بعد النكبة الفلسطينية الكبرى التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948م باحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وطرد سكانها بشكل قصري وتهجيرهم إلي مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ودول الجوار (الأردن وسوريا ولبنان .. وغيرها )، وهو الأمر الذي جعل منهم لاجئين لا يملكون أياً من مقومات الحياة، الأمر الذي دفع بالأمم المتحدة للعمل بشكل عاجل عبر " وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " على تقديم المساعدات الإنسانية والحياتية للاجئين في مناطق اللجوء، وتكفلت بموجب ذلك بإصدار بطاقات خاصة عُرفت بين اللاجئين باسم " بطاقة التموين"، وفرت من خلالها أهم المستلزمات الحياتية من مأكل ومشرب وملبس وتعليم وصحة.

استمر عمل الأنروا على هذا النحو حتى السنوات الأخيرة، حيث بدأ من الواضح أن الوكالة بدأت تعمل على تغيير سياسيتها التي أنشأت من أجلها، فلم تعد خدمات الإغاثة بحجم التحديات الموجودة على الأرض كما لم تعد فرص التشغيل للاجئين الفلسطينيين توفر كما في السابق، وكانت دائماً حجة إدارة الأنروا هو العجز المالي، وبهذه الحجة قلصت الأنروا من خدماتها للاجئين الفلسطينيين بشكل كبير وغير معقول من منظمة دولية بحجم الأمم المتحدة، وخاصة أن هذه التقليصات ضربت أكثر القطاعات حيوية مثل ( الصحة ـ التعليم ـ الإغاثة ـ التشغيل ).

لكن أخطر فصول هذا التحول في سياسة الأنروا تجاه اللاجئين الفلسطينيين وخاصة في قطاع غزة المحاصر بدأت منذ العام 2007م، حين أقحمت الأنروا نفسها كمؤسسة إنسانية دولية في أتون المناكفات السياسية بقصد أو بدون قصد، فرفضت التعامل مع الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة على الرغم من أنها الحكومة التي حصلت على ثقة التشريعي المنتخب من الشعب الفلسطيني، بينما هي نفسها تتعامل مع حكومات أخرى في دول العالم تحت مسمى ( حكومة الأمر الواقع).

كما أقدمت الوكالة على فصل عدد من المدرسين والعاملين فيها، بحجة الانتماء السياسي وتحديداً لحركة حماس، وهو ما أدخلها في أتون مواجهة مع نقابة المعلمين فيه الوكالة دون جدوى، وهو ما جعل الكثير من علامات الاستفهام تدور حول طبيعة عمل هذه المؤسسة الإنسانية، ليس ذلك فحسب بل إن وكالة وغوث اللاجئين الفلسطينيين والتي من المفترض أن تقف بقوة إلي جانب المنكوبين من أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع المحاصر، والذي تزداد فيه نسبة الفقر عن 80%، بينما تتضخم معدلات البطالة، وجدت أن الوقت مناسب الآن لإيقاف الكثير من برامج التشغيل المؤقت لأرباب الأسر وخاصة من العمال، وكتفت بالإعلان عن بضع مئات فقط من فرص التشغيل لذر الرماد في العيون.

تقدم وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين مساعدة عينية للاجئين من سكان القطاع في دورة ربع سنوية كمساعدة لهم في ظل الظروف الراهنة، وهو أمر جعل الكثير من العائلات تجد ضالتها من المواد الأساسية من هذه المساعدة، والتي هي واجب وليس منة من الوكالة على اللاجئين، إلا أن قراراتها المتلاحقة بتقليص أعداد المستفيدين من هذه المساعدات كانت تعرض دائماً السكان في القطاع لكثير من الضرر الاجتماعي خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وغلاء الأسعار، ونقص المواد الأساسية في السوق.

ولقد شكل القرار الأخير لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين أكبر دليل على استمرار الوكالة في نهجها المُهين وسياستها المتعمدة في إذلال اللاجئين في قطاع غزة، حين أعلنت عن وقف تقديم مساعداتها الغذائية الطارئة لنحو 13 ألف أسرة فلسطينية، خاصة أن هذا التقرير تزامن مع تشديد الحصار على القطاع، وهدم الجيش المصري لكافة الأنفاق التي تعد شريان الحياة الوحيد المغذي للقطاع، ونفاذ الكثير من السلع الأساسية والحياتية في الأسواق المحلية، وهو الأمر الذي من شأنه مضاعفة تردي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية على السكان المحليين، دون أن تراعي إدارة الوكالة الحالة الاستثنائية التي يعيشها سكان القطاع، ولئن بررت الوكالة قرارها هذا بأنه استهدف الموظفين في القطاع العمومي، فهذا المبرر لم يعد كافياً في ظل تدني الرواتب وتضخم الأسعار وشح المواد الأساسية، وفي نفس الوقت عدم تلقي الموظفين خاصة من حكومة غزة إلا لنصف راتب لهذا الشهر.

إن اللاجئين الفلسطينيين مطالبين اليوم بضرورة الوقوف في وجه السياسة الجديدة لإدارة وكالة الغوث، ووضع حد لهذه الممارسات المذلة التي يتعرضون لها، كما أن إدارة الوكالة مطالبة بالوقوف أمام مسئولياتها الأخلاقية والإنسانية، وأن لا تكون جزءً من منظومة الحصار الخانق على السكان المدنيين في قطاع غزة.