في عام 1999 نظّم فنان سنغالي، مغمور حينها، يُدعى عثمان صو (1935-2016)، معرضًا على جسر بون ديزار في العاصمة الفرنسية باريس، لتعريف الناس بأعماله الفنية المنحوتة، والتي كانت في الغالب تماثيل تجسّد محاربين ومقاتلين من بعض القبائل في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

المعرض كان مقامرة من الفنان المغمور الذي حاول توصيل فنّه بشتى السُّبُل، ويومًا تلو الآخر، تحوّل معرضه إلى قِبلة المُغرمين بالنحت، وبات جسر بون ديزار مقصدًا لفناني العالم، وفي غضون سنوات معدودة تجاوز زوّار معارضه عشرات الملايين من مختلف الأنحاء، وتحوّل صو إلى واحد من مشاهير هذا الفن الذي ظلَّ حكرًا على البيض من أبناء الغرب، ليضع النحت الأفريقي على موائد النقاش والاهتمام العالمي.

ورغم إرجاع البعض لمعرفة العالم بفنّ النحت إلى المصريين القدماء، وهو ما توثّقه رسومهم على العاج والمرمر، وكذلك على جدران المعابد، فضلًا عن مئات التماثيل التي قاموا بنحتها على شكل بعض ملوك الأسر الحاكمة، ومعظمها موجود حتى اليوم، لكن آراء أخرى تشير إلى أن هذا الفن كان أسبق من ذلك.

وتعدّ بلدان غرب أفريقيا من المناطق السبّاقة في هذا الفن، ويعود لهم الفضل في إثراء الإنسانية بآلاف الأعمال المنحوتة التي تستحضر روح القارّة وسحرها وغموضها، كما توثّق تنوع وثراء المجتمعات التقليدية الأفريقية، ثقافيًّا واجتماعيًّا، وهو ما جعلها حتى اليوم واحدة من اللوحات العالمية في فنون النحت بشتّى أنواعه.

يعدّ النحت أقدم فنون العالم على الإطلاق، 4500 سنة قبل الميلاد، حيث يسبق التصوير كونه أحد الفنون الرائدة التي عرفها الإنسان في نشأته الأولى.

في هذه الإطلالة، نلقي الضوء على تاريخ فن النحت في غرب أفريقيا، والنجاحات التي حقّقتها بلدان تلك المنطقة في هذا المجال، بجانب التركيز على التجربة السنغالية كونها من أكثر التجارب إلهامًا في فنون النحت بصفة عامة، والتي تحولت من ممارسات تعبُّدية عقائدية إلى مورد اقتصادي كبير.

أقدم فنون العالم

يعدّ النحت أقدم فنون العالم على الإطلاق، 4500 سنة قبل الميلاد، فهو يسبق التصوير كونه أحد الفنون الرائدة التي عرفها الإنسان في نشأته الأولى، حيث كان الوسيلة الوحيدة المتاحة للتعبير عمّا يدور في النفس البشرية وقتها، وكانت الجدران والأحجار هي لغة الحوار بين بني البشر منذ قديم الأزل.

والنحت اصطلاحًا يُقصَد به ذلك النوع من الفنون المرئية الذي ينتمي في أصوله إلى الفن التشكيلي، ويرتكز على تشكيل مجسّمات ذات أبعاد ثلاثية، ويتّخذ من الثلاثي "إنسان - حيوان - أشكال تجريدية" محورًا أساسيًّا له، وتباينَ هذا الفن من حضارة إلى أخرى، وإن عاشَ فترة ازدهاره الحقيقية في الحضارات القديمة الثلاث: الفرعونية والرومانية واليونانية.

ويعود انتشار هذا الفن إلى توفير الأدوات المستخدَمة في أعماله وتنوعها بما يتناسب مع كافة الطبقات، بدءًا من الحجر الذي يعدّ أصعب أنواع الخامات وإن كان أرقاها وأغلاها وأبقاها عمرًا، مرورًا بالتيراكوتا، ويُقصَد بها حرق الطين في معدن دقيق ثم الرسم عليه، ثم البرونز الذي في الغالب يدخل في تزيين الطين المحروق، وصولًا إلى النحاس الأحمر، الذي يمكن خلطه بالذهب والفضة، ما يعطيه بريقًا وقيمة أكبر، انتهاءً بالخشب الذي يعدّ أسوأ الخامات التي يمكن استخدامها في النحت.

