تراكم أزمات اجتماعية واقتصادية وأيضًا سياسية في عالمنا العربي جعلت الجماهير تتحرك وأدت إلى ما رأيناه من انتفاضات أُطلق عليها الربيع العربي؛ سقط على إثرها أنظمة وزعماء عاشوا طيلة عقود ملئ السمع والبصر.

بعد سنوات من هذا الربيع وجدت الشعوب أن حصيلة التغيير التي تحققت ضئيلة جدًا مقارنة بطموحاتهم السابقة، بل عادت الأنظمة السابقة لتمارس تأثيرًا على السلطة بشكل مباشر أو عبر آخرين.

فتونس مهد الربيع العربي، عاد رجال النظام القديم لسدة الحكم من الباب الواسع وعبر الانتخابات التي حققوا فيها فوزًا كبيرًا، إلا أن الرئيس زين العابدين الذي أقصته الثورة غاب عن المشهد رغم عدم تمكن الثورة من محاسبته أو الإمساك به بعد فراره إلى السعودية إبان الثورة ومازال بها حتى اليوم.

في المقابل نجح المصريون في الإمساك بالرئيس مبارك ووضعه في قفص الاتهام ووقوفه أمام القضاء في مشهد اُعتبر تاريخي ومحاكمة سُميت بمحاكمة القرن، لكنهم فشلوا في إدانته وتفاجأوا به حرًا طليقًا بعد توالى أحكام البراءة التي حصل عليها هو وكامل أفراد نظامه، الأمر الذي اُعتبر ردًا لكرامته بل وتم عقاب من خرجوا ضده فوضعوا مكانه في الأقفاص ذاتها، حدث هذا عندما وصل الجيش الذي كان مبارك أحد قادته إلى السلطة.

أما عن اليمن، فخروج الرئيس علي صالح من السلطة والذي جاء بشق الأنفس وبعد طول بال من الثوار جاء أيضًا باتفاق خليجي يحفظ له كبريائه ويضمن له عدم المحاسبة بل واستمرار تأثيره ونفوذه كأحد أهم اللاعبين في المعادلة المتشابكة في اليمن، صالح والذي تورط بعد ذلك في دعم الحوثيين ضد الرئيس هادي نائبه السابق وبعد العاصفة التي تمطر بها السعودية سماء الحوثيين إلا أنه مازال عاملاً مؤثرًا قد يكون جزءًا من حل الصراع اليمني وفي كل الأحوال فإن الحديث عن محاسبته أو إهانته لم يعد ذا قيمة لدى أحد في ظل انشغال الجميع بالصراع الدائر هناك.

ينبغى كذلك ذكر الانتفاضات الأقل تأثيرًا مثل تجربة المغرب والتي نجح الملك محمد السادس في احتوائها مبكرًا بإقراره حزمة من الإصلاحات وصل على إثرها حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكومة وحقق الأمازيغ عدد من مطالبهم؛ الأمر الذى حافظ للملك على نظامه مستقرًا، في المقابل محاولات انتفاضة الجماهير في الأردن والبحرين ورغم اختلاف ظروف البلدين فشلت في التأثير على النظام في كلا البلدين اللتين حافظتا على استقرارهما واجتيازهما الربيع دون تأثير يذكر.

التجارب الأعنف في الربيع العربي تمثلت في سوريا وليبيا اللتين دخلتا في حرب مسلحة بين النظام ومناهضيه، في الحالة السورية نجح الأسد في الصمود بفضل الدعم اللامحدود من إيران وروسيا، صمود جاء على حساب مئات الآلاف من السوريين الذين قضوا خلال الصراع أو هجروا وعانوا ويلات الحروب، كما اختار النظام الفوضى حتى يرغم كل الأطراف على الاعتراف به كجزء من الحل ومازالت حالة الصراع مستمرة وﻻ تبدو لها نهاية قريبة أو واضحة المعالم، لكن المؤكد أن إسقاط الأسد فضلاً عن محاسبته بات مطلبًا صعب المنال.

الحالة المضادة نجح فيها الثوار وبمساعدة دولية في القضاء على النظام في ليبيا أو للدقة في القضاء على رأس النظام القذافي والذي لقى حتفه على أيدي الثوار بالطريقة التي شاهدها العالم، وحده القذافي من بين كل رؤساء العرب الذين نجحت الثورة في إهانته وعقابه وإن بدا العقاب قاسيًا تمامًا كما كان الزعيم قاسيًا مع شعبه خلال المعارك وقبلها.

بعد هذا الاستعراض لمصير الأنظمة العربية ورؤسائها بعد انتفاضات الربيع العربى نجد السؤال هو لماذا أعيدت للرؤساء الساقطين كرامتهم أو حفظ كبريائهم بهذه الطريقة؟

ربما هذه رسالة ممن قاد الثورات المضادة من قادة الإقليم الذين استضافوا بن علي ودعموا انقلاب مباركي في مصر ويخوضون حربًا في اليمن ووحده القذافي لم يكن على وفاق معهم، إلى الجماهير ألا تكرر ذلك ثانية لأنه لن يُحاسب أحد في النهاية وستعود الأمور كما كانت وربما أسوء، كما أن عدم امتلاك قادة الثورات ومن خلفهم الجماهير خطة للعقاب أو أنهم امتلكوا عفوًا أوسع ورؤية ساذجة للأمور كان السبب!

أم أن الأمر يتعلق برسوخ الأنظمة العربية وقدرتها على إعادة ترويج نفسها لذات الجماهير في وقت قياسي وهو ما مكنها من العودة؟

ختامًا وما ﻻ اختلاف عليه، أن انتفاضة أو ثورة ﻻ تُحسن عقاب خصومها تكون قد سلمت لهم رقبتها وحفرت قبرها بيدها.