كشفت عمليات عاصفة الحزم بقيادة السعودية في اليمن عن هشاشة العلاقات الخارجية وسوء التنسيق بين القيادة السعودية الجديدة والسيسي في مصر، فالملك سلمان يرغب بعودة الدور القيادي للملكة في المنطقة بشكل عام، وقد بدأ عهده بتحرك سريع ومفاجئ بل ومخالف للتوقعات ضد التمدد الإيراني في اليمن، فلم تمض على ولاية الملك الجديد ثلاثة أشهر إلا وقد بدأت المملكة عمليات عسكرية في اليمن في توجه يعتبر ضربة للمفاوضات الإيرانية الأمريكية حول الملف النووي الإيراني.

المخالف للتوقعات كان معارضة السيسي قائد الانقلاب العسكري في مصر، والذي وصل إلى سدة الحكم في مصر بدعم واضح وصريح من المملكة في عهد الملك الراحل عبد الله، فقد أظهرت عاصفة الحزم أن شعارات السيسي التي أطلقها مرارًا حول "مسافة السكة" التي يحتاجها الجيش المصري للدفاع عن أمن الخليج ليست إلا هراء، بل إن الحديث عن مشاركة مصر في الحلف العشري ضد الحوثيين في اليمن لم تكن إلا ذر للرماد في العيون، وما المظاهرات التي خرجت في القاهرة ضد عمليات عاصفة الحزم والهتافات المسيئة للملك سلمان إلا جزء من الحملة الإعلامية التي يوجهها نظام السيسي في مصر ضد توجهات الملك سلمان في السعودية.

مما لا شك فيه أن السعودية في المرحلة القادمة سيكون لها أولويتان وهما محاربة القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" ومحاربة التمدد الإيراني في المنطقة العربية، وهذا يتطلب من السعودية حلفاء أقوياء يمكن للمملكة الاعتماد عليهم في حربها الطويلة تلك، فالمعارك مع إيران خصوصًا ليست معارك احتلال ولا تحرير بل هي معارك نفوذ وسياسة وتحتاج إلى مدى طويل من المعالجة بين الحروب العسكرية والمناورات السياسية، تدرك السعودية مؤخرًا بأن السيسي ليس بالحليف الذي يمكن الاعتماد عليه في هذه الحرب، فالسيسي منشغل بمحاربة تنظيم الإخوان المسلمين في الداخل والسعي نحو استقرار حكمه ومحاربة مظاهر الربيع العربي في دول الجوار وخصوصًا في ليبيا، بينما تنظر المملكة إلى أن تنظيم الدولة والتمدد الإيراني هما الخطران الأهم في المرحلة الحالية لأنهما على حدود المملكة المباشرة في الشمال والجنوب ولوجود أنصار للطرفين في داخل المملكة من الشيعة في المنطقة الشرقية ومن أنصار التيار الجهادي داخل المجتمع السعودي.

في السابق استعانت المملكة ودول الخليج بالولايات المتحدة كحليف إستراتيجي لردع أطماع صدام حسين في الخليج، لكن التدخل الأمريكي في العراق جلب الويلات لدول الخليج داخليًا وخارجيًا، فقد نتج عنه ظهور القاعدة كتنظيم عالمي وقد أدى التدخل الأمريكي ووجود القوات الأمريكية في الخليج إلى حدوث شرخ في العلاقات بين شعوب المنطقة وحكامها، وقد تركت الولايات المتحدة منطقة الشرق الأوسط في حالة يرثى لها بين تمدد لداعش وإيران وتركت الحلفاء التقليدين في المنطقة لمواجهة مصيرهم وحدهم، والآن تدرك السعودية ودول الخليج أن الولايات المتحدة لن تُقدم على أي تحرك في الشرق الأوسط وأن السيسي وجيش مصر لن يشارك في دعم الرغبات الخليجية في المنطقة بل من الممكن أن يعادي تلك التحركات.

الحلف الذي اعتادت السعودية على أن تكون فيه لم يعد ينفعها وقد تم الاتفاق الأمريكي الإيراني حول الملف النووي، السعودية الأن أصبحت مضطرة للدخول في تحالف (قطر - تركيا) بالإضافة إلى حليفها البعيد باكستان، تركيا وقطر تشاركان السعودية الرؤية حول تمدد إيران في المنطقة وخصوصًا تركيا التي تسعى منذ أربع سنوات لوضع حد للأزمة الإنسانية في سوريا والتي أرهقتها أمنيًا وماليًا لكن لا تجد الحليف ولا النصير، الآن توافقت الرؤى والأهداف بين تركيا والسعودية وقطر في الملف السوري واليمني لكن لهذا التحالف ثمن يجب أن تدفعه السعودية، وأعتقد جازمًا أن تركيا وقطر ستضغطان في الفترة القادمة على السعودية لإيقاف دعمها عن السيسي ورفع الغطاء عنه، قد لا يكون ممكنًا ان تعود الأمور في مصر إلى نصابها الصحيح الآن، لكن يجب على السعودية أن تضع حدًا لتدخلات السيسي في ليبيا وغزة والسودان، يجب أن تعمل السعودية مع تركيا وقطر على فك الحصار عن غزة وعلى الاستقرار في العراق والقضاء على داعش وعودة الحوار في اليمن وسحب سلاح من الحوثيين.

المنطقة العربية ومنذ بدء الربيع العربي وهي كالبحر الهائج وهذا أثر على الجميع في المنطقة، السعودية الآن مضطرة للانخراط في حلف (تركيا - قطر) وأن تعمل مع حلفائها الجدد على استقرار الخليج والشام وإلا فإن نار الحرب والدمار ستطال الجميع.