ترجمة وتحرير: نون بوست

أصبحت مصر وجهة رئيسية للأموال الساخنة من خلال ربط عملتها بالدولار وامتلاك أحد أعلى معدلات الفائدة في العالم بعد احتساب التضخم. لكن بعد خمسة أشهر من آخر تخفيض في قيمة الجنيه، يقول المستثمرون إن البنك المركزي بحاجة إلى إضعاف العملة مجددًا قبل عودتهم إلى السوق المصرية، وذلك بعد سحب نحو 20 مليار دولار من سوق الدين المحلي منذ بداية العام. ومن جهته، نفى البنك المركزي احتمال حدوث جولة ثانية من تخفيض قيمة العملة.

يرى إدوين غوتيريز، رئيس الديون السيادية للأسواق الناشئة في شركة "أبردين" في لندن، أن "القاهرة يجب أن تتقبل فكرة تخفيض قيمة عملتها أكثر. فلا أحد يريد الدخول بتعديل غير كامل لسوق العملات الأجنبيّة".

صورة

يعد تباين الآراء بشأن هذه المسألة علامة على التحديات التي تنتظر الاقتصاد المصري. وفي ظل تقلب تدفقات رأس المال العالمية، بحثت السلطات عن الاستثمار والودائع من حلفائها الخليجيين الأثرياء بينما تشكك في الاعتماد على تجارة المناقلة التي كانت تدر سابقًا أرباحًا للبلاد.

مع ذلك، تحتاج مصر إلى استعادة ثقة المستثمرين مرة أخرى في خضم ما تسببه صدمات الطاقة والغذاء جراء الغزو الروسي لأوكرانيا من ضغط على مواردها المالية. ومع إغلاق أسواق رأس المال الخارجية، تسعى الحكومة للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي الذي يفضل سعر صرف أكثر مرونة.

دفعت ضغوط الأسعار بالفعل المعدلات الحقيقية للبلاد إلى ما دون الصفر، إذ فقدت السندات المحلية 2.3 بالمئة من قيمتها هذا الشهر مما يجعل أداءها الأسوأ في الأسواق الناشئة بعد ديون الأرجنتين، وذلك وفقا لمؤشرات بلومبيرغ.

مع قرار البنك المركزي الاجتماع يوم الخميس، قد يكون الآن هو الوقت المناسب للتحرك، وسط توقّع معظم الاقتصاديين الذين استطلع موقع بلومبيرغ آراؤهم ترفيع سعر الفائدة للمرة الثالثة هذا العام. ويشير تسعير المشتقات الماليّة إلى أن المستثمرين كانوا يستعدون لخفض حاد لقيمة العملة خلال اجتماع هذا الأسبوع، وقد كتب غيرغيلي أورموسي، محلل الأسواق الناشئة في بنك سوسيتيه جنرال إس إيه، عن ذلك في مذكرة.

يحاول البنك المركزي حتى الآن طمأنة المستثمرين، وقد نفى نائب محافظ البنك جمال نجم أي خطط لتعويم العملة قائلا إن مصر تتمتع باحتياطيات قوية من النقد الأجنبي بينما ساعدت قرارات تنظيم الواردات في التغلب على فجوة الدولار في البلاد، وذلك حسب ما ذكرته وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية.

ومن بين دلائل عودة الإقبال على الأصول المحلية، ارتفاع الحيازات الأجنبية من سندات الخزينة المصرية في حزيران/ يونيو للمرة الأولى منذ شباط/ فبراير على الأقل وفقا لما تظهره أحدث البيانات الرسمية.

صورة

وفقا للمستثمرين والمحللين، إليك ما هو على المحك في مصر:

ما حقيقة توقعات تعويم الجنيه المصري؟

صرحت السلطات المصرية في آذار/ مارس بأنها لجأت إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد. وقد ساهمت التكهنات بشأن مطالبة هذه الجهة المقرضة بقدر أكبر من مرونة العملة كجزء من الشروط المرتبطة بالحصول على حزمة جديدة من القروض في تخفيض قيمة العملة إلى مستوى قياسي.

