مع تسارع الأحداث السياسية في المنطقة العربية وسخونتها، باتت الأخبار المتلفزة إحدى أهم الوسائل الإعلامية التي تنقل الناس إلى قلب الحدث عبر الصوت والصورة، ولم يعد مستغربًا في ظل هذه الظروف أن نسمع عن أشخاص باتت حياتهم كلها تتمحور حول الشاشة، لا بل إنه غدا من المستهجن أن تعترف لصديق ما ابتعادك عن الشاشة وقت الغداء أو عدم معرفتك لآخر خبر عاجل ظهر على الشاشة قبل ثوان، ولا يمكن إلقاء اللوم على هؤلاء، والذين سأسميهم هنا مجازًا بـ "المتسمرين" أمام الشاشة ، فالحروب المستعرة في المنطقة وما تبع ذلك من نزوح وهجرة الملايين من لهيبها جعل من التلفاز "حبيبًا"  لا يمكن فراقه ومصدرًا يصلهم بالوطن وأخبار الأحباب، ناهيك عن غريزة الإنسان الفطرية في حب التفاصيل، وإشباع التلفاز لهذه الغريزة بشكل كبير، أو هكذا يتوهمون على الأقل! فتراهم يقلبون القنوات ويقارنون ما يأتي عليها ولا يغادرهم التلفاز حتى في ساعات النوم لتقتحم مشاهده المفزعة عالم أحلامهم.

وبما أن أشهر التلفزيونات العربية في المنظقة تبث 24 ساعة، فإن نمط المشاهدة العربية في هذه الأيام لا يمكن وصفه بأقل من كونه "إدمانًا"، وكأن متابعة تلك القنوات والالتصاق بشاشاتها سينتج عنه معجزة تتبدل معها الأحوال وتشرق معها الآمال. [1]

ولست هنا بصدد انتقاد القنوات الإخبارية، فهي في النهاية تواكب الطلب المتزايد لمشاهديها، كما أنني لست بصدد الخوض بعمق في الآثار النفسية المترتبة على "الإدمان الإخباري"، فهناك أبحاث ومقالات يعج بها الفضاء الإلكتروني تناولت هذه الظاهرة باستفاضة.

ولكنني أود أن أشير إلى مستوى ثان من الإشكالات المصاحبة لهذا النمط من المشاهدة - نمط "التسمر" أمام الشاشة والاعتماد عليها كمصدر وحيد للمعلومات والأخبار - وهي إشكالية إيجاد المعنى والمنطق في فهم الأحداث المعروضة.

ولا يمكن فهم ما نعنيه بإيجاد المعنى إذا اعتبرنا المسألة أحادية التوجه تخص فقط كيفية فهم المشاهد لما يتلقاه من أخبار، بل يتطلب الأمر كذلك النظر في طبيعة القنوات الفضائية والأساليب التي تتبعها للإبقاء على اهتمام المشاهد،  فالإشكالية تحمل بُعدين أساسيين وإغفال أحدهما يؤول إلى استنتاجات قد تجانب الخطأ إلى حد كبير.

لنبدأ إذن بالإشكالية الأولى وهي طريقة عرض الأخبار على الشاشة والطرق التي يلجأ إليها القائمون على القنوات بغية الاستحواذ على اهتمام المشاهدين والمتابعين، وأنا هنا انطلق ببساطة من فرضية أراها إلى الطبيعة أقرب وهي أن "الشاشة خداعة".

ورغم بساطة هذه الفرضية إلى درجة أن البعض قد يعتبرها بديهية، فإن موضوع الخداع في الأخبار استحوذ على اهتمام كثيرين من باحثي الإعلام، السبب في ذلك بسيط: فالخداع سمي خداعًا لأنه لا يظهر بشكل واضح ويحتاج اكتشافه إلى إلمام بجوانب عدة، ولا يجب أن يفهم أن ذلك الخداع ناتج عن سوء نية وبقصد التضليل (وإن كانت القنوات لا تبرأ من ذلك تمامًا أيضًا)،  ولكنه ناتج في النهاية عن طبيعة تلك الوسيلة ومحدوديتها إلى درجة يستحيل معها أن تلم بكافة الحقائق؛ فالتلفاز بداية وسيلة تعتمد على الصورة بشكل كبير،  فقد تغفل أخبار بأسرها في حال تعذرت الصور المعبرة ذات الجودة التلفزيونية العالية، هذا الاعتماد يعني أنه في المناطق التي لا يمكن وصول الكاميرات إليها لا يمكن تغطية الخبر على الوجه الأمثل، ورغم أن القنوات تحاول الاستعاضة عن هذا النقص إما بالرسم (الغرافيكس) أو مقابلة المراسلين أو الخبراء من ذوي الاختصاص، إلا أن هذه الطريقة عادة ليست كافية للولوج إلى عمق الحدث وتمكين المشاهد من رسم صورة متكاملة عنه. 

