من جديد يلقي الاقتتال الفصائلي بظلاله على مناطق سيطرة المعارضة السورية شمالي البلاد، لكن هذه المرة يبدو أن المعارك بين قوى المعارضة المسلحة ماضية في تغيير مناطق السيطرة المرسومة منذ سنوات، حيث دخلت هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة" إلى الميدان في حالة من البغي الجديد على فصائل أخرى وذلك في إطار خطتها للسيطرة على مناطق الرعاية التركية فيما بات يسمى مدن "غصن الزيتون" و"درع الفرات".

يساهم في تحركات هيئة تحرير الشام بعض من تشكيلات المعارضة التي بات لها مصلحة في التحالف مع الهيئة من أجل تقوية حضورها ضد الفصائل الأخرى، ويتساءل البعض عن توقيت هذا الاقتتال الذي يأتي بالتزامن مع تجهيزات في المنطقة بقصد إطلاق عملية عسكرية تحت راية الجيش التركي للسيطرة على بعض المناطق مثل تل رفعت ومنبج وعين عرب وعين عيسى.

اقتتال جديد

في التفاصيل، هاجم عناصر الفيلق الثالث التابع للجيش الوطني السوري مقار لفصيل "أحرار الشام القطاع الشرقي" في ريف مدينة الباب، حيث سيطر عناصر الفيلق على المقار الخاصة بالفصيل الآخر، وشهدت مدينة الباب استنفارًا من الفصائل التابعة للفيلق الثالث، ويضم الفيلق الثالث فصائل الجبهة الشامية وجيش الإسلام وفيلق المجد والفرقة 51 ولواء السلام وفرقة الملك شاه.

وكان "الفيلق الثالث" قد أصدر بيانًا، أكد فيه عزمه على تنفيذ ما صدر من "اللجنة الوطنية للإصلاح" بحق المنشقين عن الفيلق، يذكر أنه في الأسابيع المنصرمة توالت الخلافات بين الفصيلين تطورت إلى اشتباكات راح ضحيتها قتلى وجرحى من الطرفين، في ريف مدينة الباب شرقي حلب.

في هذا السياق يوضح أنس الخطيب الخبير بشؤون الشمال السوري أن "هذه الاشتباكات تأتي على خلفية مشكلة بين الفرقة 32 المعروفة بالقاطع الشرقي في حركة أحرار الشام والجبهة الشامية بعد 5 سنوات من الاندماج بينهما"، ويشير الخطيب في حديثه لـ"نون بوست" إلى أن "الخلاف اشتد منذ أشهر بعد أن قدم القطاع الشرقي 10 مطالب لقيادة الفيلق الثالث (الجبهة الشامية) منها تغيير مندوبيهم في مجلس الشورى، وتسلم إدارة منطقة الباب وجرابلس.

ورغم وجود عدد من الممثلين للفرقة 32 المعروفة بـ(القطاع الشرقي) في مجلس شورى الجبهة الشامية، فإن قيادة الفرقة كانت تشعر بالتهميش، بالإضافة إلى مساعيها لتحصيل المزيد من المكاسب والاستقلالية المالية.

ويضيف الخطيب "لذلك بدأت تطالب بفتح معبر في مناطق وجودها العسكري لتحصل من خلاله على رصيد مالي إضافي، إلا أن هذه التوجهات اصطدمت برفض قيادة الجبهة الشامية، ويبدو أن وجود ظهير للفرقة 32 ممثلًا بقيادة أحرار الشام الحالية وهيئة تحرير الشام شجعها على شق عصا الطاعة دون حساب العواقب".

وقد رفضت الفرقة 32 حكم لجنة الإصلاح الأمر الذي استدعى من الفيلق الثالث أن يتدخل لتنفيذ الحكم عسكريًا، حيث تحرك عسكريًا وسيطر على معظم مواقع ومقرات الفرقة، الأمر الذي كان مطية لتدخل هيئة تحرير الشام لمؤازرة الفرقة، وكان الفيلق الثالث قد أصدر سابقًا بيانًا اتهم فيه قيادة حركة أحرار الشام في إدلب ممثلة بحسن صوفان بالإضافة إلى هيئة تحرير الشام بتحريض الفرقة على الانشقاق والالتحاق بحركة أحرار الشام.