صرح بول غرير، مدير الأموال في "فيديليتي إنترناشيونال" التي تتخذ من لندن مقرا لها، الذي يدرك خطورة تراجع العملة المصرية والديون المحلية بأن "البيان الأخير من صندوق النقد الدولي لمّح إلى استياء واضح من افتقار سعر الصرف إلى المرونة قبل أي برنامج قرض جديد محتمل. وتحقيقا لهذه الغاية، نتوقع أن يواصل المصريون إضعاف عملتهم".

إلى أي مستوى يمكن تخفيض قيمة الجنيه؟

تختلف الآراء بشأن هذه النقطة. تحتاج العملة إلى التراجع بنحو 23 بالمئة لمساعدة الاقتصاد على التكيف وتقليص فجوة التمويل في مصر، وذلك وفقًا لبلومبيرغ إيكونوميكس.

يجادل كل من بنك دويتشه إيه جي ومجموعة غولدمان ساكس، بناءً على سعر الصرف الفعلي الحقيقي، بأن قيمة الجنية مبالغ في تقديرها بنحو 10 بالمئة في حين يعتقد بنك سيتي غروب أن العملة مقوّمة بأعلى من قيمتها الحقيقية بنسبة 5 بالمئة.

رغم تراجع قيمة العملة بأكثر من 15 بالمئة في آذار/ مارس، إلا أن ارتفاع الدولار الأمريكي منذ ذلك الحين قد أثّر على عملات الشركاء التجاريين لمصر وغيرهم من الأقران في البلدان النامية لاسيما أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لا ينفك عن الترفيع في أسعار الفائدة.

وبدلاً من توقع وصول الجنيه إلى أي مستويات محددة، يبحث المستثمرون عن "مجرد حركة في الاتجاه الصحيح من شأنها أن تمنح صفقة صندوق النقد الدولي دفعة وتعطي المستثمرين الثقة في أن نزيف أسعار صرف العملات الأجنبية سيتلاشى"، وذلك حسب شركة أبردين التابعة لغوتيريز.

لماذا تحجم مصر عن خفض قيمة عملتها؟

من شأن إضعاف الجنيه أن يساعد في تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات في مصر وجعل فجوة التمويل أكثر قابلية للإدارة، إلا أنه سيؤدي أيضًا إلى ارتفاع معدلات التضخم.

من جهته، يرجّح بنك دويتشه أن تميل مصر إلى خفض قيمة عملتها تدريجيًا إذا تضمنت صفقة صندوق النقد الدولي التزامًا بمزيد من المرونة في سعر الصرف. وحسب ما ذكره آنا فريدمان وكريستيان ويتوسكا من دويتشه بنك ريسيرش في تقرير  فإن "البنك المركزي المصري يواجه تحديا صعبا وموازنة أصعب".

كيف سيتحرك البنك المركزي؟

نظرًا لضغوط الأسعار المتزايدة، من المرجح أن يُرفّع البنك المركزي سعر الفائدة على الودائع من 11.25 المئة يوم الخميس لجذب رأس المال الأجنبي وترسيخ توقعات التضخم، وذلك وفقًا لبنك دويتشه وسوسيتيه جنرال.

فاجأ البنك المركزي معظم المتنبئين خلال شهر حزيران/ يونيو بإبقاء المؤشر القياسي دون تغيير بعد بلوغه زيادة قياسية هي الأعلى لما يقارب نصف عقد في الشهر السابق.

قال أدريان دو تويت، مدير أبحاث اقتصاد الأسواق الناشئة في ألاينس بيرنشتاين، المقيم في لندن: "قد يكونون قادرين على إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، لكنني لا أعتقد أنهم سيكونون قادرين على منع تراجع قيمة العملة".

المصدر: بلومبرغ