يتحدث كثيرون باستمرار عن الانقسام بين وسط العراق السني، وجنوبه الشيعي، وهو واقع أصبح مسلمًا به حين يأتي ذكر العراق في أي حوار سياسي أو ثقافي، بل ويدفع بالبعض إلى طرح فكرة تقسيم العراق بين الطائفتين المتنافرتين حاليًا، ولكنه أمر ليس بسهل، لا سيما وأنه لا ينطبق على بعض المناطق، وأبرزها العاصمة بغداد، والتي تتباين فيها الانتماءات الطائفية، وكذلك المواقف السياسية تجاه إيران، وإن ظل الخط الطائفي واضحًا بين السنة والشيعة نتيجة السياسات الإيرانية وصعود داعش، فإن التشابك الجغرافي يجعل مسألة التقسيم شديدة التعقيد، مما يعني بقاء الوضع الحالي المأزوم لفترة طويلة.

كيف ينظر العراقيون لإيران؟

“بالتنقل بين الأحياء المختلفة للعاصمة، يمكننا ببساطة رؤية المواقف المتباينة بين السنة والشيعة حيال إيران، فالشيعة معجبون بالدور الإيراني، في حين يتطلع السنة كثيرًا تجاه السعودية، بل وأحيانًا نحو داعش،” هكذا تقول الصحافية خلود رامزي، “إذا ما زرنا الأحياء السنية في بغداد، من الصعب أن نرى منتجات إيرانية تعج بها الأحياء الشيعية، بدءًا من السيارات والملابس وحتى الأجبان والألبان والمياه.”

تعززت الفروق بالطبع بعد دخول إيران في مواجهة داعش بشكل مباشر، والتي تهدد الكثير من مكتسبات الدور الإيراني في العراق والتي ظفرت بها طهران على مدار العقد التالي للغزو الأمريكي، وإيران تعتمد بالطبع على الفروق الطائفية لدعم الحشد الشيعي الذي تقوم به بين ميليشيات الشيعة في العراق، والتي تحظى كلها الآن بالدعم الإيراني، مما يدفع بالسنة نحو المعسكر الآخر، بل ويخلق شعبية لدى داعش كنوع من الانتقام من التطرف الإيراني في ترسيخ الطائفية.

تعيش خلود رامزي في بغداد، ولكنها تسافر باستمرار لكربلاء، وهي مدينة ذات أغلبية شيعية، لتزور أهلها هناك، بينما تقوم برحلات بين الحين والآخر بزيارة السليمانية في الشمال الكُردي، حيث يتمتع الحزب الكردي الأكثر شعبية هناك الآن بعلاقات وطيدة مع إيران، لا سيما وأنه متضرر أيضًا من صعود داعش، ولا يستطيع أن يعتمد على صلاته الجيدة بتركيا، “كثيرًا ما أتحدث مع الناس، والسائد بين أغلب الشيعة هو أن إيران تدعمهم، بل وسترسل المقاتلين وترعاهم لحماية الأماكن المقدسة للشيعة في العراق،” هكذا تقول خلود.

على الناحية الأخرى، يحدثنا الصحافي مصطفى حبيب عن نظرة السنة للدور الإيراني ولدعمها للميليشيات الشيعية في مواجهة داعش قائلًا، “السنة لا يرحبون بالميليشيات الشيعية، ويعتبرونها أكثر خطرًا عليهم من داعش، بل وأكثر عنفًا منها، والكثير من السياسيين والمتعلمين وحتى ذوي الثقافة العلمانية يرفضون تمامًا الدور الإيراني، ومهما يكن خطر داعش بالنسبة لهم فإنهم رافضون للحماية التي توفرها إيران عن طريق رجالها على الأرض بكل الأحوال.”