أما "اللجنة الوطنية للإصلاح" فكانت قد أصدرت بيانها بشأن انشقاق الفرقة وحكمت من خلال هذا البيان على أن "مقار ونقاط رباط الفرقة 32 التابعة للفيلق الثالث تبقى تحت سيطرة قيادة الفيلق باستثناء عدة مقار ونقاط تبقى مع المجموعات المغادرة"، مضيفة "المجموعات المغادرة تلتزم بتسليم جميع الذخائر والأسلحة المسلمة لها وفق القائمة في المستودع الاحتياطي إلا ما استهلك منها بأمر من القائد العسكري للفيلق الثالث وإعادة السلاح المحتجز من قبلهم للفيلق"، كما تضمن البيان: "على الفيلق الثالث أن يلتزم بتسديد كل الذمم المالية للمجموعات المغادرة عن طريق اللجنة الوطنية للإصلاح بعد التثبت".

وقد أسفرت الاشتباكات بين الطرفين عن مقتل 10 عناصر على الأقل بالإضافة إلى مقتل 3 مدنيين بينهم طفلة أصيبت بشظايا القصف المتبادل بين الفصائل، بالإضافة إلى إصابات طالت المدنيين الواقعين في منطقة الاشتباكات.

إلى ذلك، أصدر المجلس الإسلامي السوري اليوم الأحد بيانًا "عاجلًا" دعا فيه إلى الوقوف بوجه "هيئة تحرير الشام"، وقال بيان المجلس: "التحرّك العسكريّ لهيئة تحرير الشام "جبهة النصرة" نحو مناطق الجيش الوطني في الشمال السوري المحرّر يُعدّ بغيًا محرّمًا شرعًا بشكلٍ قطعيّ"، وناشد عناصر "هيئة تحرير الشام ألا يكونوا بغاةً ولا جزءًا من هذا العدوان".

وأكد المجلس أن صد عدوان الهيئة "واجبٌ شرعًا على مكونات الجيش الوطني جميعًا، قادةً وعناصر"، مطالبًا جميع أطراف القتال بالالتزام بقرارات "لجنة الإصلاح".

تحرير الشام على الخط

بعد الاشتباكات الحاصلة في المنطقة وجدت هيئة تحرير الشام التي تحاول اختراق المناطق هذه منذ فترة طويلة، الوقت مناسبًا الآن لوضع قدم لها يخولها السيطرة على كامل المنطقة في الأيام القادمة، حيث سيطرت "هيئة تحرير الشام" على معبر الغزاوية من الجانب الخاضع لسيطرة الجيش الوطني على مداخل مدينة عفرين التي تسمى مناطق غصن الزيتون، وأورد نشطاء سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي أن الهيئة دخلت إلى منطقة عفرين بأرتال ضخمة دون أي مقاومة تذكر من الأطراف الموجودة، وباتت أرتال الهيئة تبعد عن مركز عفرين مسافة ليست بالبعيدة.

وفقًا لتقرير نشره "تليفزيون سوريا" فإن "الأرتال تضم عشرات الآليات ومئات العناصر وتحمل رايات حركة أحرار الشام، وقد وصلت إلى بلدة جنديرس جنوب غربي عفرين، بهدف مساندة القطاع الشرقي التابع للحركة"، وبحسب التقرير فإن "النسبة العظمى (أكثر من 90%) من القوة المُقتحمة التي دخلت منطقة عفرين تتبع لهيئة تحرير الشام"، وكانت الهيئة قد سيرت أرتالها من جبل الزاوية إلى منطقة عفرين.

وفي هذا الصدد قال يحيى العمر وهو قائد سابق لحركة أحرار الشام قبل انقسامها: "مجمل هذه الخلافات يمكن حلها بطريقة ما داخل الفصيل، أو بإدخال لجنة من خارج الفصيل كحد أقصى، فيصل الطرفان إما إلى الصلح وإما إلى تفريق بإحسان وهذا أمر مكرر في الثورة وليس بغريب عنها"، ويشير العمر "لكن في هذه الحالة هناك من وجد ضالته في استغلال أخطاء الطرفين لتمرير مشاريعه المشبوهة، من خلال اللعب على وتر استغلال أخطاء الفيلق الثالث لصنع حالة مظلومية عند شباب الفرقة 32، والعمل على تضخيم نزعة الانشقاق عندهم، وهو في حقيقة أمره لا يبتغي نصرتهم وإنما يبحث عن ذريعة لتدخله".

