في العادة، تمتلك المجتمعات فضاءات عامة للتعبير، وفي الدولة الحديثة يُعد الشارع أهم تلك الفضاءات. أثبت الشارع جدارته في التأثير عبر آلاف المرات في كل العالم خلال قرون، إلا أن الشارع في السعودية لا يُعد من الفضاءات العامة للتعبير، ربما، حتى هذا اليوم.
فمع الحملة التي أطلقتها نساء سعوديات للمطالبة بحقهن في قيادة السيارات داخل المملكة يحاول السعوديون أن يستعيدوا الشارع كفضاء عام للتعبير عن الرأي، ليس بالمظاهرات هذه المرة، ولا بالهتافات المضادة للدولة وللنظام القمعي الحاكم، ولكن بقيادة السيارة.

قيادة المرأة للسيارة هو فعل احتجاجي يُعيد للشارع سلطته التي فقدها في ممالك الخليج وخاصة في دول مثل السعودية. فالشارع في السعودية فقد فعاليته، بل ووجوده، بفعل النفط وشيوخ النفط. فمع امتلاك العائلة السعودية المالكة مقاليد المال والدين، استطاعت أن تمتلك الفضاء العام عنوة.
لطالما تساهل النظام السعودي فيما يتعلق باختراق "المحرمات الدينية" وتجاوز القيم إذا ما صدر عن أحد منتسبي العائلة والنظام، لكن رد فعل وزارة الداخلية السعودية على حملة قيادة المرأة، يقول بأن الأمر أبعد كثيرا من فهم متشدد للدين.
فالمملكة تعرف أن نجاح المرأة في استغلال الشارع لتحقيق مطلب ما، سيعني بالضرورة أن الشارع للشعب، وأن من استطاع أن يفرض كلمته مرة في تغيير اجتماعي، سيفرضها قطعا عندما يتعلق الأمر بالتغيير السياسي، طال الزمن أو قصر، لذلك كان رد فعل الداخلية السعودية حاسما في أنهم سيوقعون أشد العقوبات على من يقدن سياراتهن اليوم. 

فرغم توقيع حوالي 17 ألف شخص على التماس يطالب السلطات السعودية بالسماح للمرأة بقيادة السيارة أو تقديم توضيح عن سبب الإبقاء على الحظر، إلا أن نقل المعركة للشارع ولو بأعداد أقل كثيرا -كما هو متوقع- يعني عمليا إنهاء سيطرة الدولة السعودية على ذلك الشارع، ويعني بالضرورة انتصار الشعب السعودي إذا ما قرر الدخول في أي مواجهة مع حاكميه، خاصة في ظل القمع السياسي الشديد الذي يعاني منه المواطن في السعودية.

من المهم القول أن أول مظاهرة سياسية في تاريخ الرياض كانت قد جرت قبل أيام في ميدان القاهرة، حيث استطاع عشرات من الناشطين التظاهر في قلب العاصمة السعودية احتجاجا على اعتقال نساء وتعذيبهن من قبل قوات الأمن.

السعوديات سينتصرن، هذا مؤكد، إلا أن المعركة التي تبدأ بالنزول للشارع، لن تتوقف أبدا حتى تتحقق مطالبها، والنظام السعودي الذي يعتقد المراقبون أنه لن يتوانى عن القتل أضعاف ما فعل بشار الأسد في سوريا، لن يستطيع احتكار الشارع طويلا.

لا يمكن القول كذلك أن حق المرأة في قيادة السيارة في المملكة هو حق مضمون شعبيا، فالمعارضة التي وجدتها الحملة لا يمكن التقليل من شأنها، إلا أن المهم في الأمر أن التدافع الاجتماعي الحادث، سيتضمن استخدام المجال العام في الاحتجاج والدعم، وهو ما يعني مرحلة جديدة للمجتمع السعودي، لا يمكن أن تكون مثل السنوات الطويلة التي سبقتها.