يعيش الفلسطينيون في مدينة القدس المحتلة حربًا حقيقة مع الاحتلال الإسرائيلي تتمثل في الصراع الديموغرافي والجغرافي، ففي الوقت الذي تعتبر الزيادة الطبيعية هي سلاح العرب في المدينة، يتخذ الاحتلال سلسلة من الإجراءات والمخططات سعيًا إلى إفراغ المدينة من سكانها الأصليين، وتحويلها إلى مدينة يهودية خالصة بطراز عصري.

وتعكس الأحداث في القدس المحتلة، خصوصًا في حي الشيخ جراح وسلوان، إلى جانب عمليات الاقتحام اليومية للمسجد الأقصى والسماح بإقامة الصلوات اليهودية الصامتة، حجمَ العمل الإسرائيلي المتواصل لسلب المدينة من سكانها الأصليين وإطفاء الطابع اليهودي عليها.

ويعود جزء من هذه الانتهاكات اليومية إلى مخططات تتعلق بإجراء تغييرات طالبت جهات استيطانية نافذة بإجرائها على القدس المحتلة، وتستند على التغيير الديموغرافي والواقع الجيوسياسي للمدينة، على اعتبار أن هذين المجالَين لهما كل التأثير على واقع القدس الحالي.

تشير الإحصاءات الصادرة عن الاحتلال الإسرائيلي أنه وحتى عام 1967، وقفت النسبة لليهود عند 74% مقابل 26% للفلسطينيين، حيث رُفعت توصيات عديدة لصنّاع القرار برفع نسبة السكان اليهود منذ عام 1968، وأوصت رئيسة الحكومة في حينه، غولدا مائير، برفع نسبتهم 3% حتى عام 1982، وعند عام 1973 وصلت نسبة اليهود 73.5% مقابل 25.5% للفلسطينيين، وهكذا تركزت جهود الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واللجان الحكومية على المشكلة لمعالجة أوضاع القدس لهذا الغرض بالتحديد.

الصراع الجغرافي والديموغرافي في غاية التعقيد، إذ إن الاحتلال في البداية وضع مخططًا يستهدف النزول من معدل 28% لصالح الفلسطينيين قبل عقود إلى 12%.

ومع زيادة معدلات الهجرة اليهودية من مدينة القدس إلى داخل فلسطين المحتلة ووسطها، مقابل وجود زيادة طبيعية فلسطينية وتمسُّك بالبقاء في المدينة رغم كل الإجراءات والممارسات الإسرائيلية القمعية، وصل الاحتلال لقناعة بأن نسبة اليهود في القدس بعد عام 2020 لن تكون كما أقرّت الحكومات الإسرائيلية في سنوات السبعينيات والثمانينيات 70% مقابل 30% من الفلسطينيين، وإنما ستصل نسبة اليهود 60% فقط مقابل 40% من الفلسطينيين.

ومع فشل هذا المخطط، تشير التقديرات الفلسطينية اليوم إلى أن نسبة الفلسطينيين وصلت إلى 38% مقابل 62% لصالح الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، فيما يخشى الاحتلال من الوصول إلى نسبة 50%-50% عام 2030 حال فشل خططه الجغرافية والديموغرافية.

عملية معقَّدة

الباحث في شؤون القدس المحتلة جمال عمرو، يرى أن الصراع الجغرافي والديموغرافي في غاية التعقيد، إذ إن الاحتلال في البداية وضع مخططًا يستهدف النزول من معدل 28% لصالح الفلسطينيين قبل عقود إلى 12%، وهو الأمر الذي لم يتحقق مرحليًّا.

ويقول عمرو لـ"نون بوست" إن المخطط الإسرائيلي الذي وُضِع للقدس وحمل اسم "القدس 2020"، تمَّ إعداده من خلال 60 مخطِّطًا منهم مختصين في علم الديموغرافيا، إلا أن الفلسطينيين أفشلوه بالانفجار الديموغرافي، إذ أصبح عدد السكان الفلسطينيين في القدس 38%، وهو رقم مفزع جدًّا بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين لن يقبلوا به حاليًّا.

ويضيف: "بعد ارتفاع هذا الرقم أعادوا فكرة المطالبة بالنزول إلى 12% لتعداد السكان الفلسطينيين على مساحة 11% من الأرض فقط، عبر إعادة عملية تعريف القدس، وهو أمر بالغ الخطورة إذ بدأ الاحتلال يحاول صياغة مفهوم القدس الكبرى".

مشروع المستقبل

يسعى الاحتلال لتطبيق مفهوم القدس الكبرى عبر ضمّ المستوطنات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، مثل مستوطنات معاليه أدوميم وموشيه أدميم وزئيف، وجعلها جزءًا من القدس المحتلة، وهو ما يعني زيادة جغرافية وديموغرافية لصالح الاحتلال.

ووفقًا للباحث في شؤون القدس عمرو، فإن هذا العمل يعكس مشروع "الضم" الخاص بالقدس والضفة الغربية المحتلتَين، على أن يكون كل جزء مستقل عن الآخر، وهو مشروع عملاق جدًّا يشهد ضخّ مليارات وبناء أنفاق وجسور فيما يحمل اسم "القدس 2050".

أما عن أسباب زحف معدلات الفلسطينيين في القدس من 28% سابقًا إلى 38% حاليًّا، فيُرجع عمرو أسباب ذلك إلى ترك اليهود العلمانيين القدس والاتجاه نحو مدن الوسط والشمال، فيما تحوّلَ الوجود اليهودي للاقتصار على "الحريديم" المتدينين الذين يتكاثرون بشكل كبير.

