ترجمة من الفرنسية وتحرير نون بوست

العالم الرقمي مليء بالتناقضات، فهناك تطبيقات يُفترض أنها مصممة لنستعملها بكل حرية، ولكن في الواقع تتحكم في حياتنا ولا تسمح لنا بالحفاظ على أي خصوصية، نحن نراقب الجميع على الشبكة لكن لا نريد أن يراقبنا أحد، ونقوم بصنع أجهزة ثم نمنع أنفسنا والأشخاص الذين نحبهم من استخدامها، لأننا نكون على اطلاع تام بأضرارها.

ومن القصص الطريفة في هذا الصدد، قصة التطبيق الفرنسي "Gossip"، وهو تطبيق يسمح للمستخدم بمشاركة الإشاعات مع الأشخاص المتواجدين على قائمة هاتفه الذين يستخدمون هذا التطبيق، دون أن يتمكنوا من معرفة هوية من نشر الإشاعة، لكن هذا التطبيق استولى بسرعة على اهتمام المراهقين رغم أنه موجه في الأصل للكبار، وبذلك بدأت المشاكل المرتبطة بهذا التطبيق بالظهور.

 وفي لقاء لها على موجات إذاعة "Europe1 " في الـ 10 من شهر يونيو الماضي، عبّرت مصممة التطبيق سيندي مولي عن دهشتها من "انحراف المستخدمين" والمشاكل المتعددة التي سببها سوء استعمال التطبيق.

وأضافت سيندي في نفس الحوار "منعت أخي وأختي من استخدام التطبيق، لأنهم لم يبلغوا السن المحدد للمستخدمين، وطلبت منهم أن يبلغوا أصدقاءهم أيضًا بعدم استخدامه، رغم أنهم يقولون لقد صممت أختنا هذا التطبيق، لكن لن أسمح لهم باستخدامه نظرًا لسنهم".

وتتكرر هذه الظاهرة في القطاع الرقمي مع تعدد الأمثلة الجيدة والسيئة في نفس الوقت، أشهرها بالتأكيد هو ستيف جوبز، الذي أعلنت صحيفة نيويورك تايمز سنة 2014 بأنه كان يقيد استخدام التكنولوجيا في منزله عندما كان حيًا، بل إن أطفاله لم يستخدموا أبدًا جهاز الآي باد، هذا الجهاز الذي وصفه ستيف بالعبقري والذي لطالما تباهت به شركة أبل، بعد أن أبرمت عقد شراكة بقيمة ثلاثين مليون دولار مع مدينة لوس أنجلوس لتعميم استخدامه في جميع مدارسها العمومية.

وقد قال ستيف جوبز في حفل تقديم جهاز الآي باد "إن لهذا الجهاز قدرات استثنائية، فهو يمكنكم من تصفح الإنترنت بشكل أفضل من أي جهاز آخر، تستطيعون إظهار الصفحة والتنقل بين محتوياتها باستخدام إصبع واحد، هذا الجهاز عبقري، إنه أفضل من الحاسوب أو الهاتف الذكي".

وقد أجرى نيك بلتون، الصحفي بجريدة نيويورك تايمز، عدة حوارات مع العديد من مدراء الشركات الكبرى في القطاع الرقمي، والذين اعترفوا بدورهم بأنهم يسيرون على خطى ستيف جوبز ويقيدون استخدام التكنولوجيا في منازلهم، لمنع تأثيرها السيء وتحكمها في حياة المستخدمين، مثل رئيس التحرير السابق لمجلة "Wired" المختصة في التكنولوجيا، والذي لم يتردد في ذكر مخاوفه من مخاطر التكنولوجيا الجديدة بقوله "نحن نتصرف على هذا النحو تجاه التكنولوجيا لأننا دائما ما نكون في الصفوف الأمامية لرؤية مخاطرها، أنا أعرف مخاطرها ولا أريد أن يتضرر أطفالي منها".

