ككل المحاولات السابقة يضطلع "الظل" بتنفيذ ما يعجز عنه "الركن" الأصيل، القضية بكل أبعادها تبادل للأدوار، وخطة محكمة للهجوم ليسهل الدفاع، ففي نظام كرة القدم أفضل وسيلة للدفاع: الهجوم.

وبما أن السياسة لعبة فثمة تشابه في القوانين والأنظمة، هنا العبادي يأمر برفع حظر التجول في بغداد بعد سنوات من فرضه، وفي المقابل ميلشيات ترحب بالخبر، لكن على طريقتها بتفجيرات فيمن رفع عنهم الحظر، صورة أخرى: قرب الانتهاء من الإعداد لمؤتمر تصالحي كبير برعاية رئيس الوزراء الحالي، في المقابل: اغتيال أحد رجالات المصالحة وهو الشيخ قاسم الجنابي.

العملية نسميها: تبادل أدوار وخبرات، فالعمل السياسي المستقل عن البندقية لم يعد يؤتي ثماره المرجوة في عالم يحكمه السلاح وبالأحرى الميلشيات.

المعادلة السياسية تقتضي أيضًا إشراك أكثر من جهة مسلحة للمرواغة بما أن السياسة هنا مشتبكة ومترابطة مع العمل المسلح، فتجربة جيش المهدي السياسية العسكرية لم تكن لتنتهي إلا بخروج فصيل آخر يلعب الدور ذاته، لينخرط الأول بالسياسة ويكمل الآخر المشوار، والخزعلي امتداد للبطاط، وهما يكمل أحدهما الآخر، فالأول أداة ضغط داخلية وبعنف، والثاني ظاهرة صوتية مجال عملها الخارج بل السعودية على وجه الخصوص، والواجهات الأخرى المكملة لا تعترف بالعمل السياسي المجرد بدءًا من حزب الدعوة الداخلي والخارجي مرورًا بالمجلس الأعلى، فالفضيلة، وباقي الكيانات والأحزاب، فلم يعد مقبولاً المضي بعمل سياسي ما لم يسنده سلاح.

في المعسكر الآخر القضية مختلفة فثمة انفصال، بل تقاطع، بين الجبهتين السياسية والعسكرية، ربما البداية من الحزب الإسلامي ومؤتمر أهل العراق وما تجمع حولهما من "التوافق" وما تبعهم من كيان "متحدون" وهم يمثلون الواجهة السياسية لأهل السنة والجماعة في العراق، يقابلها في ذات الطرف: الجيش الإسلامي، كتائب ثورة العشرين، كتائب صلاح الدين، جيش الراشدين، ودواليك تسميات لها أول وليس لها آخر.

ما ميز التجربة وما مايزها: محاولة "التكاملية" التي غالبًا ما كانت تصطدم بالواجهة الظاهرة الذي يطلب منها أن تنفذ ما تريده المخفية غالبًا، وبعضه كان تعجيزيًا وغير واقعي، ولعل تجربة مغادرة الحكومة أو التهديد بالاستقالة ضريبة لايزال أهل السنة يدفعون ثمنها غاليًا، وما ترتب على ذلك من إدارة وزارات بالوكالة عبر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والتي يتجرع المكون غصصها حتى اللحظة.

ما تبقى من واجهات ظهرت حينها، حاولت جاهدة لكنها لم توفق، وتجربة مجلس شورى أهل السنة والجماعة الشاهد الأبرز في المحاولات التجميعية، سبقتها تجربة يمكن نعتها بالفشل وهي هيئة علماء المسلمين التي أمسكت بالعصا من الوسط، في كل مراحل عملها، ولم تزد الواقع المؤلم إلا ألمًا إلى ألمه.

المقارنة والموازنة ها هنا كفيلة بتوضيح تفوق الطرف الشيعي في اللعبة وعلى كل الأصعدة، والواقع يشهد الآن عبر التمثيل من جهة وعدد المقاعد متجاوزين الجدلية المستمرة بالأغلبية التي يتغنى بها السنة وربما تكون جزءًا من الحقيقة.

الصراع الأكبر الآن ظهور جبهة مختلطة سنية وشيعية تنادي على الأساس العرقي والقومي يتزعمها غسان العطية ومئات انخرطوا معه، مؤدى هذه الحركة أن يكون ثمة واجهة عربية من السنة والشيعة لاستحصال ما وصفه حقًا، وحوار يمثل اختزال الواقع بطرفين: عربي وكردي.

وهذا مخطط خطير، يهدف إلى سلخ الأكراد من سنيتهم، ودفعهم دفعًا إلى الاصطفاف القومي، مقابل العرب السنة، وهنا ينبغي للعقلاء الانتباه إلى مثل هذه المخططات التي يحاول أصحابها التمويه والتغيير لتحصيل المراد.

المعادلة معقدة ومتراكبة، تحتاج الكثير من التنازلات على الأقل في الجبهة السنية المختلفة، ولعلنا استبشرنا خيرًا باللقاء الأخير الذي جمع النخب السياسية السنية الممثلة بالنجيفي والجبوري بالمجمع الفقهي لكبار العلماء في مقر الثاني بغية الوصول إلى مشتركات تكاملية بين الشرع والسياسة، وقد تحصل قريبًا.