لاعبو المنتخب العراقي

أسود الرافدين

يُقال: "من رحم المعاناة يولد الأبطال"، ومن رحم تلك البلاد الطيبة، التي أنعم الله عليها بنهرين عظيمين هما الفرات ودجلة، وما بينهما من مرعى خصيب وسهل قشيب، خرج أبطال منتخب أسود الرافدين ليزأروا في ميادين كرة القدم، ويرفعوا علم بلادهم عاليًا في المحافل العربية والعالمية، ليرسموا بإنجازاتهم بسمةً على الوجوه الشاحبة، ويشعلوا شمعةً وسط ظلام الأسى والآلام، ودوامات المحن والأزمات، التي أصيب بها أهل بلاد الرافدين، التي ما انفكت تنفض عن كاهلها غبار حرب كريهة حتى ابتليت بأخرى أشد وأدهى، فانطبق عليها قول الشاعر: بلدٌ تبوَأهُ الشقاءُ فكلما ... قدُمَ استقامَ لهُ بهِ تجديدُ.

في كأس العالم

رغم أن الاتحاد العراقي لكرة القدم تأسس منذ عام 1948، وأصبح عضوًا في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عام 1950، إلا أن مشاركة منتخب أسود الرافدين الأولى في تصفيات البطولة العالمية الأهم "كأس العالم"، تأخرت حتى تصفيات مونديال 1974، والتي ودعوها من أدوارها التمهيدية، قبل أن يغيبوا مجددًا عن تصفيات مونديال 1978، ويعودوا للمشاركة في تصفيات 1982 دون أن يصيبوا نجاحًا في التأهل، لتأتي بعدها محطة تصفيات مونديال عام 1986 التي حملت معها الفرح والإنجاز لأبناء العراق، بعد أن نجح المنتخب في تحقيق الحلم المنشود والتأهل إلى نهائيات كأس العالم التي أقيمت في المكسيك، حيث وقعوا في مجموعة صعبة ضمتهم إلى جانب منتخبات: الباراغواي، بلجيكا، والمكسيك المضيف، فقدموا مستوى طيبًا خلال مبارياتهم الثلاث التي خسروها بصعوبة، أمام كل من الباراغواي بهدف يتيم، ثم أمام بلجيكا بهدفين لهدف، حين زرع النجم أحمد راضي أولى قبلات أسود الرافدين على جبين الكرة العالمية، بتسجيله هدف العراق الوحيد في مرمى الحارس البلجيكي الشهير جيان ماري بفاف، قبل أن يخسروا بصعوبة أمام المكسيك بهدف وحيد، ويودعوا المونديال من دوره الأول بعد أن تركوا انطباعًا إيجابيًا لدى كل من تابعهم.

وبعدها شارك أسود الرافدين بانتظام في تصفيات جميع كؤوس العالم اللاحقة، فلم ينجحوا بتكرار إنجازهم، رغم أنهم كانوا قريبين من ذلك في أكثر من مناسبة، ولهم العذر في ذلك فهم لم ينعموا باللعب على أرضهم ووسط جماهيرهم إلا فيما ندر، بسبب الحظر - شبه الدائم - الذي فرضه الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" على إقامة المباريات الدولية في العراق، بداعي عدم توافر الأمن، وهو ما دعاهم للعب مباراتهم الافتتاحية ضمن التصفيات المشتركة الأخيرة (لكأس العالم 2018 وأمم أسيا 2019) في العاصمة الإيرانية طهران، حيث تفوقوا على منتخب الصين تايبيه بخمسة أهداف لهدف، قبل أن يتعادلوا في ثانية مبارياتهم مع تايلندا في بانكوك بهدفين لمثلهما، بانتظار لقاء فيتنام - خصمهم الثالث في المجموعة - الشهر القادم.

أبطال أمم أسيا

كما تأخرت انطلاقة العراق في تصفيات كؤوس العالم، تأخرت مشاركاتها في تصفيات كؤوس أمم أسيا، وذلك بسبب تأخر انضمام الاتحاد العراقي إلى الاتحاد الأسيوي حتى عام 1970، حيث فوت بذلك أربع مشاركات أسيوية على منتخب بلاده، لتكون مشاركته الأولى عام 1972، حيث نجح ببلوغ النهائيات من أول محاولة، ولكنه ودع البطولة من دور المجموعات، ليعود إلى النهائيات مرة أخرى عام 1976، ولكن مع نجاح أكبر تمثل بإحراز المركز الرابع في البطولة، لتلقي بعد ذلك الأحداث والمواقف السياسية بثقلها على أسود الرافدين، وتجبرهم على التنحي عن المشاركات الأسيوية أربع مرات، منذ عام 1980 وحتى عام 1992، ليعودوا بعدها إلى المشاركة بانتظام في جميع النهائيات الأسيوية، فيقفوا عند عتبة الدور ربع النهائي في ثلاث مناسبات متتالية أعوام: 1996، 2000، و2004، قبل أن ينجحوا في معانقة مجد البطولات الكبرى، عندما حققوا لقب كأس أمم أسيا عام 2007، والذي استضافت مبارياته أربع دول شرق أسيوية هي: إندونيسيا، ماليزيا، فيتنام، وتايلندا، وذلك بعد نجاحهم في تخطي عقبة الشمشون الكوري في الدور نصف النهائي، قبل انتصارهم في النهائي على أشقائهم السعوديين بهدف المتألق يونس محمود.

