحكوميين، لكن يبدو أن تعبئتهم أصبحت أمرًا صعبًا، خاصة بعد الأزمة السياسية الحادة التي دخلت فيها تونس نتيجة قرارات قيس سعيد في 25 يوليو/تموز الماضي.

وتواجه تونس انتقادات دولية كبيرة، إذ طالب البرلمان الأوروبي قيس سعيد بضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي المتوقف بصورة عملية بعيدًا عن الخطابات، وهو الأمر نفسه بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ونتيجة انقلاب سعيد الدستوري تم تأجيل عقد القمة الفرانكفونية في تونس.

"الانقلاب" على كل شيء

تقول الناشطة تقوى الفرشيشي لنون بوست إن انقلاب قيس سعيد على مواقفه وتغيير مبادئه مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أن يصل كرسي الحكم ويسيطر على كل السلطات في البلاد، أمر متوقع لكل من يتابع تحركات الرئيس قيس سعيد وخطاباته.

وفق الفرشيشي فإن "سعيد انقلب على كل شيء، انقلب على دستور البلاد الذي شارك في صياغته وبلور أهم فصوله ونصوصه وأقسم على احترامه وحمايته، وانقلب أيضًا على من منحوه ثقتهم وصوتوا له في الانتخابات الرئاسية الماضية.

مضيفة "انقلب كذلك على الكثير من تصريحاته السابقة وتنكر لها لأن الأوضاع اختلفت الآن والسياقات تغيرت والصلاحيات التي قدمها لنفسه توسعت، وبالتالي تغيرت المصالح التي تقتضي هي أيضًا تحولات في المواقف".

تؤكد محدثتنا أن انقلاب موقف قيس سعيد من السعودية وحكامها ليس استثناءً وأمرًا واردًا جدًا ومتوقعًا باعتبار أن السعودية من الداعميين الأوائل له ولقراراته الانقلابية، كما أنه لن يكون آخر تلون في مواقف الرئيس وتصريحاته.

هل تستجيب السعودية؟

تخلى قيس سعيد عن مبادئه "في سبيل مصلحة ظرفية"، لكن هل تستجيب السعودية وحاكمها الفعلي محمد بن سلمان لنداءات سعيد؟ يبدو أن الأمر صعب، فزيارة رئيسة الحكومة التونسية للمملكة العربية السعودية بدأت دون المأمول باستقبالها من نائب أمير منطقة الرياض، وانتهت دون أي إضافة.

ذهبت بودن إلى السعودية وعادت إلى تونس كما ذهبت، دون أن تحقق أي شيء إلا الخيبة التي مُنيت بها، ومع ذلك يروج أنصار الرئيس كعادتهم منذ الإعلان عن الانقلاب، شائعات تتعلق بضخ مليارات الدولارات للخزينة التونسية قصد إنعاش الواقع الاقتصادي المتردي.

ترجع عدم استجابة السعودية للنداءات التونسية إلى أسباب عديدة منها خشيتها من توتر علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إن قدمت الدعم للنظام التونسي وأيضًا عدم وجود ضمانات من قيس سعيد لها أن تغري السعوديين.