يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بدأت تدرك الفجوة الإستراتيجية التي وقعت بها إدارة باراك أوباما، عندما تهاونت مع التمدد الإقليمي الإيراني، مقابل توقيع الصفقة النووية في أبريل/نيسان 2015، هذا التمدد المعبر عنه اليوم بـ"محور المقاومة"، وتبدو إدارة بايدن مصرة على إدارج السياسات الإقليمية الإيرانية ضمن أي صفقة مستقبلية مع إيران.

وفي مقابل ذلك تصر القيادة الإيرانية على عدم السماح ببحث هذه السياسات أو حتى مجرد إدراجها على طاولة المفاوضات، مؤكدةً أن أي عودة أمريكية للاتفاق النووي، يجب أن تكون في إطار الاتفاق السابق، دون إدارج ملفات أخرى، والحديث هنا عن برنامج الصورايخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي.

قد يتبادر تساؤل مهم هنا: لماذا تمتلك قوى إقليمية عدة كالهند وباكستان قدرات نووية دون أن يكون لإيران الحق في ذلك، يمكن القول إن الفرق الجوهري بين إيران وهذه القوى، أن إيران توائم بين مشروعها الإقليمي وسلاحها النووي، أي أنها صاحبة مشاريع سياسية للهيمنة والتوسع، مؤطرة بصياغات دينية وعقائدية، وهي حالة غير موجودة في القوى النووية الأخرى، إذ تنظر إيران للعالم الخارجي بنظرة فلسفية معقدة محكومة بنهاية التاريخ والصراع بين الخير (إيران) والشر (الولايات المتحدة و"إسرائيل")، ومن ثم كيف ستبدو الصورة فيما لو امتلكت السلاح النووي؟

الفتوى النووية لخامنئي بدأت توضع أمامها الكثير من علامات الاستفهام اليوم

تؤشر الإجراءات الإيرانية النووية منذ انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018، بحالة عدم مبالاة لالتزاماتها النووية، حيث تخلت عن الكثير من الإجراءات الفنية والتقنية بمفاعلاتها النووية، كما أنها صعدت أكثر بعد اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة، حيث زادت من نسب تخصيب اليورانيوم بحدود 20%، كما أنها زادت من عدد أجهزة الطرد المركزي، فضلًا عن إنتاجها كميات غير قليلة من اليورانيوم المعدني.

وهي إجراءات تؤشر لجدية إيرانية حقيقية في المضي قدمًا نحو امتلاك القدرات النووية، رغم التعهدات المستمرة التي قدمتها وكالة الطاقة الذرية الإيرانية، بأن البرنامج النووي الإيراني لا يطمح للحصول على السلاح النووي، مستندةً إلى الفتوى النووية التي سبق أن أعلنها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أكتوبر/تشرين الأول 2003.

إلا أنه حتى الفتوى النووية لخامنئي، بدأت توضع أمامها الكثير من علامات الاستفهام اليوم، حيث تعهد خامنئي بألا ترضخ بلاده للضغوط وأكد أن إيران يمكنها تطوير السلاح النووي لكنها لا تريد ذلك، ولن تغير نهجها من الاتفاق بشأن برنامجها.

وقال خامنئي في تصريح أدلى به خلال اجتماع لمجلس خبراء القيادة بمشاركة الرئيس الإيراني حسن روحاني، إن سقف تخصيب اليورانيوم في إيران ليس نسبة نقاء 20%، وهو لن يبقى على هذا المستوى، وأكد أن إيران لن ترضخ للضغوط الخارجية، وأضاف "إذا قررت إيران صناعة السلاح النووي لا يمكن للنظام الصهيوني ومن أكبر منه منعها عن ذلك".

وبالتالي فإن هذا يعني أن فتوى خامنئي ليست ثابتة، فيما لو اقتضت الضرورة الإيرانية، ويمكن تغييرها وفقًا للظروف، فقد غيّر مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الخميني، موقفه، وأصدر فتاوى متناقضة عن عدد من القضايا الداخلية والخارجية سابقًا.

الضرورة الإيرانية لامتلاك القدرة النووية

تواجه إيران واقعًا جيوسياسيًا معقدًا للغاية، فهي ليست عضوًا في أي جماعة إقليمية محيطة بها، سواءً كانت أمنية أم اقتصادية، ومن أجل تجاوز هذا التعقيد، سعت إيران لنسج علاقات تحالفية مع مجمل الجماعات والحركات في الشرق الأوسط، وأطرت علاقاتها التحالفية مع هذه الأطراف تحت مسمى "محور المقاومة"، بحيث أصبحت هذه الجماعات والحركات تهيمن على القرار السياسي والأمني في الدول التي توجد فيها، وخففت الكثير من الضغوط الأمريكية عن إيران، سواءً عبر استهداف المصالح الأمريكية أم أمن حلفائها.