الخط الطائفي: بين واشنطن وطهران

يمتلك حبيب صلات قوية بالجيش العراقي، وهو يقول أن السنة أكثر ميلًا للولايات المتحدة كداعم للنظام العراقي نظرًا للروابط القوية بين واشنطن والقبائل السنية، على عكس إيران صاحبة التحيزات الطائفية الواضحة، وهو ما يفسّر دعم بعض من تلك القبائل السنية لضربات الولايات المتحدة الجوية على داعش، وبل وتزويد الأمريكيين بالمعلومات، في مقابل امتناعهم عن التعاون مع إيران، وهو أمر يفيد الولايات المتحدة، والتي لا ترغب في توسع دور الميليشيات الشيعية أكثر من ذلك.

يخلق هذا الوضع السياسي الطائفي خطًا فاصلًا بين المحافظات التسعة ذات الأغلبية الشيعية وبقية المحافظات السنية التي تميل إما لداعش أو لواشنطن، وهو ما جعل الخطاب الشيعي داخل العراق معادي للولايات المتحدة نوعًا ما مؤخرًا، نظرًا لتخوّفه من أن يعتمد الأمريكيون على السنة في المستقبل لضمان وجود قوتهم في وجه إيران، لا سيما وأن السنة لا يملكون سوى هذا الخيار حاليًا، فكما يقول حبيب، “السياسيون الشيعة الآن يهاجمون واشنطن بين الحين والآخر، وينشرون الشائعات بأن طائراتهم تضرب أحيانًا ميليشيات الشيعة لتضرب عصفورين بحجر.”

يعني هذا أنه رغم التقارب الأخير بين واشنطن وطهران، والمصالح المشتركة بشكل واسع في تحجيم دور داعش، إلا أن الاستراتيجيات بعيدة المدى لا تزال في تنافر بين البلدين، فطهران راغبة في تضاؤل الدور الأمريكي سريعًا مع إتمام انسحابه، لتتمكن من الحصول على النصيب الأكبر من الكعكة، والذي لا يسع السعودية ولا دول مجلس التعاون كلها أن تقف بوجهه، في حين يبدو أن الأمريكيين قلقون من هكذا سيناريو، ويستغلون التوتر الطائفي الحادث وصعود داعش المفاجئ لخلق حلفاء لهم بين السنة، والضغط على الحكومة العراقية من حين لآخر لعدم الاعتماد بالكامل على إيران.

الجبهة الكردية

على صعيد آخر، تُعَد الجبهة الكردية أكثر جبهة مفتوحة على مصراعيها للتنافس بين رغبة طهران في الحصول على حلفاء جدد وترسيخ منظومتها في العراق، ورغبة الولايات المتحدة في حصر الدور الإيراني في الجنوب، على غرار لبنان، والتمتع بعلاقات وطيدة مع السنة والأكراد، وهو أمر نجحت فيه واشنطن على مدار السنوات الماضية ولا تزال، إذ أن الأمريكيين لا يزالون هم الأقرب للقوى الكردية الموجودة رغم الدفء في العلاقات بين أربيل وطهران مؤخرًا.

تحاول إيران استغلال صعود داعش لتخلق دورًا لها بين الأكراد، بيد أنه على المدى البعيد لا يستطيع الأكراد وضع ثقتهم المطلقة مع الإيرانيين أو الأتراك، لأسباب ديمغرافية واضحة، إذ أن البلدين لديهما تاريخ في قمع الأقليات الكردية، وحساسية تجاه بروز قوية كردية مستقلة ولو في إطار عراق فيدرالي، وإن كان الأكراد يعتمدون على الأتراك في تعزيز اقتصادهم واستقرارهم الأمني، وعلى الإيرانيين في أي معارك بينهم وبين قوى سنية معادية لهم مثل داعش، فإن واشنطن تظل حليفهم الأول والمضمون، لا سيما وأنها لا تضمن السنة بشكل شامل نظرًا لتزايد شعبية داعش بين قطاعات واسعة منهم، ورواج الأيديولوجيات الإسلامية بينهم، على عكس الأكراد.