اجتماعات وزراء المالية الأوروبيين بالأمس بحثًا عن أمل أخير

بعد أن كانت كلمة "أوخي" (وتعني لا باليونانية) هي الكلمة الأبرز في اليونان والمعسكر المؤيد لها خلال الأسبوع الماضي، والذي توِّج بتصويت 61%من اليونانيين برفض حزمة التقشف المقدمة من المجموعة الأوروبية، يبدو وأن "أوخي" الآن قد انتقلت إلى الجانب الألماني وحلفائه في شمال أوروبا، والذين يرفضون الانصياع لنتائج الاستفتاء اليوناني، بل وربما الانتقام من حملة "أوخي" التي قادها رئيس الوزراء اليوناني تسيبراس بنفسه بتشديد شروط الوصول لاتفاق جديد.

تتضمن الحزمة الجديدة ببساطة مجموعة من الإجراءات تُفقِد اليونان سيادتها المالية بشكل فعليّ في مقابل حمايتها ماليًا من الانهيار والخروج من السوق الأوروبية ثم العودة لعملتها القديمة، وهي حزمة تتضمن للمفارقة خروجًا مؤقتًا من اليورو كما كُتبَت بين قوسين في النسخة الأولية من الاتفاق، كما تحتوي على شرط احتفاظ اليونان بخمسين مليار يورو للقيام بمجموعة من عمليات الخصخصة لضمان الحصول على قروض جديدة.

من جانبه أعرب حزب سيريزا اليوناني الحاكم أنه مصدوم من الحزمة الجديدة التي طرحها الألمان، والتي تفوق في تعنّتها كل ما لاقته البلاد على مدار السنوات الخمس الماضية من التقشف، وهي حزمة وصفتها مجلة شبيغل الألمانية نفسه بأنها "كاتالوج الوحشية"Der Katalog der Grausamkeiten، وصرح بعض المسؤولين أنها تحدي لمعسكر تسيبراس اليوناني من جانب الألمان ردًا على التصويت بـ "لا" في الاستفتاء ليس إلا.

تباعًا، وخلال ساعات قليلة، كان هاشتاج "إنه انقلاب" #thisisacoup يشعل موقع تويتر، حيث انطلقت حملة معادية للمجموعة الأوروبية ولألمانيا تحديدًا متهمة إياهم بتجاهل نتائج الاستفتاء اليوناني والاستخفاف بالعملية الديمقراطية برمتها، في حين انتشر أيضًا هاشتاج يدعو تسيبراس إلى ترك القمة الأوروبية فورًا والعودة إلى اليونان لحفظ كرامته، #TsiprasLeaveEUSummit.

على صعيد آخر، يبدو وأن تسيبراس نفسه وإن قَبِل تلك الشروط سيواجه مصاعب جمّة في أثينا، إذ يتوقع الكثيرون أن يرفض أعضاء حزبه تبني تلك الحزمة في البرلمان، مما سيدفع البلاد غالبًا إما إلى انتخابات مبكرة، أو ربما إلى حاجة تسيبراس تشكيل حكومة وحدة وطنية بدلًا من الاعتماد على حزبه سيريزا، وإلا سيكون الخيار الوحيد المتاح هو رفض الحزمة باعتباره الحزب الحاكم والخروج من اليورو.

بالنظر لكونه انتصر في الانتخابات فقط منذ ستة أشهر وفي الاستفتاء الأخير، يبدو جليًا أن ما يجري ليس سوى إخضاع الديمقراطية اليونانية للضغوط نظرًا لعدم توافقها مع الحسابات النقدية والمالية المتعنتة في برلين وبروكسل، في إشارة واضحة على هيمنة المؤسسات المالية غير المنتخبة على الشرعية الانتخابية في اليونان، وهو ما هاجمه الكثيرون أيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي وبين المفكرين الاقتصاديين البارزين الذين مالوا للجانب اليوناني.

هل تسمع ذلك يا تسيبراس؟ أكثر من 100 ألف تغريدة تقول بأنه انقلاب.

هذا يقول بأن المحتلين سابقا استخدموا الدبابات، والآن يستخدمون البنوك.