وتتعدد أنواع فن النحت طبقًا للمادة المستخدمة، فهناك نحت بارز على الألواح والحجارة، كلوحة نارمر المتواجدة في مصر منذ 3100 قبل الميلاد، والنحت الغائر على الأخشاب، كما استخدمه المصريون القدماء، هذا بخلاف النحت البارز المجسَّم كالذي انتشر في الحضارة الإغريقية والرومانية ويعدّ أصعب أنواع النحت وأكثرها تعقيدًا.

أما النحت في الفن الحديث فقد شهد موجات متتالية من التطوير في الشكل والمضمون، وهو ما يمكن ملاحظته في المتاحف الحديثة والمعارض الفنية التي يتمّ تدشينها على هامش المسابقات، ومن أبرز أنواع النحت الحديث النحت الصوتي، النحت البيئي، النحت الضوئي والفن الحركي.

أفريقيا.. الريادة والتميُّز

تعدّ أفريقيا من أوائل الدول التي عرفت فنّ النحت بكامل أبعاده وأنواعه، فبعيدًا عن الحضارة الفرعونية والقدماء المصريين، كانت أطراف القارة، شرقًا وغربًا، ساحة كبيرة لنمو هذا الفن الذي نجحت من خلاله القارة في منافسة حضارات الغرب والشرق القديمة.

الاكتشافات الأثرية التي عُثر عليها مؤخرًا في نيجيريا تشير إلى وجود العديد من التماثيل السليمة، والتي كان بعضها بالحجم الطبيعي للأشخاص والحيوانات المرسومة لها.

وأول ما عرفت أفريقيا من فنون النحت كان "النوك"، وهو النحت على الفخار، حيث كان الأفارقة ينحتون شخصيات وحيوانات ورسومات تجريدية على أوانٍ مصنوعة من الفخار الصخري، وكان يطلقُ عليه البعض خاصة في غرب القارة اسم "التراكوتا"، وكانت بدايته عام 900 قبل الميلاد في جنوب الصحراء الكبرى.

الاكتشافات الأثرية التي عُثر عليها مؤخرًا في نيجيريا تشير إلى وجود العديد من التماثيل السليمة، والتي كان بعضها بالحجم الطبيعي للأشخاص والحيوانات المرسومة لها، فبعضها ما زال يحتفظ برؤوسه وأجزاء من الجسم، بجانب الأكسسوارات التي كان يستخدمها البعض من خرز وأساور.

وكشف العثور على أكثر من 160 موقعًا أثريًّا في نيجيريا عن سيطرة النحت على الفخار على هذا الفن في ذلك الوقت، فيما تعود بعضها إلى 1500 عام قبل الميلاد، خاصة تلك التي كان يُستخدَم فيها الكربون المشعّ، وهو ما دفعَ الباحثين إلى حمل حقائبهم لدراسة تاريخ تلك المناطق الثرية بآلاف التماثيل المنحوتة.

من العقيدة إلى الاحتراف

بعيدًا عن الأهداف الروحية والنفسية المتعلِّقة بدوافع هواة النحت، من تهذيب للنفس والتعبير عن المشاعر وإخراج مكامن الروح الخفية في صورة رسومات وتماثيل، فإن رحلة النحت الطويلة في أفريقيا مرَّت بعشرات المراحل، أولها العقيدة وآخرها التجارة والاحتراف وتحولها إلى مورد اقتصادي كبير.

النحات السنغالي، مالك إمباي، يشير إلى أن النحت بداية الأمر ارتبطَ في الثقافات الأفريقية ببعض المعتقدات الدينية والسحر، إذ كان البعض ينحت تماثيل يتّخذ منها آلهة تُعبَد، فيما كان يراها آخرون حماية ووقاية من السحر، وكانوا يؤمنون بدورها في جلب النفع ودفع الضرر، وأحيانًا الحماية من الأرواح الشريرة.