تدرك إيران أن الهدف الرئيسي لإدارة بايدن اليوم، هو عدم السماح لها بتجاوز العتبة النووية تحت أي ظرف، خصوصًا إذا نجحت بتزويد حلفائها، وتحديدًا حزب الله اللبناني، بمواد نووية يمكن استخدامها في صناعة الصواريخ الباليستية

ورغم الدور الكبير الذي مارسته هذه الجماعات والحركات في خدمة النفوذ الإيراني في المنطقة، فإن متغير القدرات النووية التكتيكية، يدخل كتوجه إيراني حقيقي في تعزيز سياسة الردع لديها، فعلى الرغم من أن العديد من المسؤولين الإيرانيين يشعرون بأن نمط سلوك بايدن في التعامل مع إيران داعم أو غامض نوعًا ما، فإن الاتجاهات الحاليّة في سياسة بايدن الإقليمية تعكس حقيقة أن الولايات المتحدة ستواصل سياستها لاحتواء إيران في بيئة إقليمية ودولية متعددة الأطراف.

والسبب الرئيسي لضغوط بايدن الإستراتيجية والتكتيكية في التعامل مع إيران، هو تقليص القوة الرادعة والتكتيكية لإيران في البيئة الإقليمية، ويمكن اعتبار قدرة الردع الإيرانية أحد المؤشرات الرئيسية لقوة إيران التكتيكية ضد التهديدات الخارجية، كما أن البرنامج الصاروخي الإيراني يُعد مكونًا أساسيًا لرادعها الإستراتيجي، نظرًا لافتقارها إلى قوة جوية حديثة، فقد تبنت إيران الصواريخ الباليستية كقدرة بعيدة المدى لثني خصومها في المنطقة.

حيث تدرك إيران أن الهدف الرئيسي لإدارة بايدن اليوم، هو عدم السماح لها بتجاوز العتبة النووية تحت أي ظرف، خصوصًا إذا نجحت بتزويد حلفائها، وتحديدًا حزب الله اللبناني، بمواد نووية يمكن استخدامها في صناعة الصواريخ الباليستية، عندها ستكون الولايات المتحدة مجبرة على حماية التوازن الإقليمي من أي انهيار.

وبالتالي فإن التلويح الإيراني المستمر بزيادة نسب تخصيب اليورانيوم، قد يمثل دبلوماسية ضغط إيرانية لإجبار إدارة بايدن على اقتصار الحديث عن البرنامج النووي، دون الملفات الأخرى، وفي هذا المجال، قد تمثل عملية إخضاع حلفاء إيران والإبقاء على العقوبات، نهجًا فاعلًا لإدارة بايدن فيما لو قررت احتواء إيران على المستوى القريب.

تحديات تقف في وجه الإدارة الأمريكية

رغم سعي إدارتي (أوباما - ترامب) لترويض الدور الإقليمي الإيراني، يبدو حتى اللحظة أن المقاربات الإستراتيجية التي اعتمدتها الإدارتين السابقتين مع إيران لم تنجح، وهو ما يفرض بدوره مزيدًا من الضغوط على إدارة بايدن أيضًا، في كيفية إنتاج مقاربة إستراتيجية جديدة للتعامل مع إيران.

يشير الواقع الإقليمي اليوم إلى أن إيران ماضية في سياسة التصعيد النووي (عبر زيادة نسب تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي)، إلى جانب زيادة الضغوط عبر هجمات وكلائها في العراق وهجمات الطائرات المسيرة التي يشنها الحوثيون من اليمن، ورغم رسائل التهدئة التي بعثت بها إدارة بايدن، عبر سحب مذكرة كانت قد قدمتها إدارة ترامب للأمم المتحدة، متعلقة بتفعيل العقوبات الأممية وفق آلية الزناد، وكذلك إخراج الحوثيين من لائحة الإرهاب، فضلًا عن إعلان الوسيط الأوروبي موافقة واشنطن على حوار غير مباشر مع طهران، فإن إيران عبرت عبر وزير خارجيتها محمد جواد ظريف، بأن هذه الإجراءات غير كافية لعودة إيران للمفاوضات النووية.

يعتبر المسؤولون الإيرانيون أن الدبلوماسية النووية الأمريكية لا تتماشى حتى اللحظة مع المصلحة الإيرانية، ومع وجود شخصيات مهمة في إدارة بايدن مثل أنتوني بلينكن وويليام بيرنز وجيك سوليفان، تتزايد الخشية الإيرانية في إمكانية زيادة الصعوبات أمامها، خصوصًا أن هذه الأسماء تدرك جيدًا طبيعة الاتفاق النووي وتحاول تقويمه اليوم وفق آلية قد تفرض مزيدًا من الضغوط على إيران، خاصة أنها أعلنت في مرات سابقة عزمها التوصل لاتفاق أطول وأوسع مع إيران.