الخطاب الذي ألقاه وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي في ٢٤ يوليو إعلان رسمي بالشروع في حرب أهلية، وهو دليل إضافي على أن الإنقلاب العسكري على الرئيس المصري المنتخب، كان قرارا موغلا في سوء التقدير ورداءة الأداء.بخطابه هذا الذي اهمل فيه الحكومة المدنية الصورية التي عينها وأرادها ان تكون ورقة التين ، كشف انه فرعون مصر الجديد.

بعد قرابة أربعة أسابيع من قرار عزل مرسي، وما صاحبها من اعتقالات تعسفية واتهامات كيدية وحملات إعلامية إقصائية، تبدو الأزمة السياسية في البلاد أبعد ما تكون عن الحل، ويشعر العسكر أن أنصار الرئيس المعزول قد بدأوا يكسبون المعركة، فلقد فوجئوا وفوجئت القوى الليبرالية واليسارية الداعمة للانقلاب، بأن الجماهير التي اعتصمت في ميادين القاهرة وعدد كبير من المدن المصرية طوال هذه المدة، كانت أكبر بكثير مما كان متوقعا مما يؤشر على أمرين، الأول أن الجماهير المعارضة للانقلاب ليست من أعضاء الإخوان المسلمين فحسب، وهو ما حاولت وسائل الإعلام المصرية المتحالفة مع الإنقلاب تكريسه، والأمر الآخر أن عزيمة وإصرار المحتجين كانت أشد مما كان متوقعا، فعلى الرغم من الاعتداءات المسلحة على المعتصمين من قبل أجهزة الأمن المصرية ومن قبل ما يسمى بالبلطجية قد أوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى في أوساط المحتجين، إلا أن أعدادهم في ازدياد.

يستمد القادة العسكريون (شرعية) الإنقلاب من المظاهرات المعارضة لمرسي التي نظمت في ٣٠ يونيو، على اعتبار أن الجيش حارس لإرادة الشعب، وبما أن المؤيدين لمرسي قد نجحوا بدورهم في تنظيم حشود مليونية، فإن الشرعية المدعاة للإنقلاب قد اهتزت، وهو ما يفسر الدعوة التي وجهها وزير الدفاع إلى أنصاره بالتظاهر، فالخطاب الذي ألقاه السيسي والذي تضمن تبريرات مطولة للانقلاب، اتهم أنصار مرسي من المحتجين بممارسة العنف والإرهاب، وختم السيسي خطابه بمطلب يمكن أن يفجر حربا أهلية بالفعل، فقد طلب من الجماهير المؤيدة له التظاهر يوم الجمعة ٢٧ يوليو، في نفس اليوم الذي يستعد فيه أنصار مرسي لمظاهرات حاشدة، وأضاف أنه يريد من هذه الجماهير تفويضا باجراء ما يلزم لمحاربة العنف والإرهاب.

والمقصود من التفويض الذي ينشده السيسي في مواجهة ما أسماه بالعنف والإرهاب هو فض اعتصامات مؤيدي مرسي بقوة السلاح، وهو ما يعني سفك دماء فريق من االشعب بتفويض من فريق آخر، على أن يمنح هذا الامتياز لقوات مسلحة بررت انقلابها ضد العملية الديمقراطية بأنه تدخل من أجل حقن دماء المصريين. 

إذن نحن على مشارف أسوأ السيناريوهات المتوقعة وأكثرها خطورة، فالعنف إن انفتحت أبوابه في مصر سيغذي حالة اضطراب ممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان، وفي حال انضمت مصر بثقلها وعمقها العربي والإفريقي إلى القائمة السوداء، فإنها ستوسع رقعة الفوضى إلى أبعاد غير مسبوقة، لا سيما أن دول الجوار المصري في كل من ليبيا والسودان تعاني هي الخرى من مشكلات أمنية معقدة.

