طفل فلسطيني في قرية لصيفر جنوبي الضفة الغربية المحتلة، حيث يضغط المستوطنون والسلطات الإسرائيلية على السكان منذ عقود لترك أرضهم.

ترجمة وتحرير: نون بوست

تلعب مارية (أربع سنوات) مع إخوتها وأبناء عمومتها على زُحلوقة قديمة معلقة في شجرة زيتون صغيرة وسط قرية لصيفر جنوبي الضفة الغربية المحتلة. تمكنت عائلة أبو قبيطة من إدخال اللعبة إلى هذه القرية الفلسطينية قبل عدة سنوات عبر حاجز عسكري إسرائيلي في "ميتسودوت يهودا"، وهو الطريق الوحيد للدخول والخروج من لصيفر. في مستوطنة بيت يتير الإسرائيلية غير القانونية القريبة من لصيفر، يختلف المشهد تماما، حيث يوجد ملعب كبير للأطفال، بسقف ملون يحميهم من أشعة الشمس.

تمتد لصيفر على مساحة 200 دونم (49.5 فدانا)، كما هو موثق في سجلات من العهد العثماني، ووثائق رسمية إسرائيلية، وهي واحدة من أكثر من اثنتي عشرة قرية صغيرة تشكل منطقة مسافر يطا، جنوبي مدينة الخليل، وهي القرية الوحيدة في جنوب الضفة الغربية التي تقع خارج جدار الفصل الإسرائيلي.

لا يمكن العثور على لصيفر على أي خريطة، ولا تعترف بها سلطات الاحتلال. منذ تأسيس بيت يتير سنة 1979، واجه سكان القرية محاولات جهودا إسرائيلية متواصلة لتهجيرهم ومصادرة أراضيهم. يُسمح لسكان القرية فقط، وعددهم 100 فرد، بعبور حاجز "ميتسودوت يهودا"، لكنهم يتعرضون لعمليات تفتيش مهينة، حيث يتم تفتيش حقائب الأطفال كل صباح وهم في طريقهم إلى المدرسة.

يدخل زوار القرية عبر طريق خلفي ملتف وخطير، ويواجهون خطر الاعتقال أو التعرض لإطلاق النار من الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. في السنوات الأخيرة، عزلت السلطات الإسرائيلية القرية بشكل تدريجي عن محيطها، ومنعت السكان من بناء منازل جديدة. لكن أهالي لصيفر مازالوا يتمسكون بالبقاء على أرضهم.

الكهف أو التهجير

يقول عثمان أبو قبيطة، المتحدث باسم القرية، لموقع ميدل إيست آي: "نحن نعيش في هذه القرية منذ عهد الانتداب البريطاني. اشترى جدي هذه الأرض وعاش عليها وترعرعت عائلتنا هنا. سنواصل العيش هنا، وسنورثها إلى أطفالنا وأحفادنا".

تعتمد عائلة أبو قبيطة على تربية الماشية لكسب الرزق. كانت العائلة في السابق تعيش داخل كهف وسط أرضهم التي تبلغ مساحتها 130 دونما (32 فدانا)، ثم بنوا المنازل مع توسع أفراد الأسرة. أصدرت السلطات الإسرائيلية قرارا بوقف الأشغال وهدمت منزل العائلة في التسعينيات، وأبلغتهم أن أي بناء آخر سيتعرض للهدم أيضا. منذ ذلك الحين، وضعت القوات الإسرائيلية سياجا من الأسلاك الشائكة حول منازل قرية لصيفر، بهدف عزلها عن بيت يتير ومنع توسُّعها.

يقول عثمان (30 سنة) لموقع ميدل إيست آي، إن معظم المنازل مبنية بألواح من الصفيح، ومع ذلك فهي مهددة بالهدم بحجة أنها أقيمت دون الحصول على تصاريح بناء، وهو أمر غير ممكن. يعيش شقيق عثمان الأكبر، مصطفى محمود أبو قبيطة (33 سنة)، في كهف مساحته 70 مترا مربعا مع زوجته وثمانية أطفال. حفر مصطفى الكهف بعد هدم منزلهم المبني من الصفيح.

صورة
الإخوة (من اليسار) مصطفى وعثمان ومحمد أبو قبيطة في كهف يُستخدم كمنزل للعائلة بسبب الحظر الإسرائيلي على البناء في المنطقة.

