ليس سهلًا أبدًا أن تصف نفسك بالـ”يساري” في الولايات المتحدة، وتحظى بالدعم والتأييد في آن، فهي في النهاية بلد انحصرت فيه لعبة السياسة بين اليمين الجمهوري والوسط الديمقراطي، وأحيانًا يمين حزب الشاي المتطرف، وكأن الوسط هو نهاية الطيف السياسي لا اليسار كما عوّدتنا أوروبا، بيد أن جون ستيوارت ربما استثناء لتلك القاعدة، حيث ظل مقدّم برنامج “ذه ديلي شو” الساخر، والذي يصف نفسه بوضوح باليساري، واحدًا من أهم الوجوه الإعلامية الصريحة التي تتمتع بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة.

على مدار ستة عشر عامًا، ولأربعة ليالٍ كل أسبوع، نجح جون ستيوارت في خلق مزيج من نشرات الأخبار العادية والبرامج الساخرة، ليخلق منبرًا بعيدًا عن الطريقة التقليدية لتقديم الأخبار، والتي تتسم بالرغبة في الإحاطة بكافة التفاصيل والانتقال سريعًا بين حدث وآخر دون التعمّق فيه ومناقشته وبطريقة شديدة الرتابة كما هو الحال مع معظم نشرات الأخبار، والبرامج الساخرة التي ربما حاولت الابتعاد عن الواقع قدر الإمكان لترفيه مشاهديها، وهو مزيج جذب الملايين من الأمريكيين الباحثين عن السخرية، دون أن ينأى بهم بالضرورة عما يدور على الأرض، وجذب في نفس الوقت متابعي السياسة الأكثر جدية الذي افتقدوا ربما لبعض الابتسامات، والقليل من المناقشة الصريحة، بدلًا من ديباجات السياسيين التقليدية.

ستيوارت تعقيبًا على حرب غزة 2014

جون ستيوارت يحاول مجددًا مناقشة "المسألة الإسرائيلية"

تباعًا، لم يكن غريبًا أن يجذب ستيوارت شريحة الشباب صغار السن في الولايات المتحدة، والذين ربما ما كانوا ليهتموا أصلًا بالشأن العام لولا برنامجه الساخر، ليصبحوا عن طريقه أكثر دراية بدون الحاجة إلى فوكس نيوز أو السي إن إن، والغارقين في تحيزاتهما المعروفة، وإن كان ستيوارت يمتلك أيضًا تحيزاته، فإنه على العكس من كافة المنابر الإعلامية الأمريكية، لم يخفيها أبدًا، بدءًا من كراهيته لسياسات الجمهوريين، وحتى مواقفه الإنسانية من العنصرية التي يتعرض لها السود، وانتقاداته الصريحة للسياسات الإسرائيلية، على غير عادة الإعلاميين الأمريكيين الأكثر تحفظًا في هذه المسألة، ورُغم أنه ليس أمريكيًا فقط، وإنما يهودي أيضًا.

لم يكن ستيوارت خفيف الظل جيدًا فقط في إضحاك جمهوره وانتقاد الجمهوريين وكل ما تعارض مع رؤاه الليبرالية فقط، بل ونجح بذكاء شديد في تنحية السخرية جانبًا حين احتاج الأمر، كما تشي بذلك الحلقات التي قام بعرضها بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر، والهجوم الأخير على كنيسة تشارلستون ذات الأهمية للأمريكيين من أصل أفريقي، وهي حلقات ناقش فيها ستيوارت جمهوره صراحة وكأنه قد علق السير العام لبرنامجه الساخر، موليًا تلك اللحظات في تاريخ بلاده الاحترام والجدية المطلوبَين فيها، على العكس ربما من بعض مقدمي البرامج الساخرة ممن يسقطون في فخ أولوية إضحاك الجمهوري على حساب الضرورات الإنسانية لوقائع كهذه.

جون ستيوارت وتعقيبه على حادثة إطلاق النار بكنيسة تشارلستون

جون ستيوارت في أول ظهور له بعد 11 سبتمبر

من هو جون ستيوارت؟

هو جوناثان ستيوارت لايبوفيتز، المولود في نيوجرسي لأستاذ فيزياء يهودي مهاجر من شرق أوروبا، وقد تخرج عام 1984 من كلية وليام وماري في فرجينيا حيث درس علم النفس، ثم خدم في عدة وظائف بسيطة منها تقديم عروض بتحريك العرائس للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومدرب كرة قدم بمدرسة ثانوية بعد أن مارس تلك الرياضة طويلًا في سنوات الجامعة، ومسؤول عن ترتيب الأرفف بمحل بضائع، ثم نادل بإحدى الحانات.