وظلَّ هذا المعتقد هو السائد لدى المجتمع الأفريقي لعقود طويلة، بحسب إمباي الذي يملكُ محلًّا لبيع التماثيل المنحوتة في العاصمة السنغالية، دكار، لكنه مع مرور الوقت وبعد الثورة المعرفية وموجات التوعية المختلفة، تحوّل النحت إلى حرفة تمتهنُها الأُسر ومصدر رزق لقطاع كبير من المواطنين.

وممّا ساعد على انتشار هذا الفن في أفريقيا، توفُّر الخامات المستخدمة، كالخشب والفحم والنحاس وغيرها من الأدوات الضرورية التي تمثّل عقبة أمام الكثير من المجتمعات الأخرى غير المتفوِّقة في هذا المجال، هذا بخلاف السوق الكبير القادر على استيعاب الأعمال النحتية، سواء داخل أفريقيا أو السوق الخارجي في أوروبا وآسيا، حيث الرواج المغري للتماثيل المنحوتة، خاصة من الأحجار والنحاس.

تطغى مجسمات النحت على مظاهر الحياة العامة بالعاصمة السنغالية دكار.

وظلَّ هذا الفن مصدر دخل أساسي لكثير من الأسر في دول غرب وشرق أفريقيا، في ظلِّ المستوى المعيشي المتراجع، الأمر الذي دفعهم للإبداع فيه في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات، فنجحوا في تقديم أروع الأعمال التي نافسوا بها عالميًّا، وفرضت اسم القارّة كواحدة من أكثر البقاع تميزًا في فنون النحت بشتى أنواعه.

السنغال.. ملتقى نحّاتي العالم

ومن بين دول القارة جمعاء، تأتي السنغال لتقدِّم واحدة من أروع التجارب في فن النحت، إذ تستحضرُ تماثيلها روح القارة السمراء وسحرها، كما يتميّز نحّاتوها بالقدرة الفائقة على تجسيد مشاكل وآلام مجتمعاتهم في صورة أعمال فنية قادرة على توصيل الرسائل والدلالات في لحظات قليلة.

جولة واحدة داخل أسواق وميادين العاصمة دكار تشعرك أنك في متحف كبير ممتدّ لعدة كيلومترات، فلا يكاد يخلو شارع من محل لبيع التماثيل والمنحوتات التي تزيّن الشوارع العامة والأسواق الرئيسية، حتى تحوّلت دكار خلال سنوات إلى لوفر أفريقيا وهرمها الشامخ في فنّ النحت.

ن

وفي عام 2013، استضافت السنغال ملتقى أفريقيا حول فن النحت بالقارة السمراء، هذا الملتقى الذي شاركَ فيه فنّانو نحت من دول أفريقية متعددة، بجانب المهتمين من أوروبا وآسيا، وكان يهدف إلى تعزيز القدرات الإبداعية لفناني النحت وتشجيع المشاركين لتطوير فن النحت الأفريقي وتبادل التجارب.

وبفعل كثرة النحّاتين وانتشار فن النحت وتجذُّره، تطغى مجسمات النحت على مظاهر الحياة العامة بالعاصمة السنغالية دكار، حيث عرفت المدينة في عهد الرئيس السابق عبد الله واد تشييد الكثير من التماثيل تعبيرًا عن ارتباطه بالجذور والثقافة الأفريقية.

وتعدّ فترة حكم الرئيس عبد الله واد (حكمَ السنغال فترة 2000-2012) أكثر المراحل التي شهدت فيها البلاد طفرة كبيرة في فن النحت، إذ أولَى الرئيس هذا الفن أهمية كبرى، إيمانًا منه بأنه لا حاضر لأمة لا تتمسّك بموروثاتها التقليدية، ولا مستقبل لها إن لم تعظِّم تاريخها، وفي عهده شُيِّدَ أضخم تمثال في القارة، وهو تمثال النهضة الأفريقية، الذي تمَّ تشييده في 4 أبريل/ نيسان 2010، والمصنوع من النحاس والبرونز، ويبلغ طوله 51 مترًا.