هذا الانتصار فتح على أسود الرافدين أبواب العالمية على مصراعيها، فتم اختيارهم كأفضل منتخب وطني لعام 2007 من قِبل مجلة وورد سوكر الإنجليزية المتخصصة، فضلًا عن تأمين ترشحهم لبطولة كأس القارات التي أقيمت عام 2009 في جنوب إفريقيا، كممثل للقارة الأسيوية، حيث ودع منافساتها من الدور الأول، بعد تعادله مع كل من جنوب إفريقيا المضيفة ونيوزلندا، وهزيمته أمام بطل أوروبا المنتخب الإسباني بهدف وحيد، بعد مباراة للذكرى.

وبعد المشاركة في نهائيات عام 2011 والخروج من ربع النهائي، عاد الأسود مجددًا للزئير في آخر نسخ البطولة الأسيوية التي أقيمت في أستراليا مطلع العام الحالي، حيث أبلوا بلاءً حسنًا وبلغوا المربع الذهبي، إثر تجاوزهم عقبة إيران في ربع النهائي، لتتوقف مسيرتهم أمام منتخب أستراليا المستضيف، ويكتفوا بعدها بالمركز الرابع بعد هزيمتهم أمام شقيقهم الإماراتي في المباراة الترتيبية.

إنجازاتٌ أخرى

يعد المنتخب العراقي من أفضل المنتخبات على الصعيد العربي، وتاريخه في بطولات كأس العرب يشهد له بذلك، فقد توج بلقبها أربع مرات أعوام: 1964، 1966، 1985، و1988، فضلًا عن فوزه بذهبية مسابقة كرة القدم ضمن دورة الألعاب العربية) عام 1985، إضافةً إلى فضية نسخة عام 1999 من نفس الدورة.

كما أن سجله العربي الحافل يتضمن الفوز بثلاثة ألقاب في بطولة كأس الخليج العربي أعوام: 1979، 1984، و1988، فضلًا عن إحرازه المركز الثاني فيها عامي: 1976 و2013.

ولا تتوقف إنجازات أسود الرافدين عند هذا الحد، فخزائنه تحتوي على لقب بطولة غرب أسيا لعام 2002، وذهبية مسابقة كرة القدم في دورة الألعاب الأسيوية لعام 1982، فضلًا عن ذهبية كرة القدم في دورة ألعاب غرب أسيا لعام 2005.

نجوم الماضي والحاضر

تزخر ذاكرة الجمهور العراقي بأسماء جيلين ذهبيين ينسب إليهما الفضل في إنجازات الكرة العراقية، أولهما جيل الثمانينات الذي انفرد بتحقيق حلم الوصول إلى نهائيات كأس العالم، وعلى رأسه النورس الطائر أحمد راضي صاحب هدف العراق في كأس العالم، ومعه النجم حسين سعيد الهداف التاريخي لمنتخب أسود الرافدين برصيد 78 هدفًا، والحارس العملاق رعد حمودي، والمدافعين نديم وسمير شاكر، إضافة لنجومٍ آخرين كناطق هاشم، كريم صدام، حارس محمد، ورحيم حميد.

أما الجيل الذهبي الثاني فهو جيل الألفية الحالية، الذي استطاع حصد أهم لقب في تاريخ الكرة العراقية، لقب أمم أسيا، وهو يتألف من الحارس القدير نور صبري، والمدافعين: جاسم محمد، حيدر عبد الأمير، علي رحيمة، وباسم عباس، ولاعبي الوسط: مهدي كريم، نشأت أكرم، هوار ملا محمد، قصي منير، وكرار جاسم، وفي الأمام: الكابتن يونس محمود، صاحب هدف الفوز بنهائي أمم أسيا، وحامل الرقم القياسي في عدد المباريات مع منتخب أسود الرافدين عبر تاريخه، برصيد 142 مباراة قابلةً للزيادة بما أن اللاعب لا يزال عضوًا في المنتخب الحالي، شأنه شأن كثيرٍ من رفاقه في منتخب جيل أمم أسيا الذهبي، والذين تحولوا إلى فناراتٍ باسقةٍ، تهتدي بنور خبرتهم الواسعة وتجاربهم الناجحة سفن من بعدهم من المواهب الكروية العراقية الصاعدة، كعلي عدنان، ضرغام إسماعيل، سيف سلمان، ياسر قاسم، أمجد راضي، همام طارق، وغيرهم من مشاريع نجوم المستقبل الذين تعول عليهم الجماهير العراقية والعربية، في كتابة سطرٍ جديدٍ من سطور التألق الكروي لمنتخب بلاد الرافدين، الذي لم تستطع ضروب المحن والأزمات أن تخرس زئير ليوثه الهواصر.