"جميعنا في جزء ما من أنفسنا نعيش وراء الزمن، ربما أننا لا نَعي عمرنا إلا في لحظات استثنائية، وأننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار".

هكذا يبتدأ كونديرا لوحته الفريدة "الخلود" وهو يمهّد فيها لأسلوبه الفريد في الرواية، ليس هناك بداية لأي حدث معين، قد يبدأ من المنتصف ويتركك  تترنح بين الماضي والمستقبل رغم أنك لازلت هاهنا مكانك في حاضر غير معروف تحاول تفسير الصدف والصور والقصص معه، وتصل معه في كل هذا إلى الخلود كفكرة تتجسد بصور غير منطقية، انطلاقًا من أن الحياة أصلاً كما يقول هي أكبر الأفكار/ الأشياء/ غير المنطقية.

تتحدد درجة الجمال في بنيان الروائي بقدرته على لمس تشابكات حياتية وتأملات واقعية وعصية في ذهن القارئ،  ووضعها أمامه وتحليلها وتفكيكها كصورة كاملة، ومن ثم إعادة تركيبها بالصورة الأقرب لتقبل عقله وواقعه.

وفعليًا عدد الروايات التي تجاوزت هذا التحدي قليلة جدًا، فهي وإن لامست بعض الالتباسات، لم تجعل منها سوى جسمًا طافيًا على السطح قامت بتكثيفه دون أدنى اعتبار لحله أو تحليله.

رواية الخلود لميلان كونديرا تضعنا أمام هذا الظهور المجازي لأسئلة الذات وتُشكّل ملامحها بدقة، من خلال بناء روائي فريد يقوم على عدة شخصيات قام بتنحيتها، بعيدًا عن المركزية، ومنعها من احتكار الأحداث والتفاصيل، بحيث قام السرد على مصاحبة الشخصية وليس محاكاتِها، تارة بالاستغراق بها وتارة بالانتقال بها إلى الظل من أجل ترك فرصة لفهمها وتأويلها، وشكّل من هذه الشخصيات المختلفة (أنييس، روبنس ، لورا، بول، محادثات غوته وهمنغوا، منعطفات أفيناريوس، والتباسات الراوي) مجموعة من القصص المستقلة التي تعود لتتقاطع في فكرة وفلسفة عميقة، كجزء من التوليفة نفسها.

وبهذا، يترك كونديرا للقارئ التأمل في نتائج الأحداث، تركيب الشخصيات وتفاصيلها، بحيث يتلذذ هذا القارئ بكل المنعطفات والأحداث البطيئة، وبالاستطرادات والوقفات الفلسفية، مبتعدًا به عن الفن السردي المعتاد الذي يلتزم قاعدة التواتر الدرامي، ويحول عناصر الرواية  إلى مجرد مرحلة بسيطة تقود إلى النهاية.

على العكس، جعل كونديرا من الرواية دربًا استكشافيًا لكثير من المعاني عن طريق تمثيلها بشخصيات لامركزية، فيها نوع من الانسجام المستمر وفي الوقت نفسه متغير، وكلّ ما يجمعها في النهاية هو تقارب المعنى الذي  تجوبه وتبحث عنه.

رواية الخلود مليئة بالانصهارات المعقدة للإنسان الذي يتحول ويتبدل طوال مسيرته في هذه الحياة، بحيث تضعنا أمام السؤال الوجودي التأملي الأشبه بومضات متفرقة موزعة على الرواية تشترك جميعها بالبدء بفخ الأنا وسؤاله، محاولة تحديه، والخروج من محدداته وكل ما يعيقه عن التمدد والخلاص والخلود.

من الناحية الجمالية، الرواية الكونديرية البعيدة عن المسار المستقيم للقصة، والشبيهة بشبكة من التفاصيل التي تشكل دروبا عديدة، تُعد الأقرب إلى التعبير الصادق عن النفس البشرية المنجدلة على نحو لصيق بواقعها، وأسئلتها الفلسفية وكل أحلامها ورؤاها العميقة.