يقول مصطفى لموقع ميدل إيست آي: "الكهف صغير جدا ولا يسعنا جميعا. لا تملك قرية لصيفر أي بنية تحتية مناسبة. نحن نشتري المياه بشكل يومي ونعتمد على الألواح الشمسية لتوليد الكهرباء. ليس لدينا خيار آخر، إما أن نعيش في كهف أو نفقد أرضنا".

قدمت عائلة أبو قبيطة للمحاكم الإسرائيلية مخطط القرية في محاولة لإيقاف أوامر الهدم التي استهدفت منازلهم، لكن طعونهم رُفضت في آب/ أغسطس. يضيف عثمان: "أصدرت المحكمة مؤخرا أوامر بهدم عشرة منازل. كل منزل عبارة عن مبنى خرساني تبلغ مساحته 50 مترا مربعا. سنقاوم هذا القرار بالوسائل القانونية حتى النهاية. يزعم أمر الهدم أن منازلنا مبنية داخل أرض المستوطنة، لكننا نسأل: كيف يكون هذا صحيحا، وقد تم بناء المستوطنة بأكملها في السبعينيات، بينما كنا نعيش هنا قبل ذلك بعقود؟"

هجمات المستوطنين المتكررة

لا يعدّ قرار منع البناء هو المشكل الوحيد الذي تواجهه عائلة أبو قبيطة. في الواقع، تواجه العائلة اعتداءات يومية من المستوطنين على الأفراد والممتلكات، ويصادر المستوطنون مساحات شاسعة من الأراضي ويحاولون زراعتها لتغيير الواقع على الأرض.

تماما مثل أي ساكن آخر في لصيفر، يقول مصطفى إنه وعائلته مهددون بالطرد في أي وقت، ويتعرضون لمضايقات من المستوطنين في محاولة لحملهم على المغادرة. ويشرح مصطفى قائلا: "المستوطنون يهاجمون بيوتنا كل يوم ويلقون علينا الحجارة. إنهم يهاجموننا ليلا لتخويف أطفالنا".

تصاعدت اعتداءات المستوطنين على الماشية في الآونة الأخيرة، بسبب تداخل المراعي مع الفلسطينيين.

رغم أن عائلة أبو قبيطة حصلت على قرار من محكمة إسرائيلية في أيلول/ سبتمبر يسمح لهم بالوصول إلى قطعة الأرض المحيطة بالمستوطنة التي نجحوا قبل أربع سنوات في إثبات ملكيتهم لها، إلا أن هذا لم يمنع المستوطنين من الوصول إليهم.

يقول عثمان الذي أصيب بجروح في وجهه لموقع ميدل إيست آي: " لقد ذهبنا وأطفالنا إلى هناك بموجب قرار إسرائيلي في 29 أيلول/سبتمبر، لكن المستوطنين هاجمونا وضربونا وألقوا علينا الحجارة، واعتدوا على ماشيتنا ومنعونا من الوصول إلى أرضنا".

لم تتوقف المضايقات عند هذا الحد، فقد تبعهم المستوطنون على الخيل إلى منازلهم داخل القرية، وبثوا الرعب في نفوس الأطفال. ويقول عثمان: "لقد تقدمنا بشكوى إلى الشرطة الإسرائيلية نطالب فيها بمحاسبة المستوطنين، ولكننا فوجئنا بأنهم قدموا شكوى ضدنا، وهو ما أدى إلى اعتقالنا عدة ساعات من قبل الشرطة الإسرائيلية قبل إطلاق سراحنا في النهاية".

اعتداءات على الأطفال

كل صباح، يغادر 25 طفلا، ستة منهم دون السادسة من العمر، قرية لصيفر للذهاب إلى المدرسة في قرية إمنيزل التي تبعد ثلاثة كيلومترات، حيث يمرون عبر حاجز يتم فيه تفتيش حقائبهم المدرسية، ثم يُجبرون على عبور الطريق السريع 316 سيرًا على الأقدام.

رغم أن السلطة الفلسطينية خصصت رسمياً حافلة لنقل الأطفال من قرى مسافر يطا النائية إلى مدارسهم، إلا أن عائلة أبو قبيطة تقول إن الحافلة دائما ما تكون خارج الخدمة، مما يجعل الآباء يصطحبون أطفالهم إلى المدرسة، كي لا يضطروا لعبور الطريق الخطير بمفردهم.