ونظرًا إلى هذا الاهتمام الرسمي، أقبلَ الشباب السنغالي على تعلُّم فن النحت، حتى أتقنوه وبرعوا فيه، وتحوّلَ إلى وسيلة لجني الأرباح، بجانب كونه هواية للبعض، كما أشار محمد آدم، وهو أحد هواة فن النحت، إلى أن صغار السن في السنغال يجدون في هذا الفن ذواتهم وينمّون عبره مواهبهم ويقدِّمون للآخر صورةً عن أفريقيا.

تحول فن النحت الأفريقي إلى مصدر إلهام للمدارس الأوروبية المهتمّة بهذا النوع من الفنون.

وبحسب الفنان التشكيلي آمدو توري، فقد تحوّلَ النحت إلى حرفة تنافسُ الحِرَف الفنية الأخرى، وأحرز تقدُّمًا لم تحرزه بقية الصناعات التقليدية في البلاد، وهو ما توثّقه أرقام وإحصاءات السياحة الأجنبية الوافدة لهذا السوق الكبير، سوق التماثيل النحتية الذي سحبَ البساط من تحت أقدام الأسواق الترويجية المنافسة.

مصدر إلهام للمدارس الأوروبية

تحوّلَ فن النحت الأفريقي إلى مصدر إلهام للمدارس الأوروبية المهتمة بهذا النوع من الفنون، وهناك مدرستان على وجه التحديد كان لهما التأثير الأكبر في المجتمع الغربي، الأولى مجموعة منحوتات قبيلة الفانج (قبيلة واسعة الانتشار على الساحل الغربي لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى)، حيث كانت تتميز منحوتاتهم بالتكامل بين الشكل والوظيفة، كما كانت تمثل رابطًا بين أبناء القبيلة وأسلافهم، وعليه كانت تُعتبر نموذجًا متميزًا في التجريد النحتي.

أما المدرسة الأخرى فتنتمي إلى قبيلة الأمبت (كانت تعيش في وسط أفريقيا، ضمن الحدود الجغرافية الحالية لدول الكونغو والغابون والكاميرون)، وكانت تتميز منحوتاتها بأنها أكثر تجريدية من قبيلة الفانج، وهو ما أبهرَ أوروبا، مجتمعات وأشخاصًا، ما دفعَ البعض للإسراع لاقتناء تلك المنحوتات بأي ثمن.

ومن الشواهد الواضحة على هذا الإبداع الفني والإبهار الأوروبي بالنحت الأفريقي، مسارعة جيكوب أبستين، وهو رجل إنجليزي مقرَّب من بيكاسو، لاقتناء معظم أعمال قبيلة الفانج، فيما سيطرَ الفرنسي شارلز راتون على الغالبية العظمى من منتجات قبيلة الأمبت، ومن خلال هذين الرجلَين ذاع صيت الفن الأفريقي في قارة أوروبا بأكملها.

وكان نتاجًا لذلك أن فرضَ الفن الأفريقي نفسه على موائد الاهتمام الغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث شهدت العواصم الأوروبية والأمريكية على حد سواء عشرات المعارض والفعاليات التي تناولت هذا الفنّ، وتحتفي بفناني القارة، أبرزها "معرض الفن الأفريقي المعاصر" الذي احتضنته لندن عام 2019، ثم انتقل إلى نيويورك ومنها إلى بروكسل.

ضمَّ هذا المعرض أكثر من 3 آلاف عمل فني، لتثبت القارة السمراء أنه لو هيِّئ لها مثل الذي هيِّئ لغيرها، وأنه لولا ما فعله بها الاستعمار، لكانت في مصافّ دول العالم المتقدم في شتى المجالات، كونها تمتلك المقومات والمؤهّلات اللازمة لذلك.