لقد زجت قيادة الجيش المصري  نفسها في أتون معركة سياسية مدمرة، وهي أشد تعقيدا من قدرتها على إدارة تداعياتها، وقد أخطأت تقدير الموقف ، فقد اعتمدت على شراكة سياسية مع قوى ليبرالية ويسارية لا تتمتع بعمق شعبي حقيقي، وإن كانت تمتلك نفوذا إعلاميا واسعا، ولكن الإعلام الدعائي قد ينجح في تزييف الوعي لفترة مؤقتة، ولكنه يفشل في تغيير الثوابت الراسخة للمجتمعات.

ولعل ما ساهم بشكل أكبر في سوء تقدير قيادة الجيش المصري لإمكانية نجاح الانقلاب أنها اعتمدت على مواقف اقليمية داعمة لها، غير أنه هذه المواقف جاءت من جهات من المفترض أن تكون متناقضة: دعم سياسي ومالي من دول عربية، بالإضافة إلى ترحيب إسرائيلي، وإشادة من قبل الرئيس السوري بشار الأسد، ورضى إيراني، عير أن هذه المواقف أملتها حسابات آنية خاصة بهذه الأطراف ، ثم أن هذه المنطقة تعبر تعبر حالة سيولة كاملة، وجميع هذه الأطراف تعاني من مشكلات خاصة بها، والموقف الإقليمي وإن بدا مغريا إلا أنه لا يفلح في إضفاء شرعية على إنقلاب يخسر داخليا.

المواقف الغربية تراوحت بين متردد في دعم الإنقلاب ومبرر له، ولعل أسوأها تقديرا وأقصرها نظرا هو الموقف الأمريكي، الذي احجم عن وصف ما حدث بالإنقلاب، محاولا تبريره بالإشارة إلى فشل الرئيس مرسي، وهي حجة تعتبر سابقة خطيرة على الحياة الديمقراطية عالميا، إذ لو أجزنا لجيوش الدول التي تعاني حكوماتها من فشل في الأداء أو انحدار في الشعبية أن تنقلب على العملية السياسية، لأسقطت جيوش كثيرة حكومات بلدانها، ولهدرت الدبابات في عواصم عالمية بعضها في قلب القارة الأوروبية.

ينبغي أن يتم إنقاذ مصر والمنطقة من عنف محقق، فنحن على وشك أن نرى الشرق الأوسط  ميدانا كبيرا متصلا للعنف والفوضى، وعلى العالم أن يتحمل مسؤوليته، فيسارع إلى تبني مبادرة تستأنف المسيرة الديمقراطية ، صحيح أن مبادرة للمصالحة وإنهاء الصراع قد تبدو متعذرة في الوقت الحاضر، إلا أن هدنة  بين الأطراف المتصارعة توقف الانزلاق نحو العنف تبدو ملحة وممكنة، هذه المبادرة  ينبغي أن تتضمن خطوات تهيء الأجواء لمصالحة حقيقية: تبدا بإطلاق سراح السجناء الذين اعتقلوا بعد الإنقلاب،وعلى راسهم الرئيس المنتخب مرسي، وتضمن حق التظاهر للمصريين جميعا مع حماية جميع الأطراف من الاعتداء، وضمان حرية الإعلام للجميع من خلال السماح للمؤسسات الإعلامية التي أغلقها الجيش باستئناف بثها، هذا مع التزام من قبل القوى جميعها بعدم استخدام العنف.

لقد أحدث الإنقلاب في مصر شرخا بعيد الغور في نفوس أبناء هذه المنطقة، وإن لم يتم تداركه فإننا على وشك افتتاح فصل جديد قوامه اللجوء إلى العنف طريقا وحيدا للفاعلية السياسية، ولن يستطيع أحد أن يقنع الجماهير العربية بأن التداول السلمي للسلطة بات ممكنا، فقد دفُنت دعوات الديمقراطية تحت أحذية العسكر الثقيلة.

ترجمة للمقال الأصلي الذي نشر في الهافنجتون بوست.