وبالنسبة لكبار الموظفين في وادي السيليكون، وهو قطب الصناعات التكنولوجية العالمية في مدينة سان فرانسيسكو من ولاية كاليفورنيا الأمريكية، فإن بعضهم يذهبون أبعد من ستيف جوبز ليمنعوا تمامًا أفراد عائلتهم من استخدام الأجهزة الرقمية، ولذلك يسجلون أبناءهم في مدارس خاصة يمنع فيها استخدام هذه الأجهزة، موظفون من شركات غوغل، أبل، ياهو وإتش بي اختاروا مدارس "والدورف" التي لا تتوفر فيها خدمة الإنترنت، حيث يفضل القائمون عليها استخدام الأقلام والكتب عوضًا عن شاشات الأجهزة اللوحية، حيث يرتكز منهج هذه المدارس على التطوير والإبداع دون استخدام الأجهزة الرقمية، إضافة إلى التفاعل بين التلاميذ.

الرؤية المتعارضة مع سياسة غوغل لإريك شميدت

وعلى ذكر الحياة الشخصية على شبكة الإنترنت، فقد كان إريك شميدت، المدير السابق لشركة غوغل، في غاية الوضوح عندما قال في سنة 2009 أثناء ظهوره على  قناة "سي إن بي سي" الأمريكية: "إذا أردت القيام بشيء ما دون أن يعلم الآخرون، من الأفضل ألّا تقوم به أصلا".

 لكن إريك لا يتقيد بذلك، فرغم أن شقته عازلة تمامًا للصوت، إضافة إلى أنها لا تتوفر على حارس وذلك لتأمين خصوصيته، إلا أنه، حسب صحيفة نيويورك تايمز، قد قام في سنة 2013 بحذف حساب الإنستغرام الخاص به بعد أن كشفت صحفية بأنه يتابع العديد من الحسابات ذات المحتوى غير الأخلاقي.

مارك زوكربيرغ يشتري خصوصيته

يمكن أن يقوم المرء باستخدام منصبه أو أمواله لحماية خصوصيته، وقد قام مارك زوكربيرغ مؤسس ومدير موقع الفيسبوك بتجربة ذلك، حيث يحرص مارك على حماية خصوصيته وعدم السماح للإنترنت بالاستيلاء عليها، وهو ما يعتبر من المفارقات العجيبة خاصة في ظل سياسة الخصوصية التي وضعها هذا الرجل للشبكة الاجتماعية فيسبوك، والتي تعتبر الأكثر انفتاحًا، حيث يستطيع المستخدم مراقبة ما يفعله المستخدمون الآخرون فقط بضغطة زر واحدة.

وفي حوار مع موقع "تك كرنش" سنة 2010، قام هذا المدير الشاب، الذي تعرض في يوم من الأيام لقرصنة حسابه الخاص، بتوضيح تصوره للحياة الخصوصية: "عندما بدأت فكرة الفيسبوك في غرفتي في جامعة هارفارد، كان الجميع يتساءلون: لماذا ينشر شخص معلوماته الشخصية بشكل علني على موقع إنترنت؟ ولكن بعد حوالي ستة سنوات تعددت المواقع التي توفر خدمة مشاركة المعلومات الشخصية، وأصبح الناس يرتاحون لفكرة مشاركة معلومات أكثر مع أشخاص كثر، إنه نمط اجتماعي في مرحلة التطور".

 ورغم ذلك، فإن هذا الشاب الثلاثيني لا يبدو مرتاحًا لهذا النمط المجتمعي الجديد، ففي سنة 2013 قام مارك بشراء المنازل الأربعة المحيطة بمنزله بقيمة ثلاثين مليون دولار وذلك ليتأكد من عدم بيعها لأشخاص متطفلين قد يسببون المتاعب فيما بعد، وقد تهكمت زينب توفيقجي، الأستاذة والباحثة الجامعية المختصة في علم الاجتماع، من هذه الطريقة الفعالة لشراء الخصوصية، واقترحت أن يقوم مارك عوض ذلك بتأمين خصوصية الأشخاص الذين يستخدمون موقعه للتواصل الاجتماعي.

المصدر:  سليت