وهذه تقول بأنهم "لا يحترمون الحكومة المنتخبة، ولا نتائج الاستفتاء. إنهم لا يحترمون الديموقراطية"

وكريس هنا يقول "أنا يوناني، أبلغ 27 عاما من العمر. هذه ليست ديموقراطية، هذا أحد أكثر المواقف إحراجا لأوروبا في التاريخ"

إريك هنا لديه تصور أكثر وضوحا "لم تعد هناك حاجة لغزو بلد ما بالدبابات، دمر شعبها، واستول على مقدراتها. الساسة والاقتصاديون يمكنهم فعل ذلك عبر فرض التقشف"

من يريد خروج اليونان من اليورو؟

من ناحية أخرى، وكما يشير بعض المحللين، تبدو ألمانيا منذ انتصار "أوخي" في الاستفتاء عازمة على إخراج اليونان من اليورو جملة واحدة، أولًا لأن الكثيرين في أوروبا لا يثقون بقدرة اليونان على تطبيق أي حزمة إصلاحات حتى لو وافق عليها الألمان واليونانيون، والألمان بالطبع ليسوا وحدهم في اليورو ويحتاجون دعم البلدان الأخرى التي بدأت تفقد صبرها مع اليونان، ومعظمها من شمال أوروبا ممن يرون أن اليورو يمكن أن يستمر بدون "الصداع اليوناني."

البلدان التي تبدو قابلة لفكرة خروج اليونان بالبرتقالي، والتي تريد تفادي ذلك بالكامل بالأزرق، والتي يتأرجح موقفها بين هذا وذاك بالرُمادي

في هذا السياق يمكن فهم الخروج المؤقت من اليورو، الذي عرضه وزير المالية الألماني وولفجانج شويبله ليتيح لليونان إعادة هيكلة ديونها بشكل أسهل خارج اليورو ثم دخولها مجددًا، إذ يبدو في الحقيقة نوعًا من التجربة لتقييم آثار خروجها لو خرجت نهائيًا، أو ربما محاولة تدريجية لإخراجها بالفعل، كما قال أحد المحللين، وهو ما يريده على الأرجح شويبله الذي يروج لخروج اليونان بالفعل منذ فترة بين الدوائر الحكومية الألمانية.

بشكل متزايد، بدأ يظهر معسكر جديد في ألمانيا، وربما في بعض البلدان الأوروبية، يميل لمدرسة "أوروبا الأساسية" أو Core Europe، والتي تضم دائرة من الدول الأوروبية الرئيسية مثل ألمانيا وفرنسا في اتحاد مالي ونقدي وسياسي بشكل شبه كامل، في حين توجد دائرة ثانية من الدول التي تعاني من عدم القدرة على التمتع بدولة ونظام مالي بنفس الكفاءة على علاقة قوية بتلك المجموعة ولكن دون الدخول في الاتحاد المالي، مثلها مثل بريطانيا، وتلك القائمة تضم اليونان وربما المجر، حيث تُملي الثقافة في هذه البلدان منظومات سياسية واقتصادية غير متوافقة مع غرب أوروبا.

الجميع يعلم أن الخروج المؤقت لليونان يشبه الطلاق المؤقت. ينتهي الأمر في معظم الحالات إن لم يكن في جميعها بأن يتحول إلى دائم.

بيد أن فرنسا وإيطاليا الأساسيتين لأي مشروع أوروبي قد تختلفان هنا، حيث تبدو دول الجنوب أكثر تحفظًا على خروج اليونان بأي ثمن، وهي التي تشارك اليونان نفس الثقافة وتريد توطيد حصة أوروبا المتوسطية داخل اليورو، على حساب سوق أوروبية تغلب عليها ألمانيا ودول الشمال التي تشارك برلين الكثير من ملامح نموذجها الاقتصادي، ولذلك تُبدي فرنسا مرونة أكبر تجاه استيعاب مطالب اليونان، لا سيما وأن رئيسها فرانسوا أولاند ينتمي للحزب الاشتراكي الأقرب أيديولوجيًا لحزب سيريزا وإن لم يكن يحمل نفس أجندته الراديكالية، وهو ما يعني أن رؤية شويبله لن تتحقق بسهولة كما يظن.

