منذ بضعة أسابيع، أعلنت مجموعة من العلماء بمعمل جورج تشِرش في جامعة هارفارد أنها نجحت في تخليق خلايا فيل حية تحتوي على جزء صغير من الحمض النووي الخاص بحيوان الماموث، وهو حيوان قريب الصلة بالفيل الآسيوي ولكن بشعر كثيف انقرض منذ أربعين قرنًا، ليُشعلا السجال في عالم الأحياء ورعاية الحيوانات عن قدرة العلماء على إعادة بعض الحيوانات إلى الحياة مرة أخرى بعد قرون من انقراضها.

السؤال الأول الذي يتبادر لأذهاننا هنا هو: هل يمكن للعلماء فعلًا إعادة إحياء حيوان ما بالكامل بعد أن انقرض؟ أم أنهم سيعيدون فقط مجرد خصائص جينية منه كما تشير هذه الحالة في جامعة هارفارد؟

شبه استنساخ

أولًا، وبالنسبة للماموث الذي يشكّل الآن الحالة الوحيدة المتاحة للإجابة عن ذلك السؤال، يمتلك العلماء حاليًا البصمة الجينية الكاملة للماموث، وهو ما يعني نظريًا قدرتهم على تخليقها في المعمل، ثانيًا، وبالمقارنة بين تسلسل جينات (أو جينوم) الماموث والفيل الآسيوي، فإن العلماء يكشفون الآن عن مواطن الاختلاف بينهما، وما هي الجوانب التي يجب تغييرها في الفيل الآسيوي ليصبح أقرب للماموث، ثالثًا، وعلى مستوى التطبيق، تتيح لنا التقنيات الحالية القدرة على تعديل جينات معيّنة في الفيل الآسيوي، وذلك ببساطة بإدخال جينات الماموث المطلوبة إلى خلايا الفيل.

ما هي جينات الماموث التي بحث عنها العلماء؟ هي ببساطة الجينات التي تجعل من الفيل الآسيوي أكثر شبهًا بالماموث، مثل جينات الشعر الكثيف، والطبقات الأكثر سمكًا من الدهون، وخلايا الدم التي تنقل الأكسجين بشكل أكفأ في درجات الحرارة المنخفضة، والتي عاش فيها الماموث، وهكذا، وهي الجينات التي قاموا بقصها من جينوم الفيل، ثم لصق البديل لها من جينات الماموث، لتكون النتيجة خلايا فيل بنسبة ضئيلة جدًا من جينات الماموث (لا تتعدى واحد من كل مليون جين)، ولكنها الجينات المطلوبة من حمض الماموث النووي.

المسألة إذن هي محاولة استعادة خصائص معيّنة من الحيوان المنقرض، وليس الحيوان المنقرض كله، عن طريق إدخال بعضٍ من جيناته إلى أكثر حيوان شبهًا به على وجه الأرض، وهي تقنية مناسبة للماموث الشبيه بالفيل الآسيوي، ولكن لا نعلم مدى كفاءتها مع حيوانات أخرى لا يوجد لها “أقارب” على قيد الحياة الآن.

التقنية الجديدة تتيح شبه استنساخ إذن، إن جاز القول، إذ لا يزال استنساخ حيوان منقرض بالكامل من حمضه النووي أمرًا مستحيلًا، وهو على العكس مما توحي به مصطلحات مثل “إعادة الإحياء” أو “أزالة الانقراض” De-Extinction، التي انتشرت فور الإعلان عن التجربة، إذ أن كلمة استنساخ تشير لتطابق كامل بين جينات الخلية الأم وما ينبثق عنها، وهي ليست الحالة بالطبع بمقارنة خلايا الماموث بالخلايا التي خلّقها العلماء معمليًا ولم تشمل سوى جزء ضئيل من جينومه.

كيف حصل العلماء على جينوم الماموث أصلًا؟ حين يموت أي كائن، فإن الحمض النووي الخاص به يبدأ في التحلل مباشرة نتيجة المركبات الكيميائية الموجودة في الخلية، بالإضافة إلى الماء والأكسجين والأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس، والتي تكسّر الحمض إلى أجزاء صغيرة حتى يتلاشى تمامًا، وهي عملية تتراوح سرعتها حسب المكان الذي يموت فيه الكائن الحي، ففي القطب الشمالي على سبيل المثال يمكن أن يظل الحمض النووي سليمًا بشكل كبير لمئات الآلاف من السنين (حوالي 700،000 سنة)، أما في المناطق الحارة من العالم فإنه لا يبقى سوى بضعة أشهر.