ويوضح العمر "أما مفسدة دخول هيئة تحرير الشام فهي مفسدة عظيمة لا تخفى عمن يملك أدنى درجات الإنصاف والبصيرة، ولقد أثبتت الأيام أنهم لا يتحركون مثل هذه التحركات إلا لمآرب سلطوية، أو لتحقيق مآرب دولية، غير عابئين بدماء المجاهدين المسلمين البتة، فلقد قاتلوا من قبل عشرات الفصائل وسفكوا دماء الآلاف من أبنائها بتهم الردة والانحراف والمصالحات مع النظام ثم ما لبثوا أن أتوا بكل أنواع "الردة" و"الانحرافات" حسب زعمهم التي أنكروها على الفصائل بل بشكل صريح وفج دون أدنى تراجع أو اعتذار!".

أما عن دخول جبهة النصرة إلى مناطق سيطرة الجيش الوطني في هذا الوقت، خاصة أن التحضيرات جارية من أجل القيام بعملية محتملة ضد الوحدات الكردية، يقول أنس الخطيب لـ"نون بوست": "قد يكون لدخول هيئة تحرير الشام إلى عفرين في هذا التوقيت علاقة باقتراب موعد العمليات التركية باتجاه تل رفعت وعفرين، فتركيا رفضت مشاركة الهيئة في المعركة القادمة وهي متضررة بشكل كبير من أي حالة اشتباك وفوضى تسبق العملية".

ويشير الخطيب إلى أن تركيا "كانت تبحث عن الهدوء وشجعت الأطراف على الالتزام بقرار اللجنة الوطنية للإصلاح تفاديًا للتصعيد الذي يؤثر سلبًا على استعداداتها للخطوات الجديدة في سوريا ليس من ناحية التوغل والتوسع ميدانيًا فقط، بل في ترسيخ صورة الهدوء والأمن في منطقة يفترض أن تكون آمنة لاستيعاب مشروع العودة الطوعية".

ويذهب الخطيب إلى أن "تركيا تخوض مفاوضات شاقة مع الجانبين الروسي والأمريكي لتمرير العملية القادمة وهي في هذه المفاوضات بحاجة إلى إقناع الجانبين بقدرتها على ضبط المشهد في مناطق نفوذها وهو ما تحاول الهيئة التشغيب عليه كنوع من الضغط أو التخريب لتحصيل مكاسب من الخطوات التركية القادمة".

بدوره يقول الباحث السوري فراس فحام: "ليس صحيحًا ما يتم تداوله عن التحالف الوثيق بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، فغالبية تشكيلات فصيل أحرار الشام تحتفظ بالمسمى دون الالتزام بقرارات قيادتها الحاليّة المتحالفة مصلحيًا مع الهيئة. وأيضًا، فإن القول بموافقة الجانب التركي على توغل الهيئة في عفرين غير دقيق أبدًا"، ويضيف فحام "هيئة تحرير الشام دخلت يوم أمس إلى عفرين تحت اسم أحرار الشام، وهذا يفسر سبب عدم إجهاز الهيئة على أحرار الشام رغم تجريده من كامل أسباب قوته ومصادر تمويله في إدلب، المطلوب هو الاحتفاظ بالمسمى لتوفير هامش مناورة عند اللزوم".

ويرى فحام أن "ما يجري هو امتداد لسياسة تكريس المشاريع الخاصة والفردية وتقديم طموحات القيادة على حساب المصلحة العامة، فنجد الجماعة أو التنظيم ذاته يقاتل تنظيمًا آخر ثم يتحالف معه لاحقًا عندما تقتضي المصلحة الخاصة، فلا القتال الأول ولا التحالف النهائي كانا هدفهما الصالح العام"، مشيرًا إلى أن "الفوضى التي تسود شمال غرب سوريا تصب دومًا في مصلحة تدعيم دعاية النظام السوري وتنظيم قسد، وهما أكثر من يحارب فكرة إنشاء منطقة آمنة بموافقة دولية".