"إذا ما مالت ألمانيا لخروج اليونان من اليورو، فإنها ستشعل صراعًا كبيرًا مع فرنسا، وستجلب كارثة محققة على أوروبا كلها، يجب علينا أن نتفادى تلك النتيجة بأي شكل،” هكذا قال وزير خارجية لوكسمبورغ جين أسِلبورن، والذي تقف بلده في صف فرنسا وإسبانيا وإيطاليا القريبين من اليونان، والقلقين بالفعل من انفراط عقد اليورو من ناحية، وهيمنة الألمان من ناحية أخرى، ولا يدلل على ذلك أكثر مما قاله رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رِنزي للمستشارة الألمانية أثناء الاجتماعات من أنها لا يجب أن تتمادى في إهانة اليونان، وأنه يكفي كل ما جرى "enough is enough".

لعبة السياسة بين ميركل وتسيبراس

أنغلا مركل تقول أنها لا تريد الوصول لاتفاق بأي ثمن على عكس ما أراد الرئيس الفرنسي، طبقًا لمصادر صحيفة الجارديان

يمكن القول من ناحية إن تسيبراس أراد أن يحرز نصرًا سياسيًا له ولحركات التقشف بإجراء الاستفتاء، وتعزيز موقفه في مواجهة الاتحاد الأوروبي، وتصوير الأخير على أنه لا يحترم الديمقراطية، في حين أن التفاصيل المالية للاتفاق الذي عرضته أثينا لم يكن يختلف كثيرًا عما رفضته هي من قبل، مما يشي بأن ما يجري يتعلق بلعبة السياسة الأوروبية بين حركات التقشف اليسارية في الجنوب، والمؤسسات الأوروبية التي يقودها الألمان بشكل أساسي، أكثر منه خلاف حول تفاصيل حزمة التقشف بالفعل، والتي كان تسيبراس تقريبًا قد قبلها أول أمس، ليكون قد خرج من المعركة بانتصار معنوي بعد طرح ورقة الاستفتاء وإحراج الألمان، بدلًا من قبول الاتفاق من البداية دون رصيد سياسي.

هنا يبدو وأن تشدد الألمان يأتي بمثابة رد على تسيبراس، والذي لا تريد له برلين أن يحقق انتصاره السياسي ذلك، والانتقام منه كما قالت صحيفة الجارديان صباح اليوم، على الرُغم من أن قبوله لحزمة التقشف بالأمس لاقى قبولًا من فرنسا وإيطاليا، وهو ما يعني أن الألمان ينظرون لأبعد من مجرد بقاء اليونان من عدمه، ويخشون أن يكون ما جرى تعزيزًا لحركات التقشف في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال لتفعل نفس الشيء؛ وهو ما دفع برلين على الأرجح لتفضيل خروج اليونان ومواجهة عواقب الاضطراب الاقتصادي كدرس لبقية دول الجنوب، وهدم صورة سيريزا في الداخل اليوناني ليكون قد خسر ما بناه من رصيد لدى مؤيديه.

المفيد بالنسبة لتسيبراس هنا هو أن الألمان الآن سيظهرون أمام العالم بصورة القوة المتعنتة كما يحدث بالفعل على تويتر وبين المسؤولين الفرنسيين وحتى في الصحافة الألمانية، وسيكون هو الآن بقبوله لحزمة التقشف القديمة قد أحرج برلين وأظهر أن أفعالها انتقامية بحتة، وأن كل ما أرادته هو أن يقبل اليونانيون الشروط كاملة من البداية مباشرة ليكون سيريزا في صورة من خضع من أول جولة مفاوضات ويخسر قواعده الانتخابية، أما وقد مضى تسيبراس في المعارضة ثم الاستفتاء ليخرج منتصرًا نوعًا ما، فإن الألمان الآن لم يعد يفيدهم سياسيًا الوصول لاتفاق بقدر ما يريدون دفع أثينا لترك اليورو.