من حسن الحظ، ونظرًا لتواجده في المناطق الباردة، كانت آخر مجموعة من الماموث تمشي على الأرض في جزيرة رانجل، الواقعة في أقصى شمال شرق سيبيريا، وهي منطقة باردة بما يكفي للطبع لبقاء الحمض النووي، والذي حصل عليه العلماء من عظام حفريات الماموث، وهي عينات ليست مماثلة بالطبع للحمض النووي في الكائنات الحية، إذ أن بقاء الحمض النووي سليمًا لا يعني عدم تأثر محتوياته بأشعة الشمس، وهي التي تجعله غير قابل للاستنتساح بالكامل مثل جينات الكائنات الحية، ولكن قابل لأخذ جينات محددة منه لتوضع في خلايا حية، كما تثبت تجربة هارفارد.

عن أي ماموث يتحدثون؟

السؤال التالي بعد النجاح في هذا التخليق، والذي يستحوذ على أذهان المتخصصين في تصنيف وتربية الحيوانات، هل يمكن اعتبار هذا الحيوان ماموث بالفعل، رُغم احتوائه على 14 جينًا فقط، مقابل الجينوم الكامل للفيل الآسيوي؟ وهل يقتصر تعريف الحيوان فقط على البصمة الجينية أم يتضمن القدرة على رعايته كما ينبغي، وكما كان ليقوم بذلك أسلافه إن وجدوا؟ كيف سيعيش ماموث واحد مخلّق بهذا الشكل بدون أن يكتسب اجتماعيًا الكثير مما يجب أن يعرفه عن سرب أكبر، كما يحدث مع بقية الحيوانات؟

ينتقد الكثيرون في الحقيقة موضوع تخليق الحيوانات المنقرضة على هذا الأساس؛ أن الحيوان الوليد سيكون دخيلًا على الحياة الموجودة بالفعل، وبدون مقومات الحياة الطبيعية للحيوانات، وكأنه كائن قد حط من كوكب آخر، وقد تكون المسألة مجرد تجربة جينية ليس إلا، تؤدي في النهاية لوفاته بعد “فيلم” ظريف عن رؤية خصائص جينية منقرضة لبضعة سنوات أو حتى أشهر، دون أدنى اعتبار للمعاناة التي قد يعيشها ذلك الحيوان.

أحد أهم الأسئلة التي تُطرَح الآن هي المكان الذي سيُطلَق فيه هذا الحيوان في الطبيعة، فالماموث مثلًا قد يوضع في موطنه بسيبيريا، ولكن هل يعيش وحده هناك؟ أم سيحتاج إلى مجموعة أخرى مخلّقة؟ وهل ستكون المجموعة المخلّقة على دراية بمحيطها الطبيعي وكيفية الحياة فيه كأسلافها الذين ورثوا تلك المعرفة الحيوانية لقرون؟ لا نعرف الإجابة بالطبع ولكن الأمر المؤكد هو أن تلك المعرفة لا تنتقل فقط عبر الجينات.

علاوة على كل ذلك، وبالنظر للمخاطر التي تهدد الفيلة حاليًا نتيجة الصيد المحرّم دوليًا، يقول أنصار حقوق الحيوانات ونشطاء البيئة أن استغلال الفيلة في تجارب كهذه سيضع المزيد من الضغط على وجودها، في حين يجب التركيز حاليًا على كيفية زيادة عدد الفيلة، وأعداد الحيوانات الموجودة بالفعل، دون النظر للماضي أو محاولة استرجاعه، خاصة وأن الماموث قد انقرض لظروف بيئية منذ آلاف السنين، ولم ينقرض مؤخرًا بسبب أي عوامل بشرية.

***

بالنظر لتلك الأسئلة، يبدو أن مسألة شبه استنساخ الحيوانات المنقرضة، أو إعادة خصائص معيّنة منها، سيظل محل جدال لفترة طويلة، وسيكون الماموث على الأرجح هو النموذج الأول الذي سيحدد ما إذا كان العلماء سيمضون قدمًا أم لا في هذا الطريق، وهو ما ستكشف عنه السنوات المقبلة، خاصة فيما يتعلق بمصير خلايا الفيل الحية، وما الذي ينتوي العلماء أن يفعلوا بها.