مع أن رحلة حافلة المدرسة نفسها تستغرق أقل من ثلاث دقائق، إلا أن الجنود الإسرائيليين يصرون على خضوعها لعمليات تفتيش يومية تؤدي إلى تأخر الطلاب بانتظام عن حضور فصولهم الدراسية.

كما أن عودة الأطفال من المدرسة إلى منازلهم تشكل خطرا عليهم، وقد حاول المستوطنون أن يخطفوا محمد أبو قبيطة البالغ من العمر سبع سنوات في أواخر أبريل/ نيسان.

يقول الطفل محمد لموقع ميدل إيست آي: "كنت عائدًا من المدرسة ونزلت من الحافلة قرب الحاجز، حينها توقفت سيارة المستوطنين بجانبي وساروا نحوي وحاولوا الإمساك بي، لكنهم هربوا بسرعة عندما وصل والدي وصرخ عليهم".

رغم أن عائلة أبو قبيطة تقدمت بشكوى إلى الشرطة الإسرائيلية للمطالبة بالتحقيق في الحادث، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء.

وقالت روان يوسف أبو قبيطة (27 سنة)، وهي أم لأربعة أطفال، لموقع ميدل إيست آي: "لا يمر يوم لا أشعر فيه بالقلق والخوف على أطفالي. تراودني دائما فكرة أن لا يعود أحدهم إلى المنزل في أحد الأيام".

وتروي روان كيف تعرضت للتفتيش عندما عادت من المستشفى مع أطفالها حديثي الولادة.

صورة
فتاتان فلسطينيتان تلعبان على الزُحلوقة القديمة في لصيفر

وتقول: "قبل سبعة أشهر، عندما كنت عائدة من المستشفى مرهقة بعد إنجاب طفلي الأصغر، وقد أمرني الجنود بالخروج من السيارة والخضوع للتفتيش. كان الجو شديد البرودة في ذلك الوقت، وقد أصبت بنزلة برد أنا و طفلي حديث الولادة، والذي ظل يعاني مشاكل في التنفس حتى يومنا هذا".

تضيف روان: "رغم أن الظروف هنا تزداد صعوبة علينا وعلى أطفالنا، إلا أنه ليس لدينا خيار سوى الثبات، وإلا ستُسلب أرضنا".

خارج حسابات السلطة

تغيب أخبار لصيفر عن وسائل الإعلام المحلية، رغم تسليط الضوء على الوضع في مسافر يطا منذ فترة طويلة. ويلقي سكان القرية باللوم على السلطة الفلسطينية لتجاهلها محنتهم ومعاناتهم مع المستوطنين.

يقول عثمان: "رغم الظروف الاستثنائية التي مررنا بها وتحملناها، لم يزرنا أي سياسي فلسطيني أو مسؤول في السلطة، ربما يعود ذلك لكوننا بعيدين عن الأنظار، وبالتالي يصبح من السهل نسياننا".

ويضيف: "يجب على السلطة الفلسطينية أن تتحمل مسؤوليتها تجاهنا. أرض لصيفر أرض فلسطينية وعلى السلطة الفلسطينية حمايتها واستعادتها". ورغم شعور أبو قبيطة بتخلي السلطة عنهم في كفاحهم ضد المستوطنين والسلطات الإسرائيلية، إلا أنه ما زالوا ملتزمين بقضيتهم.

يضيف عثمان: "لن نترك هذه الأرض، سأموت ويبقى فيها أطفالي وأحفادي". وقد قدم المستوطنون عروضا مالية مغرية لعائلة أبو قبيطة مقابل بيع أراضيهم ومغادرة القرية، لكن رفضتها الأسرة.

ويتذكر عثمان:" ذات مرة عرض عليّ مستوطن مبلغا من المال، حينها أمسكت ببعض التراب وقلت له: لن تحصل حتى على هذه الحفنة من التراب".

ويتابع: "لا بديل لنا عن هذه الأرض، نحن سعداء بالبقاء هنا، ومازلنا صامدين. لن نستسلم رغم كل الصعوبات التي علينا تحملها".

المصدر: ميدل إيست آي