لم يعان المسلمون كأقلية في بلد أوروبي كما عانوا في بلغاريا، هذا البلد البلقاني الذي رغم خضوعه لحكم الدولة العثمانية المسلمة قرابة 5 قرون كاملة (1396- 1878م)، فإنه وتحت الحكم الشيوعي (1945- 1989) الذي لم يتجاوز 45 عامًا أذاق المسلمين ويلات التنكيل والتهجير والعنصرية، ومع ذلك فإن المسلمين استطاعوا فرض أنفسهم كقوة مجتمعية ذات حضور سياسي واقتصادي قوي، ما ساعدهم على الاندماج والتغلغل داخل النسيج البلغاري، في واحدة من أكثر التجارب صعوبة في خريطة الجاليات الإسلامية في أوروبا.

يمثل المسلمون في بلغاريا نحو 13.1% من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم نحو 7 ملايين نسمة، فيما تشير تقديرات أخرى غير رسمية إلى أن النسبة الفعلية تقترب من 25% من البلغاريين، يقسمون إلى ثلاث مجموعات: الأكثرية من أصول تركية بنسبة 60%، يليهم المسلمون البلغار بنسبة 25%، ثم المسلمون الغجر من البدو بـ15%، ويتمركزون في الشريط الحدودي الملاصق للحدود اليوغسلافية واليونانية والتركية، بجانب مناطق دورويس الشرقية وسلانيك.

في هذا التقرير من ملف "مسلمو أوروبا" نلقي الضوء على تاريخ العلاقة الإسلام في بلغاريا، والحضور السياسي والمجتمعي للأقلية المسلمة في البلاد وعقدة التاريخ التي عانت منها السلطات البلغارية ودفع المسلمون ثمنها عشرات العقود، وصولًا إلى أبرز التحديات التي تواجه مستقبل الملايين من أبناء الجالية المسلمة في هذا البلد.

5 قرون تحت الحكم العثماني

عرف الإسلام طريقه إلى بلغاريا عن طريق الدولة العثمانية التي سيطرت على منطقة البلقان نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر الميلادي، وظلت الدولة التي تنتمي إداريًا إلى أوروبا الشرقية تحت الحكم العثماني 500 عام كاملة، استطاعت خلالها توسعة رقعتها الجغرافية حتى باتت إمارة كاملة تم الإعلان عنها رسميًا عقب تدخل روسيا وتوقيع اتفاقية برلين 1878 لتتحول في عام 1908 إلى مملكة بلغاريا.

وفي عام 1909، عقدت المملكة الجديدة معاهدة إسطنبول مع الحلفاء، وبعد خروج الدولة العثمانية من المنطقة إثر حرب البلقان (1912- 1913)، التي قُتل فيها نحو مليونين ونصف مليون مسلم، وأجبر نحو مليون آخرين على الرحيل إلى كلّ من تركيا واليونان، انحازت بلغاريا إلى الألمان في الحرب العالمية الأولى والثانية، لكنها سقطت بعد الخسارة في قبضة الشيوعيين الذين أعادوا تشكيل خريطة الحكم بها وكانت الإطاحة بكل ما هو إسلامي الهدف الأبرز في ظل هذا الحكم الجديد.

الشيوعيون واستهداف المسلمين

ما إن أطبق الشيوعيون أيديهم على السلطة في بلغاريا بمساعدة الروس، حتى مارسوا كل أنواع التعذيب والتنكيل بكل الأقليات الدينية وفي المقدمة منهم الأقلية المسلمة كونها ثاني أكبر العرقيات في البلاد، الأمر الذي دفع مئات آلاف المسلمين إلى النزوح للجبال، وهو ما مهد الطريق أمام أمير بلغاريا حينها فريدناند الأول (1861-1948)، لينصب نفسه قيصرًا على البلاد لمدة عشر سنوات تقريبًا منذ 1908 وحتى 1918.

كان الحكم تحت ولاية فريدناند حكمًا روميًا أرثوذكسيًا، فأجبر المسلمين على تغيير أسمائهم الإسلامية إلى أخرى بلغارية أوروبية، ما أثار حفيظة تركيا حينها، لكن الدعم الذي كان يتلقاه القيصر من عواصم أوروبا حال دون الرضوخ للضغوط التركية، ما تسبب في موجات هجرة متتالية للمسلمين.