كما أن للاعتماد على الصورة محدودية أخرى وهي محدودية زاوية الالتقاط، إذ بحسب تلك الزاوية  قد يبدو حدث ما أكبر أو أصغر من حجمه، ولتوضيح هذه الفكرة يمكننا تخيل غرفة ضيقة فيها عشرة أشخاص وغرفة واسعة فيها العدد ذاته من الأشخاص، لا شك أن عدد الاشخاص في الغرفة الأصغر سيبدو أكبر عددًا، وكذلك الأمر بالنسبة لزاوية الالتقاط الضيقة، ما إن تتسع حتى ترى الوضع بشكل مختلف، أضف إلى تلك المحدوديات أيضًا ضيق الوقت المتاح لهذه القنوات وكثرة الأحداث المتزامنة؛ مما يجعل 24 ساعة مدة لا يمكن لها بأي شكل من الأشكال أن تتسع لربط ملابسات الأحداث بخلفياتها التاريخية والجغرافية والعسكرية والسياسية، ناهيك عن حاجة القنوات الإخبارية إلى العنصر "الدرامي"[2]  للإبقاء على التشويق حيًا لدى المشاهد، وهو عنصر له تأثيره الكبير على موضوعية التعاطي مع الأخبار وطريقة تلقي المشاهد على حد سواء.

أما بالنسبة للمتلقي فإن المشكلة الأكبر تكمن في تصوره  أن متابعة الأخبار التلفزيونية تغنيه عن القراءة المعمقة لما وراء الأحداث لفهمها بشكل صحيح، والحقيقة أن الأخبار بعرضها المجتزء لا تقدم للمشاهد مفاتيح التحليل السياسي واستشراف المستقبل، فهذه تحتاج إلى بناء خارطة معرفية صلبة تعتمدعلى فهم العلاقات المتداخلة للعلوم الإنسانية كالتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع و"الجيوبوليتكس"، والانطلاق من تلك الخارطة لترجمة الأحداث المعروضة بشكل أقرب إلى الدقة، وقتها سيدرك المشاهد أنه وصل إلى لحظة "التنوير" وهي اللحظة التي تتجمع فياه قطع المعرفة المتناثرة لتشكل لوحة واضحة المعالم.

إن افتقار المشاهد لهذه الخارطة كفيل بأن يجعله غير قادر على إلقاء الضوء على الصورة الكاملة للأحداث، فيعمد إلى تفسيرها معتمدًا على ثقافته "السمعية" أي ما يتناقله الشارع، ورؤيته الخاصة، كما أنها كفيلة بأن تجعل المشاهد يركب موجات من التقلبات العاطفية، ترفعه تارة نحو الشعور بالأمل والابتهاج وتارة تودي به إلى قيعان الكآبة واليأس، دون وجود مبرر حقيقي لكليهما، وفي ذلك خطورة تتمثل في إصابة المشاهد بنوع من "الشلل" ناتج عن التناقض والحيرة، يقعده عن العمل من أجل قضيته.

ولعل من الضروري أيضًا لتفادي الوقوع في شباك التضليل الإعلامي تنمية مهارات ومفاتيح التحليل السياسي بعيدًا عن العواطف والآراء والأفكار المسبقة، وتهيئة العقل لاستقبال المعلومات الواردة إليه بالتخلص من شوائب العاطفة والأحكام النمطية، والاعتماد على الحقائق والمعلومات بعد التمحص في صحتها.

وفي نهاية المطاف لعل الحل الأمثل يكمن في تقليص ساعات المشاهدة إلى مشاهدة نشرة واحدة رئيسية وقضاء بقية الوقت في قراءة ما يفسرها، وفي ذلك قضاء على مشكلتين في آن واحد: مشكلة الإدمان على الأخبار ومشكلة الضحالة الثقافية.

--------------------------------------


[2] Gadi Wolsfield,( 2011)  Making sense of Media and Politics, Five Principles in Political Communication , Routledge, London