في الثمانينيات، بدأ ستيوارت يولي خفة ظله التي عُرِف بها منذ أن كان طالبًا بعض الاهتمام، حيث قدم العروض الكوميدية المعروفة بـ”ستاند أپ كوميدي” كل ليلة في “كوميدي سيلار”، وهو نادي كوميدي بمدينة مانهاتن، ثم دخل عالم التلفاز لأول مرة عام 1989 عندما أصبح معدًا لبرنامج Caroline's Comedy Hour، لينجح في الظهور بنفسه على الشاشة بعد عامين كمذيع من اثنين يقدمان برنامج Short Attention Span Theater، ثم عام 1992 بتقديم برنامج You Wrote It, You Watch It.

بعد ذلك، شرع ستيوارت في تدشين برنامجه الخاص على قناة إم تي في، The Jon Stewart Show، والذي لاقي نجاحًا كبيرًا، وأصبح ثاني أكثر البرامج مشاهدة على القناة، وقد استمر برنامجه في الانتشار على قنوات عدة، وبطول الولايات المتحدة وعرضها، حتى بدأ في تقديم ذه ديلي شو عام 1999، ليحل محل كريج كيلبورن، وليبدأ عصره الذهبي كمقدّم ساخر على شاشة التلفاز مع فريقه المتميز من المعدين حتى الأمس، السادس من أغسطس 2015، حيث تمت إذاعة الحلقة الأخيرة، والتي تحدث فيها ستيوارت باستفاضة عن أبطال عمله المجهولين كلهم وظهر معهم على الشاشة مودعًا الملايين من المتابعين.

إلى أين يتجه جون ستيورات؟

طاقم عمل ذه ديلي شو في الحلقة الأخيرة مع جون ستيوارت بالأمس

منذ عامين، قام ستيوارت بإنتاج فيلمه الأول، روزووتر Rosewater، والذي يحكي فيه عن مراسل مولود في طهران، ويُعَد سيرة لصديقه مراسل النيوزوييك مازيار بهاري الذي اعتقلته السلطات الإيرانية لـ118 يومًا بعد أن ظهر على برنامج ذه ديلي شو، واتهمته بالتجسس لصالح الولايات المتحدة، وقد حصل الفيلم على اهتمام الكثير من النقاد رُغم عدم انتشاره كفيلم تجاري، وهو ما يعني أن الأفلام الدرامية الوثائقية من هذا النوع قد تجذبه ليتفرغ لها بعد أن ترك برنامجه.

على الناحية الأخرى، قد يتجه ستيوارت إلى برامج سياسية أكثر جدية، كما تشي بذلك الأخبار المنتشرة عن لقاء جمعه بمسؤولين بقناة إن بي سي، والتي قالت أنه قد يشارك في تقديم برنامج Meet the Press، وهي فكرة لا يزال ستيوارت يعتبرها بعيدة عنه نوعًا ما، حيث أنه في الأساس مقدم ساخر اتجه للشأن العام في العقدين الأخيرين فقط، مما يجعل البرامج السياسية الصِرفة غريبة عليه.

بينما يترك جون ستيوارت مقعده في ذه ديلي شو لمقدّم جديد، هو تريفور نواه (نوح)، قد يكون الإعلام الأمريكي في الحقيقة على موعد مع مولد جون ستيوارت آخر بالنظر لنفس البداية البسيطة التي بدأ بها جون، ولكن مع فريق فوق الممتاز من المعدين والمصورين، وهو فريق سيظل مستمرًا مع البرنامج، وسيقف خلف نواه على الأرجح ليبقى ذه ديلي شو بنفس الشعبية والمستوى، بينما يتجه ستيوارت إلى مجالات إعلامية وفنية أخرى لا يبدو أنه ينتوي أن يتوقف فيها عن إبداعاته وانتقاداته اللاذعة لليمين، أو كما يقول، كل ما هو غير منطقي بالمرة في الولايات المتحدة.