وصف الدكتور علي بن المنتصر الكتاني، في كتابه "المسلمون في أوروبا وأميركا" ما واجهه المسلمون تحت سيطرة الشيوعيين بأنه الأشرس والأكثر قبحًا في تاريخ أوروبا الشيوعية، لافتًا إلى أن الحملة العنصرية استهدفت العقيدة الإسلامية في المقام الأول، فدمرت المساجد وأغلقت الكتاتيب ومُنع المسلمون من ممارسة شعائرهم الدينية كالصوم والصلاة، بجانب حظر ختان الأطفال، ومنع تدريس اللغة التركية وبناء المدارس الإسلامية، وهي لغة المسلمين الأولى في ذلك الوقت، بجانب الحيلولة دون احتفاء الأقلية بأعيادهم الدينية.

وبعد سقوط الحكم الشيوعي مع انهيار الاتحاد السوفيتي 1989، تنفس المسلمون الصعداء نسبيًا، إذ ظل الإرث الشيوعي ينخر في عظم المجتمع البلغاري، وإن قوبل بتحديات كبيرة وإصرار قوي من المسلمين على التمسك بالبقاء وممارسة طقوسهم الحياتية مهما كانت الضغوط.

الخريطة الديموغرافية والمذهبية

يعتنق معظم المسلمين في بلغاريا المذهب السني الذي عززه الوجود العثماني خلال خمسة قرون كاملة، وما تلاه من كتلة تركية مسلمة كانت النواة الأولى والكبرى للجالية المسلمة في هذا البلد الأوروبي، هذا بخلاف شريحة ليست بالقليلة من معتنقي المذهب الشيعي الإثني عشري كـ"طائفة الألفيي" المنتشرة في مدن رازغراد وسليفن وتوتراكان في المناطق الواقعة غرب مدينة روسه (شمال شرق).

الحملات المستهدفة التي شهدها مسلمو بلغاريا كان لها صداها السلبي على مستوى وحجم ومظاهر التدين في البلاد، فقد ارتأى البعض أن ينأى بنفسه عن أي طقوس دينية من شأنها أن تهدد حياته وتضعه في مرمى الاستهداف الشيوعي، وظل هذا التخوف مستمرًا حتى بعد سقوط هذا الحكم، ليتحول إلى منهج حياة فيما بعد، حيث يعتبر نسبة كبيرة من البلغار المسلمين أنفسهم "لا دينيين" أو بمعنى آخر "علمانيين" وهو ما أكدته إحدى الدراسات التي جرت عام 2011 وكشفت أن 48.6% من المسلمين متدينون مقابل 41% لا يذهبون للمساجد، فيما أكثر من 59% لا يصلون في المنازل أو في المساجد، الدراسة كشفت كذلك أن 43% منهم يشربون الخمر.

باحثة: المسلمون في بلغاريا علمانيون إلى حد كبير، كما هو حال معظم المسلمين في بلدان أوروبا الشرقية والبلقان

ورغم ذلك يحرص المسلمون على التقاليد الإسلامية في الختان والدفن، فـ88% من عينة الدراسة يختنون أطفالهم الذكور، في مقابل 96% يدفنون موتاهم على الطريقة الإسلامية، فضلًا عن أن الغالبية تصوم رمضان وجزءًا ليس بالقليل يلتزم بدفع زكاة أمواله.

أشارت الأستاذة بالجامعة البلغارية الجديدة، إيفينيا إيفانوفا، إلى أن المسلمين في بلغاريا علمانيون إلى حد كبير، وهو حال معظم المسلمين في بلدان أوروبا الشرقية والبلقان، لافتة إلى أن الدين لا يمثل أهمية محورية بالنسبة للبلغار المسلمين، مستندة في ذلك إلى استطلاع رأي أجراه مركز "بيو" الأمريكي للأبحاث وكشف أن 7% فقط يؤدون الصلوات الخمسة، فيما أشار 22% إنهم يذهبون إلى المسجد مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، بينما ذكر 6% منهم أنهم يقرأون القرآن الكريم مرة واحدة على الأقل في الأسبوع.