تشير بيانات المركز إلى أن إجمالي الفلسطينيين الذين تمَّ تهجيرهم من القدس المحتلة بلغ حوالي 73 ألف فلسطيني منهم 47 ألفًا و220 مواطنًا مقدسيًّا.

أما عن الصراع الجغرافي، فيلفت الباحث جمال عمرو إلى أن ما تشهده 6 أحياء فلسطينية متمثلة في حي الشيخ جراح وسلوان، يستهدف إزالتها بشكل كامل وسلبها لصالح السيطرة الإسرائيلية واليهودية في المدينة على الوجود العربي الفلسطيني.

يوجد في بلدية الاحتلال في القدس المحتلة 22 ألف منزل فلسطيني مهدَّد بالإزالة في القدس المحتلة ضمن الأحياء الـ 6، فيما يقدَّر حجم الأموال والغرامات التي تُدفع من قبل الفلسطينيين بنحو 32 مليون دولار شهريًّا بإجمالي سنوي يصل إلى 388 مليون دولار أمريكي، بحسب الباحث عمرو.

وأظهر تقرير أصدره مركز أبحاث الأراضي الفلسطيني في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي هدمت نحو 11 ألفًا و900 منزل منها 7440 مسكنًا في القدس الشرقية فقط، وهجّرت قرابة 73 ألف فلسطيني منذ عام 1967 وحتى نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي

وتشير بيانات المركز إلى أن إجمالي الفلسطينيين الذين تمَّ تهجيرهم من القدس المحتلة بلغ حوالي 73 ألف فلسطيني، منهم 47 ألفًا و220 مواطنًا مقدسيًّا.

محاولات إسرائيلية عنوانها الفشل.. ولكن؟

من جانبه، يقول المحامي المختص في شؤون القدس خالد زبارقة، إن حجم الصراع الديموغرافي يُعتبر المسألة الأساسية التي تتركز عليها كل مركّبات الصراع في القدس المحتلة، إذ إن الصراع على الأرض ليس مقتصرًا على الأرض بل لتقليل الحيّز الجغرافي للفلسطينيين المتاح للتوسُّع.

ويشير زبارقة في حديثه لـ"نون بوست" إلى أن الاحتلال يبذل جهدًا لطرد الفلسطينيين من القدس المحتلة، ودفعهم بهذه السياسات لترك مدينة القدس المحتلة والتأثير على الميزان الديموغرافي في المدينة لصالح اليهود والإسرائيليين.

ويقول المحامي المختص في شؤون القدس: "التضييق على الوجود الفلسطيني والحياة العامة في القدس لا يقتصر على مخططات جغرافية، بل يمتدّ إلى نشر العنف والجريمة ومحاولة نشر الرذيلة، لا سيما أن الاحتلال قلق للغاية من نسبة الفلسطينيين الحالية البالغة 38%، وهو رقم مزعج لهم".

ووفقًا لزبارقة، فإن المخطط الذي روّج له الاحتلال في أعقاب عام 2000، والذي كان يتمثل في "مشروع 2020"، لم يخجل من أن يقول إن أحد أهداف هذا المشروع تقليل نسبة اليوم إلى أقل من 12%، وهو الأمر الذي لم يتحقَّق.

يعمل اليهود "الحريديم" على زيادة معدلات الإنجاب، إذ تتراوح هذه المعدلات في صفوفهم ما بين 8 إلى 10 أطفال يهود.

ويوجد في مكتب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي لجنة المتابعة الديموغرافية، وتتكفل هذه اللجنة برصد الوجود العربي في شتى الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس المحتلة، فيما تمثل الزيادة الطبيعية للفلسطينيين حاليًّا المعيق لتحويلها لمدينة يهودية صرفة أو "خالية من الأغيار" وفقًا للمصطلح التوراتي.

ويؤكد زبارقة على أن السبيل الوحيد للزيادة الفلسطينية في القدس المحتلة يتمثل في الإنجاب فقط، مع عدم القدرة على انتقال الفلسطينيين للعيش في القدس المحتلة بسبب الإجراءات والقوانين الإسرائيلية المجحفة، فيما يواجه الاحتلال معدلات الزيادة السكانية بمحاولات رفع سنّ الزواج وزيادة أعباء الحياة الاجتماعية والاقتصادية ومحاولة جعل تكاليف الزواج باهظة.

وبالتزامن مع هذه المحاولات يعمل اليهود "الحريديم" على زيادة معدلات الإنجاب في صفوفهم، إذ تتراوح هذه المعدلات ما بين 8 إلى 10 أطفال يهود، فيما يسعى الاحتلال لتشجيع هجرة اليهود العلمانيين للمدينة لعدم جعلها مقتصرة على "الحريديم"، وفقًا للمحامي زبارقة.

يحاول الاحتلال أن يؤثر على المعركة باتجاهَين، الأول التأثير على الميزان الديموغرافي الفلسطيني وتقليل التعداد الفلسطيني وزيادة السكان اليهود، بالإضافة إلى المخططات الرامية لإخراج السكان الفلسطينيين في القدس المحتلة الموجودين خارج الجدار في مناطق مثل كفرعقب وقلنديا والرام وبيت حنينا ومخيم شعفاط والعيزرية وأبو ديس خارج إطار حدود المدينة.

سيؤدي المخطط الإسرائيلي إلى نزع صفة المواطن المقدسي عن قرابة 200 ألف فلسطيني يسكنون في هذه المناطق، عبر عزلهم تمامًا عن مدينة القدس بالإضافة إلى الإجراءات التضييقية اليومية المتمثلة في سحب الهويات للمقدسيين الذين يعيشون في الضفة الغربية حاليًّا، وخلق بيئة طاردة للمقدسيين داخل القدس، بينما في الاتجاه الآخر يحاول الاحتلال توفير بيئة جاذبة لليهود والإقامة فيها.