هل يمضي رجب أردوغان في تحقيق الأحلام التركية

خصوم أردوغان التقليديين من اليسار والقوميين والعلمانيين يتهمونه بالسعي نحو الديكتاتورية المهذبة، ويتهمه العلمانيون بأنه يسعى ليكون سلطان المسلمين، وهم يصرحون بأن إقرار النظام الرئاسي قفزة رجب أردوغان للوصول إلى ذلك، فهل إلى ذلك من سبيل .. أردوغان؟

لمحة تاريخية

النظام البرلماني الحالي يُعمل به في الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1923، وقد أخذته الجمهورية من الدستور العثماني الصادر عام 1876، حين تبنى البرلمان العثماني النظام الوزاري حيث مهام الرئيس بروتوكولية.

تركيا قوية بدون نظام رئاسي

علم أردوغان أنه لا يستطيع منح منظومة الرئاسة المزيد من الصلاحيات في عملية صنع القرار في أنقرة، حيث إن قيود دستورية تمنعه من ذلك، فكان الخيار الوحيد أن يسعى لنظام رئاسي، يدافع رجب أردوغان ومستشاروه وأركان حزب العدالة والتنمية عن مشروعه، وفي ردهم على من يقول إن النظام الرئاسي محاولة لاغتيال الديمقراطية، يضربون مثلًا بالنظام الرئاسي الموجود في الولايات المتحدة في واحدة من أنجح الديمقراطيات في العالم، كما أن النظام الرئاسي موجود في أكثر من نصف الدول العشر الأولى اقتصاديًا.

ويدعي رجب وأنصاره أن مشروع تركيا، لتكون أحد أكبر عشر اقتصاديات في العالم عام 2023 (الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية)، لا يتحقق إلا بزيادة فعالية المنظومة الحاكمة التي تعمل الآن برأسين؛ منظومة رئاسة الجمهورية ومنظومة رئاسة الوزراء، مما يعمل على توحيد وتوجيه القوى في تركيا نحو الهدف 2023.

ويلّمح رجب أردوغان أن النظام الجديد سيتحرر فيه الرئيس من كثير من القيود القضائية الموجودة حاليًا؛ وكمثال لهذه القيود ذكر أردوغان في لقاء تلفزيوني أنه عندما رشح أحد الأشخاص لمنصب رفيع في TRT ألغت المحكمة القرار، مما سيعطي زخمًا ومرونة للمنظومة التنفيذية في الوصول إلى الأهداف من خلال تخفيف القيود .

مساوئ الرئيس السوبر

ولكن معارضي رجب أردوغان يقولون إن السيطرة على مركز القوة في تركيا لا يتضمن فقط الرئاسة التنفيذية، ولكن يعني السيطرة على الجهاز التشريعي أيضًا، حيث إن المنظومة التنفيذية في تركيا تنطلق بمجموعها من البرلمان (المنظومة التشريعية) ومع بقاء حزب العدالة والتنمية متمتعًا بأغلبية في البرلمان، تصبح المنظومتان التنفيذية والتشريعية، ومن المتوقع أن يتم تقييد صلاحيات المنظومة القضائية، وأن تتلقى المحكمة الدستورية مجموعة من الضربات للحد من صلاحياتها، مما يجعل من رجب الرئيس السوبر، وحزب العدالة والتنمية الآمر الناهي على السلطات في تركيا.

موقف الغرب من النظام الرئاسي

لا يخفي الغرب قلقه من إقرار النظام الرئاسي، ويبدو أن النظام الغربي ومنظماته العالمية كالبنك الدولي تهاجم أسبوعيًا أردوغان، كما تقوم بحملة إعلامية واسعة لتأييد كل أصناف المعارضة التركية، فالإعلام الغربي يؤيد بوضوح حزب الشعب (العلمانيين) والحركة القومية (القوميين)، ويبدو أن الحصان الأسود الذي يبني الغرب عليه هو حزب الشعوب الديمقراطي (الأكراد)، لمنع رجب أردوغان من الوصول إلى النظام الرئاسي وذلك بتشتيت المقاعد بين أربعة أحزاب.

 الغرب لا يخفي تأييده الكامل لكي يتجاوز حزب الشعوب حاجز الـ 10%، من خلال حملة إعلامية واسعة ومساندة من القوميين والعلمانيين في الداخل التركي، كما لجأ الإعلام الغربي والماكينة الإعلامية لحزب الشعوب مؤخرًا إلى وضع الناخب الكردي بين خيارين؛ إما أن يدخل حزب الشعوب البرلمان أو الفوضى، من خلال حملة عصيان مدني يقوم بها الحزب.

هل يستطيع الغرب تفجير الأوضاع في تركيا في حال أُقر النظام الرئاسي؟ والجواب المؤكد لا يستطيع، وفق المنظور الزمني الحالي، وذلك لوقوع تركيا بين خطى مواجهة حربية إحداهما في الشمال "أوكرانيا"، وأخرى في الجنوب "سوريا"، فهي المنفذ الذي يستطيع منه الغرب الوصول إلى هذه الخطوط والتداخل معها، وتفجير تركيا يعني بالضرورة وصول التنظيمات الإرهابية على مشارف أوروبا من جهة، وفقدان السيطرة على المناطق الأعمق كسوريا والعراق وأوكرانيا.

الغرب وتوقعاته الانتخابية

الغرب لا يشك لحظة بحصول "AKP" حزب العدالة والتنمية على المرتبة الأولى في الانتخابات ويتوقع أن تكون نسبة الفوز لا تتجاوز الـ 46%، والغرب يعمل جاهدًا على أن تكون النسبة بين 40-42%، أما حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) فهم يعملون على أن يتجاوز خط الـ10%، بينما يتوقع الغرب أن يفوز حزب الشعب بـ21-27% والحركة الديمقراطية بين 12-16%، وإذا تحققت هذه التنبؤات فإن حزب العدالة والتنمية "AKP" سيفوز بـ 276 إلى 300 مقعد، مما يمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده ولكن لا يسمح له باعتماد النظام الرئاسي.

رجب أردوغان قد يفاجئ الجميع

والسؤال الكبير هل يستطيع أردوغان القفز فوق التوقعات والحصول على 48.5% أو أكثر من الأصوات، مما يمكنه من الحصول على 330 مقعدًا (المؤهلة لتمرير النظام الرئاسي للاستفتاء الشعبي)، والهجوم العنيف للنيويورك تايمز في 23 مايو الماضي على أردوغان يعني أن الأخير أصبح قريبًا من تحقيق النظام الرئاسي.

لقد عود رجب أردوغان المجتمع الغربي على المفاجآت، فهل يفاجئهم أردوغان ثانية بفوز كاسح، أو بمناورة سياسية تجسر الهوة مع حزب الشعوب الديمقراطي - في حال فوزه -؛ ليتحالف معهم في تمرير النظام الرئاسي الذي أعلنوا أنهم لا يعارضوه إذا أعطى لهم أردوغان مزيدًا من الحقوق القومية، والتي من المتوقع ألا يمانع أردوغان في إعطائها لهم .

وتبقى أعين العالم تنتظر السابع من يونيو ليكتب الأتراك صفحة جديدة لمستقبلهم، من المؤكد أن تأثيرًا مدويًا لها سيتجاوز تركيا وما حولها.