عنصرية فجة

رغم أن المسلمين يمثلون ركنًا أساسيًا في النسيج المجتمعي البلغاري، يصل بحسب بعض التقديرات إلى 25% من خريطة السكان الإجمالية، فإن العنصرية والكراهية الفجة تهيمنان على الخطاب السلطوي الموجهة لتلك الأقلية، وهو الخطر الذي حذر منه الكثير لما يترتب عليه من زيادة معدلات التطرف الإسلامي كردة فعل محتملة إزاء هذه السياسة الإقصائية.

وعامًا تلو الآخر منذ سقوط الشيوعية شكلًا قبل 40 عامًا، باتت كراهية المسلمين أحد مكونات السياسة البلغارية الرسمية، وليس هناك أدل على ذلك من تلك التصريحات التي أدلى بها زعيم "الاتحاد الوطني" البلغاري (أحد حلفاء الحكم في البلاد)  زفيزدومير أندرونوف، في 22 أبريل/نيسان 2019 خلال مشاركته في أحد البرامج الحوارية المتلفزة حين قال: "الغجر والأتراك والأرمن واليهود ضيوف في بلغاريا، وإذا كانوا ضيوفًا جيدين، فيمكنهم العيش هنا بسلام"، وهي التصريحات التي كشفت نظرة النخبة البلغارية للأقليات وأنهم ضيوف وليسوا شركاءً في الوطن كما يفترض بحكم عوامل التاريخ والجغرافيا.

العنصرية والكراهية الفجة تهيمنان على الخطاب السلطوي الموجه للأقلية المسلمة التي تصل نسبتها إلى 25%

يقول إسماعيل يعقوب (82 عامًا) يعمل مدرسًا في بلغاريا، إنه اضطر لمغادرة بلاده عام 1984 بعد إقرار الحزب الشيوعي قانون "عملية إعادة الولادة" وهو القانون الذي أجبر المسلمين هناك على تغيير أسمائهم التركية والإسلامية إلى بلغارية، وبات اسمه إليانوف ياكوبوف، مضيفًا في حديثه لموقع "العربي الجديد" أنه كان يخشى حين يلتقي أشقائه التحدث بالتركية حتى لا تتم معاقبته.

أما محمد كهرمان (66 عامًا) المولود في مدينة كرجالي البلغارية، والمقيم في تركيا منذ أواخر الثمانينيات، فيرفض العودة إلى بلغاريا مرة أخرى، لافتًا إلى أنه لا يشعر هناك بالأمان وأن حياته مهددة بين الحين والآخر، منوهًا أن الساعة المركزية في مدينته كرجالي تعزف كل 60 دقيقة نشيدًا عنصريًا يعرف باسم "نشيد إنقاذ بلغاريا من العثمانيين" ويرى أنه رسالة تحذير وإنذار لسكان المدينة ذوي الأكثرية التركية.

الحضور السياسي والمجتمعي

لم يستسلم مسلمو بلغاريا لحملات التنكيل والتهجير الممنهجة، إذ نجحوا في الصمود وعبور تلك المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، واستطاعوا مع مرور الوقت أن يكون لهم حضورهم السياسي الداخلي وأن يكونوا رقمًا صعبًا في خريطة السياسة البلغارية لما يمثلوه من ثقل وكتلة تصويتية ذات تأثير كبير.

البداية كانت عام 1990 حين تأسست حركة الحقوق والحريات مع بدايات الانفتاح الديمقراطي، تلك الحركة ذات التوجه الليبرالي التي تم تدشينها لتمثيل مصالح الأقلية التركية المسلمة في المقام الأول ثم اتسع نشاطها لتشمل بقية الأقليات وتهدف إلى المساهمة في وحدة الشعب البلغاري على أسس المساواة والمواطنة بعيدًا عن الخلفيات الدينية والأيديولوجية التي تعزز الانقسام.

تمثل أزمة الهوية أبرز التحديات التي تواجه الجالية المسلمة في بلغاريا، إذ إنها تعاني من عدم تجانس مذهبي، كونها مقسمة بين سنة وشيعة

ومع مرور الوقت اتسعت رقعة الحركة حتى تحولت إلى حزب سياسي له أرضية جماهيرية كبيرة، ليصبح  ثالث أكبر الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان البلغاري، وله تمثيل نسبي في السلطة الحاكمة، بعدما بات يمثل كل البلغار ويناهض مظاهر الشوفينية القومية.

كما توجد العديد من الهيئات الإسلامية التي تخدم مصالح المسلمين وتراعي شؤونهم، الدينية والاجتماعية، أبرزها: دار الإفتاء والمجلس الإسلامي الأعلى والمؤسسة الخيرية لتطوير الثقافة، بجانب مدارس تحفيظ القرآن الملحقة بالمساجد وعدد من معاهد تدريب الأئمة التابعة للأزهر الشريف.

عقدة التاريخ وإشكاليات الهوية

تتمثل أزمة مسلمي بلغاريا الكبرى في عقدة التاريخ التي تهيمن على التيار القومي الذي لا يتوانى عن رفع صوته العالي بين الحين والآخر، محذرًا مما يسميه "المد الأخضر" القادم من تركيا، إذ يتهم الأقلية المسلمة بأنها امتداد الدولة العثمانية التي تسعى لاستعادة أمجادها مرة أخرى وعليه يجب مناهضة هذا المد بشتى السبل.

في هذا الجانب، يشير الباحث المتخصص بشؤون البلقان، كريم الماجري، في دراسة له نشرها "مركز الجزيرة للدراسات"، إلى تنامي هذا الخطاب في بعض دول البلقان مثل المجر وصربيا وكرواتيا، وأنه وجد آذانًا صاغية لدى الأحزاب السياسية الراديكالية في تلك الدول، الأمر الذي انعكس بالسلب على واقع المسلمين.

الدراسة استندت في مدخلها الأساسي إلى هذا التصريح الصادم الصادر عن زعيم المعارضة ورئيس حزب "نظام، قانون، عدالة" (RZS)، يان يانييف، في 5 مارس/آذار 2009، الذي نقلته الوكالة الرسمية للبلاد، حين قال: "بلغاريا التي تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي تبدو بعض جهاتها وقراها في حاجة ملحة إلى عملية تحرير ثانية من الحكم العثماني"، متعهدًا بالضغط على الحكومة الائتلافية البلغارية لوقف التمدد الإسلامي.

وفي مقابل ذلك جاء رد رئيس الوزراء البلغاري المكلف مارين رايكوف في 23 مارس/آذار 2013: "المسلمون جزء لا يتجزأ من الأمة البلغارية، بقطع النظر عن انتمائهم العرقي والإثني، ولا بد من أن تُقدّم لهم كل الضمانات بأن لا يُسمح لأي أحد باستغلال جراحات الماضي التي آلمتهم طويلًا"، ليضفي شيئًا من التوازن النسبي رغم تصاعد نفوذ القوميين على حساب المسلمين.

وتمثل أزمة الهوية أبرز التحديات التي تواجه الجالية المسلمة في بلغاريا، إذ إنها تعاني من عدم تجانس مذهبي، كونها مقسمة بين سنة وشيعة، هذا بخلاف التمايز الاجتماعي الناجم عن تأرجحها بين الريف والمدن رغم أن الغالبية تقطن الريف والأماكن الحدودية.

وفي السياق ذاته فإن الأقلية المسلمة هناك ليست متجانسة اقتصاديًا، بحسب الدراسة، فبينما يحيا قطاع ليس بالكثير حياة مرفهة ويقطن أماكن ذات خصوبة زراعية واقتصادية جيدة كما هو الحال في مناطقة "دوبرودجا" المعروفة بإنتاجها الغزير من القمح، يعاني قطاع آخر من الفقر الزراعي كمنطقة "الرودوب"، فيما يعتمد سكان الشمال على إنتاج التبغ، وهكذا في ظل عدم وجود رؤية موحدة بين جميع التيارات والمذاهب، الأمر الذي انعكس بطبيعة الحال على قوة وثقل المسلمين في بلغاريا.